١ـ في البداية يجب ان نميز بين المعرفة والثقافة :
ـ المعرفة هي الحصول على المعلومات ، من اي اتجاه كانت، بهدف تكوين دائرة معارف واسعه عند المهتم ، وقد تصغر هذه الدائرة او تكبر ، ولكنها ليست بالضرورة ان تشكل عند من امتلكها ثقافة ما ، وان يصبح بالتالي مثقفا” .
ـ بينما الثقافة هي امتلاك وعي معين ومحدد يخدم مشروعا” معينا” ومحددا” .بحيث يساهم هذا الوعي في صيانة وتدعيم المشروع وجعله اكثر واقعية ، واحتمال تحقيقه احتمال جدي، مما يدفع الى استغلال كافة اشكال المعرفة لنجاح المشروع .
وهذا يعني ان الثقافة يجب ان ترتكز ، الى حد ما ،على المعرفة، بينما ليس بالضرورة ان تصبح المعرفة ثقافة.
٢ـ كما يجب ان نميز بين التلقين والوعظ والانتقاد والوعي النقدي، بما يغني الثقافة ويجعلها اكثر تطابقا مع الواقع لخدمة المشروع الذي نلتزم به ونعمل لتحقيقه.
أ ـ التلقين : وهو اعطاء المعلومة الى الملقن كما هي ، مهما كانت هذه المعلومة . وهنا يأتي الدور على الملقن نفسه، فهل يستغل المعلومه لهدف محدد وخدمة لمشروع معين ، ذاتي او موضوعي ، أم يكتفي باكتناز المعلومة في عقله .. فاذا استغل المعلومة ووظفها في خدمة المشروع ، عندئذ يمكن القول ان التلقين هو تلقين تثقيفي ، واذا لم يستغلها تبقى المعلومة مجرد معلومة مختزنة في الذاكرة ، قد تفيد وقد لا تفيد .
ب ـ الوعظ، هو الترشيد او التنبيه او التحذير ….، وهدفه اقناع الملقن بفكره ما او رؤية او سلوك ، او النهي عن ممارسة ما ، لسبب او لأخر .
والوعظ كالتلقين ، اذا لم تكن غايته خدمة مشروع محدد ملتزم به الواعظ، يبقى محصورا” في خانة تلقين المعرفه . اما اذا خدم الوعظ المشروع ، بطريقة او بأخرى، يتحول حكما الى وعظ تثقيفي .
ج ـ الانتقاد ، او النقد ، هو الاضاءة على حالة ما، وضع ما ، رؤية، فكرة ،هيئة، جماعه، مؤسسة…الخ، والعمل على تفنيد كل ما يحيط بهذه الحالة، من داخلها وخارجها، وما يميزها عن غيرها، وعناصر الخلاف او الاختلاف، وما يعتريها من نقص وعيوب من جهة، ومن عناصر تميز بارزة وواضحة ، وكيفية الحفاظ عليها وترشيدها، من جهة اخرى.
ليس بالضرورة ان يكون هدف النقد الاساءة او التجريح ابدا” ،بل الاضاءة على مجمل العناصر المكونة للحالة الموجه اليها النقد . والعمل على التمييز بين السيء والحسن في هذه العناصر . فاذا تمت الاضاءة على كافة العناصر ، وتم استبعاد العناصر السيئة وتوظيف العناصر الحسنة في خدمة المشروع، يصبح النقد بناءا” وتثقيفيا” ، اما خارج هذا السياق يبقى مجرد نقد من أجل النقد .
عند الكثيرين من النقاد العرب، يعني النقد التشنيع، الشتم ،التقاط الزلات ، ورصد الهفوات …زد على ذلك ان بعضهم يسمي الذم والهجاء والاستهزاء والقدح المسيء ، نقدا” . وحتى في الاوساط الاقل تخلفا” ، تسمى النميمة والفخر والاعتزاز بالنفس والكذب والتدليس ، نقدا” .
ان أخطر فكرة عن النقد هي ادانة الظاهرة المدروسة او الاكتفاء بفصل ما هو سمين عما هو غث ، او ما هو جيد عما هو رديء، او التركيز على السلبيات فقط ، او غربلة الأفكار الأساسية وفرزها عن الأفكار الثانوية ، او فصل الفكرة الاساسية عن فروعها …
يجب ان ننتقل بوعينا وبعقلانيتنا من مجرد النقد الى الوعي النقدي، من رؤية الأمور كما نحن نتصورها في ذاتنا الباطنية الى رؤى مطابقة كليا للواقع كما هو .
د ـ الوعي النقدي : وهو وعي الحالة الموجه لها النقد كما هي ، ورؤية كل عناصرها ومكوناتها بمختلف جوانبها ،ووعي خصائصها ومميزاتها عن غيرها، والاشارة الى مواطن القوة ومواطن الخلل فيها،ومحاولة الكشف عن اسباب العيوب ، ومكامن الثبات والتماسك فيها ، برؤية نقدية شامله وجريئة ومتكاملة تخدم المشروع الملتزمين به…وهنا يظهر الوعي النقدي والخلق والابتكار والابداع، ويصبح النقد بمثابة مرحلة متقدمة على طريق نضوج العقل وتفتحه على الحقيقة والوجود ، ومعرفة ألغاز الكون بكل مكوناته ، ومبهمات الطبيعة بكل تجلياتها ، وعندئذ يستطيع المثقف ان يمتلك ثقافة متقدمة ، واعية، نقدية ومطابقة .
في المفهوم الثوري المتمرد على الواقع ، يتطابق النقد دائما مع الظواهر التي يحاكمها.. ولهذا السبب يعتبر وعيا للواقع والغوص في اعماقه وتحليله من جهة، وامتلاك القدرة على اعادة تركيبه وبنائه من جديد، من حهة ثانية ، وعدم التيه والخلط بين ما هو رئيسي وأولي وما هو ثانوي وجزئي، اي بين القوانين الثابتة والظواهر المتغيرة
الكاتب: اسد غندور