قراءات سياسية فكرية استراتيجية

 

اخر الاخبار

سوريا والتحولات القصوى في الإقليم: موقع دمشق في ظل الحرب الأمريكية الإيرانية

سوريا تقف اليوم عند تقاطع أخطر التحولات التي تعصف بالإقليم، حتى وإن لم تكن ميدان المواجهة المباشرة في الحرب الأمريكية – الإيرانية، فالمسألة لا تتصل فقط بتبادل الضربات أو باتساع رقعة التوتر، بل بما تفرضه هذه الحرب من إعادة ترتيب عميقة لموازين القوة في شرق المتوسط والخليج، وبما تفتحه من أسئلة حول موقع دمشق في الخريطة التي تتشكل تحت الضغط العسكري والدبلوماسي معا.

في هذا النوع من اللحظات، لا تقاس أهمية الدول بحجم انخراطها المباشر في المعارك، بل بوزنها الجيوسياسي، وبقدرتها على تحمل ارتدادات التحول أو توظيفها، وسوريا، بحكم موقعها وتاريخها وتركيبتها السياسية، ليست بلدا هامشيا في هذه المعادلة، بل عقدة إقليمية تتقاطع عندها مسارات النفوذ والأمن والاقتصاد.

أي تصدع كبير في العلاقة بين واشنطن وطهران لا بد أن ينعكس على دمشق، سواء عبر تبدل الأولويات الإقليمية، أو إعادة تعريف الأدوار التي يراد لدول المنطقة أن تؤديها في المرحلة المقبلة.

كانت سوريا، تاريخيا، أكثر من مجرد دولة داخل حدودها السياسية، بل معبر بين الكتل الجغرافية، وخط تماس بين مشاريع متنافسة، ومجالا تتجمع فيه آثار الصراع حين يشتد التنافس على الإقليم، وأي قراءة للحرب الجارية من الزاوية السورية لا تعني البحث في حضورها العسكري المباشر، بقدر ما تعني فهم موقعها داخل التحول الأوسع، فكيف يمكن لبلد أنهكته الحرب الطويلة أن يواجه لحظة إقليمية تعيد صياغة خرائط النفوذ، وتختبر مرة أخرى قيمة الجغرافيا ومعنى الموقع؟

الجغرافيا التي لا ترحم

من الصعب فهم موقع سوريا الراهن من دون العودة إلى حقيقة أولى؛ الجغرافيا في المشرق ليست خلفية صامتة للأحداث، بل هي أحد صانعيها، فهذه البلاد الممتدة بين الأناضول والجزيرة والعراق وبلاد الشام والبحر المتوسط ليست مجرد مساحة سياسية نشأت بقرار دولي في القرن العشرين، بل نقطة التقاء بين كتل بشرية وتجارية وعسكرية تعاقبت عليها قوى متعددة، وكانت سوريا عرضة لأن تحمل أكثر مما تحتمل.

تعود اليوم هذه الحقيقة بقوة، فحين تهتز العلاقة بين واشنطن وطهران على هذا النحو، لا يبقى السؤال محصورا في مضيق أو قاعدة أو سماء مفتوحة للطائرات والصواريخ، بل يتسع ليشمل كل العقد الجغرافية التي تربط الخليج بالمتوسط، وسوريا إحدى تلك العقد، ليست فقط بسبب حدودها المفتوحة على العراق ولبنان والأردن وتركيا، بل لأنها تمثل، في الوعي الاستراتيجي الإقليمي، صلة بين المشرق العربي وعمقه الآسيوي، وبين الأمن البري وخطوط النفوذ البحري غير المباشر.

هنا تصبح الجغرافيا نعمة ونقمة في آن واحد، فهي تمنح سوريا قيمة لا يمكن تجاوزها، لكنها تفرض عليها أيضا أن تعيش تحت ضغط المصالح المتضاربة، وكلما دخل الإقليم مرحلة سيولة كبرى، تحولت هذه القيمة من مصدر قوة محتمل إلى عبء، ما لم تستطع الدولة تحويل موقعها من ساحة عبور للآخرين إلى نقطة ارتكاز لمصالحها هي.

ما بعد الاندماج الإقليمي

كانت سوريا، منذ نهاية عام 2024، تحاول أن تفتح نافذة مختلفة على محيطها العربي والإقليمي، مستفيدة من تعب المنطقة من الصراعات المفتوحة، ومن الرغبة في اختبار مقاربة أقل صدامية وأكثر براغماتية، وبدا أن العامل الاقتصادي البوابة الممكنة لهذا المسار من الربط والاستثمار والتبادل، وتقديم سوريا بوصفها جزءا من شبكة مصالح لا مجرد عقدة أمنية مؤجلة.

غير أن الحروب الكبرى لا تترك المسارات الناشئة على حالها، فحين يتصاعد الاشتباك بين الولايات المتحدة وإيران، لا يعود الاقتصاد معزولا عن الأمن، ولا تصبح مشاريع الاندماج قابلة للاستمرار بالمنطق ذاته، وتعود الأسئلة القديمة، فما حدود الدور السوري؟ ما موقع سلطة دمشق من موازين القوة الجديدة؟ هل يمكن التعامل معها كشريك اقتصادي فقط، أم أن الحرب ستجبر الجميع على إعادة إدراجها ضمن ملفات الردع والمحاور والتموضع الأمني؟

هذا التحول شديد الأهمية، لأنه ينقل سوريا من مساحة “الفرصة الاقتصادية” إلى مساحة “الوظيفة الجيوسياسية”، وفي المنطقة، حين تختزل الدول إلى وظائف جيوسياسية، تصبح قابليتها للمناورة أقل، لأن الآخرين يتعاملون معها على أساس ما تمثله في الصراع لا على أساس ما تريده لنفسها.

عودة الدولة الوظيفية

ثمة خطر كبير يواجه سوريا في هذه اللحظة، يتمثل في إعادة إنتاجها كدولة وظيفة لا كدولة مشروع، والدولة الوظيفية، في الشرق الأوسط، تقرأ أهميتها من زاوية ما تمنعه أو ما تمرره أو ما تعرقله في حسابات الآخرين، وهذا النوع من القراءة قد يمنح الدولة وزنا عابرا، لكنه يسلبها استقلالية المعنى.

في العقود الماضية، عرفت المنطقة هذا النمط مرارا، فدول تحولت إلى حواجز، أو ممرات، أو منصات توازن، أو أوراق ضغط، لكنها نادرا ما خرجت من هذا الدور من دون كلفة داخلية باهظة، وسوريا لا تحتاج فقط إلى استعادة مكانتها الخارجية، بل إلى تعريفها الداخلي أيضا، بوصفها دولة قادرة على إنتاج الاستقرار من داخلها، لا مجرد ساحة يختلف عليها الخارج.

يقتضي ذلك أكثر من خطاب سياسي من إعادة تأسيس المصلحة الوطنية على قاعدة واضحة، فالجغرافيا لا يمكن تغييرها، لكن طريقة استخدامها يمكن تبديلها، فبدل أن تكون سوريا منطقة تصريف للتوترات الإقليمية، يمكن أن تتحول إلى عقدة تسويات ومصالح متقاطعة، وعوضا أن تبقى رهينة تعريف الآخرين لوظيفتها، يمكنها أن تسعى إلى فرض تعريف مختلف قائم على الاقتصاد والربط الإقليمي وإدارة المخاطر لا استيعابها فقط.

بين طهران وواشنطن: اتساع الظل السوري

ليست المسألة فيما إذا كانت سوريا ستنخرط مباشرة في الحرب، بل ما ستتمدد به ظلال هذه الحرب فوقها، فالاشتباك الأمريكي – الإيراني لا يعيد فقط تشكيل الردع العسكري، بل يعيد أيضا فرز الحلفاء وأنصاف الحلفاء والخصوم المؤجلين، فتفقد المناطق الرمادية بعضا من قابليتها للحياة، ويصبح الضغط أكبر على الدول كي تعلن موقعا أكثر تحديدا.

هنا تكمن هشاشة الوضع السوري، فمن جهة ثمة حاجة موضوعية إلى استمرار مسار الانفتاح العربي والإقليمي، لأنه يمثل أحد الشروط الضرورية لتخفيف العزلة وإعادة بناء الدورة الاقتصادية، وفي المقابل فإن اشتداد الاستقطاب يجعل هذا الانفتاح نفسه مشروطا بمحددات أمنية وسياسية أعقد من السابق.

سوريا تجد نفسها أمام معادلة شاقة، فكيف تحافظ على انفتاحها من دون أن تدفع إلى تموضع ينسف هذا الانفتاح نفسه؟

الإجابة ليست سهلة، لكنها تبدأ من فهم أن الحياد في الشرق الأوسط ليس إعلانا لفظيا، بل هندسة دقيقة للمصالح، والدولة التي تريد أن تخفف آثار الاستقطاب عليها، لا يكفي أن تقول إنها خارج المحاور؛ عليها أن تبني شبكة مصالح تجعل الآخرين أكثر حرصا على استقرارها من استخدام أرضها أو موقعها في صراعاتهم.

شرق المتوسط كمرآة للفوضى الكبرى

في السنوات الأخيرة، صار شرق المتوسط أكثر من حوض بحري يخضع لنزاعات على الغاز والنفوذ، لقد تحول إلى مرآة مكبرة للفوضى الأوسع التي تضرب الإقليم، تركيا تتحرك وفق هواجسها الأمنية ومصالحها الاستراتيجية، إسرائيل تعيد تعريف بيئتها بالقوة، الخليج ينظر إلى المتوسط بوصفه امتدادا لأمنه لا هامشا بعيدا عنه، والولايات المتحدة تتعامل مع هذا المسرح ضمن صراع أوسع على توازنات العالم، في قلب هذا كله، تقف سوريا لا كمتفرج بل كجزء من البنية العميقة للمشهد.

وهذا ما يجعل المسألة السورية أكبر من ملف داخلي أو من أزمة مؤجلة، فهي ليست فقط بلدا يريد التعافي، بل مساحة ينعكس عليها سؤال أكبر: كيف سيعاد تشكيل الشرق الأوسط بعد انكسار كثير من المسلمات القديمة؟ هل ستتجه المنطقة إلى توازنات مرنة تقوم على تقاسم النفوذ وإدارة التنافس؟ أم إلى انقسام أكثر حدة، تذوب فيه الحدود السياسية لصالح خرائط ردع وعقاب وتحالفات مؤقتة؟

في الحالتين، لا تستطيع سلطة دمشق أن تكتفي برد الفعل، لأن الدول التي تنتظر نتائج التحولات الكبرى تجد نفسها، في الغالب، تتلقى الخرائط بدل أن تساهم في رسمها.

اختبار المعنى السياسي

أخطر ما في هذه المرحلة ليس فقط حجم العنف المحتمل، بل السرعة التي يعاد بها تعريف المعنى السياسي للدول، فالدولة تبقى على الخريطة نفسها، بالحدود نفسها والعلم نفسه، لكنها تفقد موقعها في التوازنات إذا عجزت عن تقديم نفسها بصيغة مفهومة ومفيدة للمرحلة الجديدة.

وهنا يبدو التحدي السوري مضاعفا فلا يكفي أن تنجو البلاد من التداعيات المباشرة للحرب، بل عليها أن تنجو أيضا من التهميش الاستراتيجي، والنجاة من التهميش لا تتحقق بالشعارات، بل بقدرة الدولة على إقناع محيطها بأنها ليست عبئا إضافيا على الإقليم، بل عنصرا ضروريا في استقراره.

السؤال الحقيقي ليس هل سوريا داخل الحرب أم خارجها؟ بل هل تملك رؤية لموقعها بعد هذه الحرب؟ في الشرق الأوسط، تمنحك الجغرافيا أحيانا فرصة ثانية، لكنها لا تمنحك وقتا طويلا للتردد، وسوريا، بما تختزنه من تاريخ وموقع ومعنى، تقف اليوم أمام لحظة نادرة وخطرة معا، فإما أن تعيد تحويل موقعها إلى قوة سياسية قابلة للاستثمار، أو تبقى عالقة في المسافة بين أهميتها النظرية وعجزها العملي عن ترجمة هذه الأهمية إلى نفوذ، وحضور حقيقي كدولة لها سيادة وقانون وهئيات تمثل كل السوريين وتراعي حقوقهم و تحميهم

سوريا في زمن التحولات القصوى
قراءة جيوسياسية: الموقع بين واشنطن وطهران، عودة الدولة الوظيفية، واختبار المعنى السياسي
تحليل استراتيجي · الحرب الأمريكية – الإيرانية وإعادة تشكيل الشرق الأوسط

الخلاصة الجيوسياسية:
المقال يؤسس لأطروحة مركزية مفادها أن سوريا ليست هامشية في الصراع الأمريكي-الإيراني رغم غياب انخراطها المباشر، بل هي “عقدة إقليمية” تتقاطع عندها مسارات النفوذ. الجغرافيا هي صانع الحدث، وليس خلفية صامتة.

المعادلة المركزية:
من جهة، حاجة موضوعية لاستمرار الانفتاح العربي والإقليمي كشرط لتخفيف العزلة. ومن جهة أخرى، اشتداد الاستقطاب يجعل هذا الانفتاح مشروطاً بمحددات أمنية أعقد. الحل يبدأ من “هندسة المصالح” لا من إعلان الحياد اللفظي.



الخطر الأكبر:
إعادة إنتاج سوريا كـ”دولة وظيفة” تُقرأ أهميتها من زاوية ما تمنعه أو ما تمرره للآخرين، وهذا يمنح وزناً عابراً لكنه يسلب استقلالية المعنى. المطلوب تحويل الجغرافيا من “ساحة عبور” إلى “نقطة ارتكاز للمصالح السورية”.



الرؤية الاستراتيجية:
شرق المتوسط تحول إلى مرآة مكبرة للفوضى الأوسع. تركيا، إسرائيل، الخليج، والولايات المتحدة يتعاملون معه كمسرح حاسم. سوريا ليست متفرجاً بل جزء من البنية العميقة للمشهد، وهذا يفرض عليها دوراً فاعلاً لا مجرد رد فعل.

السؤال الحقيقي:
ليس هل سوريا داخل الحرب أم خارجها؟ بل هل تملك رؤية لموقعها بعد هذه الحرب؟ الجغرافيا تمنح فرصة ثانية، لكنها لا تمنح وقتاً طويلاً للتردد. المطلوب تحويل الموقع إلى قوة سياسية قابلة للاستثمار.

المصدر: سوريا الغد

اقرأ المزيد
آخر الأخبار