في مثل هذا اليوم ومنذ 105 سنوات أي في 24 تموز 1920، وقف العظيم يوسف العظمة، وزير الحربية السوري، في سهل ميسلون المجيد، مقابل جيوش الاحتلال الفرنسي الزاحفة نحو العاصمة دمشق في معركة غير متكافئة.
نعم، أن يوسف العظمة لم يكن موهوماً بالنصر وهو يعي النتيجة، بل كان يرغب أن يسجل التاريخ له وقفة العزَ هذه، وقد سجلها فعلاً.
وقف يوسف العظمة دفاعاً عن كرامة أمة كانت تسحق، في زمن كانت خرائط العار سايكس – بيكو تقسًم منطقتنا بالقوة المفرطة، كما يحدث اليوم بموضع خرائط التطبيع وخرائط تزوير التاريخ، فكان ذاك الزمن كما هو اليوم زمن سقوط وانحدار.
هل ما يجري اليوم ميسلون ثانية؟
اليوم وبعد 105 سنوات على واقعة ميسلون، يعاد مرة جديدة رسم خارطة المنطقة، وهذه المرة أيضاً دون أن يكون لأصحاب الأرض والتاريخ والجغرافيا رأي. هذه المرة لا ترسم الخرائط بالحبر، بل بالدم في كل شبر من أرض مشرقنا النازف، لكن مع فارق بسيط لكنه أليم وحزين، حيث السلاح لا يحمله الفرنسي، بل ميلشيات إرهابية، وتكفيرية مجرمة، إضافة إلى طائرات أمريكية – صهيونية “لكب الزيت” على نار الفتنة.
في واقعة ميسلون أيها السادة، وقف رجلُ واحد إلى جانب شعبه، وصولاً للشهادة في سبيل خير بلاده وضد مشروع التقسًيم.
أما اليوم، فمشاريع التقسيم الداخلية تُدار بتمويل خارجي، تحت ذريعة “حقوق أقليات”، بينما الحقيقة هي حروب بالوكالة لتجعل من “إسرائيل” شرطي المشرق الجديد”.
خرائط اليوم تُرسم عبر غرف استخبارية دولية خبيثة، تحاكي واقع سايكس – بيكو جديد لكن بأسلوب أكثر وحشية، وأكثر شراسة، وأشد جوعاً. نرى كيف فلسطين وهي قلب هذا المشرق كيف تُمحى من الخرائط، والعراق العظيم كيف يُقسم إلى “كانتونات” مذهبية، ولبنان يُجر إلى الفوضى ورسم حرب أهلية جديدة، نرى اليوم كيف يتم تفتيت سورية مذهبياً وعرقياً.
وتجدر الإشارة إلى أن تركيا، الي شهدت تحولا جذرياً من الإمبراطورية إلى الجمهورية، تمارس الآن سياسة توسعية مقنعّة.
أما المشهد المحزن اليوم، هو كيف انتقل الصراع بمنطقتنا بين شعب ومحتل، إلى صراعات بين هويات مزيفة، ومذاهب متقاتلة، وكلها أدوات لمشروع إسرائيلي واحد يهدف إلى دفن الهوية المشرقية الموحدة.
نعم يا ساده، أن يوسف العظمة لم يكن يبحث عن فوز عسكري، بل خرج إلى معركة مانعاً عار الاستسلام. فأين نحن اليوم من عظمة هذا الرجل؟!
نعم، لقد نجح يوسف العظمة برفض دخول الأجنبي دمشق دون قتال ومقاومة، بالمقابل، نرى ونسمع اليوم، كيف ان أنظمة عربية تتوسل العواصم الأجنبية، كي تبقى بالحكم فقط حتى ولو كان ذلك على أشلاء شعبها!
نكون أو لا نكون
أن ما يجري اليوم، هو نسخة عن واقعة ميسلون ثانية، لكن هذه المرة المعركة حول الهوية، حول الذاكرة، والتاريخ، والإرث الحضاري، الذي امتاز به هذا المشرق العظيم، المطلوب اليوم، ليس فقط إطلاق النار على العدو الخبيث، وانما المطلوب إطلاق جبهة مقاومة فكرية وثقافية وسياسية لأثبات حقنا في الوجود.
تمثل كلماتي هذه ، دعوة للمثقفين كي لا يكونوا شهود زور على الأحداث، دعوة للمناضلين المقاومين كي لا يبيعوا دم الشهداء، هي دعوة لشعبنا الصابر كي لا ينخدعوا بشعارات ووعود زائفة وكاذبة وخبيثة، دعوة لأن نكون جميعنا في المرصاد بهدف إفشال كل خرائط التقسيم والاقتتال المذهبي، أيضاً دعوة للوقوف صداً منيعاً لتحقيق مشروعهم بتحقيق إسرائيل الكبرى”.
نعم، لقد استشهد يوسف العظمة، لكنه حتماً لم ينهزم، أما نحن اليوم إن لم ننهض سنكون نحن مًن كتب هزيمة يوسف العظمة بأيدنا. أن معركة ميسلون اليوم يجب أن تكون بوصلة تعيد توجيه فهمنا للصراع، بمعنى آخر، إما أن نُعيد صياغة مشرقنا هذا بدماء الشهداء، وأما نسلَمه كاملاً للمشروع “الإسرائيلي” وبالتالي نكون قد دفنا تاريخنا وإرثنا وهويتنا تحت الأرض.
هل نملك اليوم الشجاعة الكافية، للاعتراف بأن ما سقط في ميسلون كان سقوطاً لوعينا؟
هل نملك الوعي والإرادة لتصحيح أخطاء تلك المعركة، قبل أن يعاد صياغة التاريخ بما لا نتمناه؟
هذه الأسئلة وغيرها معني بها كل مشرقي حافراً على لوح قلبه مصلحة هذا المشرق فوق كل اعتبار
الكاتب : نجا حماده – باحث في علم التاريخ.