قراءات سياسية فكرية استراتيجية

 

اخر الاخبار

الذين يعودون دون أن يعودوا

يتحدثون اليوم عن السلام كما لو كان صفقة: بالأرقام، بالمواعيد، بتواقيع نظيفة. يتحدثون عن الاتفاقات كأن رسم خطوطها يكفي لمحو الطرق المكسورة، والبيوت الفارغة، والأسماء المبعثرة في الهواء. يقولون: “لنطوِ الصفحة”. لكن لا أحد يسأل الصفحة إن كانت تريد أن تُطوى..

يريدون إقناعنا بأن المنفى ظرف، حادث عابر في التاريخ، شيء يمكن إدارته، تنظيمه، التعويض عنه. يقترحون حلولاً بلا عودة، أوطاناً بلا ذاكرة، ومستقبلاً بلا جذور. يتحدثون عن الاقتصاد بينما الأماكن تواصل نزفها في صمت.

لكن المنفى ليس مكاناً. إنه جرح يسير.

وأولئك الذين يوقّعون، ماذا يوقّعون بالضبط؟
هل يوقّعون باسم الأطفال الذين كبروا بلا سقف، بلا أب، بلا ام بلا قبر يزورونه؟
هل يوقّعون باسم الموتى الذين لم يتركوا سوى أسماء معلّقة في حكايات مبتورة؟
أم يوقّعون فقط لتخفيف تعبهم ؟

في هذا الاندفاع نحو الاتفاق شيء أخطر من الخطأ: إرادة للنسيان. كأن الذاكرة عبء. كأن العودة وهم يجب التخلص منه للدخول في “الواقع”.

لكن أي واقع يطلب محو أهله؟

يتحدثون عن التعايش، لكن على أرض يجب أن يختفي فيها بعضهم ليبقى الآخرون. يتحدثون عن الاستقرار، لكنه قائم على التهجير، على الخوف، على مطاردة صامتة لمن يُدفعون خارجاً ليُؤخذ مكانهم. يسمّون ذلك “تطبيعاً”. لكن لا شيء يولد من المحو يكون طبيعياً.

وهناك أيضاً من بين أهلهم من يقبل هذا الخطاب. من يتبنّى كلمات الاخر حتى ينسى كلماته. من ينظر إلى شعبه كمشكلة يجب حلّها لا كحكاية يجب الدفاع عنها. يقولون: “لنكن واقعيين”. لكن واقعيتهم تبدأ دائماً بالتنازل.

التنازل عن ذاكرة الشهداء.
التنازل عن الأيتام، وقد اختُزلوا إلى أرقام في التقارير.

ثم، شيئاً فشيئاً، التنازل عن الذات.

لأن التعاون مع المحو، حتى باسم السلام، هو مشاركة في اختفاء بطيء. ليس خيانة لقضية فقط، بل قطع لرابطة أعمق، تلك التي تربط شعباً بما كان، وبما لا يزال يحمله، حتى وهو مشتت.

لا يُبنى مستقبل بإنكار ما جعله ضرورياً.

ومع ذلك، يبقى شيء آخر. شيء لا تستطيع الاتفاقات ولا الحدود احتواءه: الاستمرار. ذاكرة لا تنطفئ، وحنين ليس ضعفاً بل اتجاه. يقين صامت بأن العودة ليست مجرد انتقال جسدي، بل وفاء.

العودة ليست دائماً عبور حدود.
إنها رفض الاختفاء.

وطالما بقي ذلك، لن يستطيع أي نصّ موقّع أن يغلق الحكاية

الكاتب: Antoine Charpentier

المصدر :

اقرأ المزيد
آخر الأخبار