حين تصدر محافظة دمشق قرارا يحظر تقديم المشروبات الكحولية تفتح سؤالا أعمق عن علاقة السلطة بالمدينة، فهل تدار الحياة العامة عبر التنظيم والمساءلة، أم عبر دفع ما يربك الصورة الرسمية إلى الهامش؟
الحظر لا يعالج السلوك الاجتماعي، بل يعيد توزيع ظهوره؛ يرفع عن الواجهة ما تعتبره الإدارة عبئا أخلاقيا، ويتركه يتشكل في فضاءات أقل وضوحا، فتصبح المدينة أكثر انضباطا في صورتها، وأكثر ازدواجية في واقعها.
في صورته الإدارية الهادئة يصنع الحظر مدينة ذات وجهين، الأول رسمي منضبط، قابل للعرض أمام السلطة وجمهورها؛ والثاني سري، يستمر في العيش بعيدا عن الرؤية، داخل الشقق، والاستراحات، والدوائر المغلقة، والسوق الرمادية.
تتحول دمشق من مدينة متعددة الإيقاعات إلى مدينة مزدوجة؛ واحدة على الورق، وأخرى في الواقع.
ما تطرده السلطة من الشارع يعود في الظل
تاريخ المدن يوضح أن السلوك الاجتماعي حين يخرج من المجال العام لا يتلاشى، بل يغير مكانه وأدواته وشبكاته.
ما يجري في فضاء مرخص وقابل للمساءلة سيدخل، بفعل الحظر، في منطقة رمادية أقل شفافية، فالقرار لا يوقف الحاجة الاجتماعية إلى السهر والتلاقي، بل يغير شروطها من نشاط ظاهر تحكمه قواعد المهنة والرقابة العامة، إلى ممارسة محكومة بالعلاقات الخاصة والقدرة على الالتفاف.
لا تختفي الظاهرة، بل تفقد المدينة قدرتها على تنظيمها، ويفقد الأفراد ما يمنحه الفضاء العام من حد أدنى من الوضوح والحماية.
الحظر آلية لإنتاج الخفاء، فالمدينة التي تجبر جزءا من حياتها اليومية على الاختباء تصبح أكثر قابلية للازدواجية، ففي النهار يظهر خطاب الفضيلة، وفي الليل تعمل شبكات التحايل، ففي العلن تبدو المدينة مطيعة، وفي العمق تتكاثر المسارات السرية، فتفقد السياسة العامة معناها الإصلاحي، لأنها تستبدل التنظيم بالإقصاء، والرقابة العلنية بالعمى الإداري.
الحظر كامتياز طبقي
أحد وجوه القرار الأقل تداولا يتمثل في أثره الطبقي، فالحظر لا يوزع القيود بالتساوي؛ بل يجعل الحرية مرهونة بامتلاك الخصوصية.
القادرون على تأمين فضاءات مغلقة وشبكات موثوقة سيواصلون أنماطهم الاجتماعية بكلفة أعلى وربما بقدر أكبر من السرية، بينما يخسر محدودو الدخل ما كان يتيحه الفضاء العام من حضور مشترك ومنخفض الكلفة، وتتحول الخصوصية من حق فردي إلى امتياز اجتماعي، ويصبح المنع عبئا أثقل على من يملكون خيارات أقل.
الفئات الأقل قدرة على شراء الخصوصية، فتتحمل الكلفة الأثقل، فالحظر يسحب منها مساحة اجتماعية كانت تمنحها قدرا من الحضور العام، ويعيدها إلى شروط أكثر ضيقا يحكمها الدخل، والعائلة، وشبكات العلاقات.
لا يعود السهر خيارا مدينيا متاحا بدرجات متفاوتة، بل يتحول إلى امتياز لمن يستطيع تأمين شروطه خارج المجال العام، وينتقل القرار من تنظيم سلوك محدد إلى إعادة فرز غير معلنة لمن يملك حق الظهور ومن يدفع إلى الانكفاء.
تتكشف مفارقة القرار حيث يعلن حماية المجتمع، لكنه يعيد توزيع الحرية وفق القدرة الاقتصادية، وما كان متاحا نسبيا في مكان عام يصبح امتيازا داخل فضاء خاص، والنشاط المدني المكشوف يغدو ممارسة طبقية مغلقة.
اقتصاد الليل تحت السقف المنخفض
الحانات والمطاعم والملاهي جزء من اقتصاد حضري هش، يتجاوز فكرة اللهو إلى شبكة رزق يومية مرتبطة بخدمات الليل وحركته.
تحويل التراخيص أو تفريغها من مضمونها لا يطال أصحاب المنشآت وحدهم، بل يضغط على دورة عمل كاملة تقوم على التشغيل والتوريد والحركة التجارية المحيطة، ومع كل مساحة تغلق أو تعاد صياغة وظيفتها، تفقد المدينة موردا اقتصاديا صغيرا، لكنه بالغ الأهمية في بيئة تعاني أصلا من ضيق فرص العمل وتراجع القدرة على الإنفاق.
تستطيع الإدارة أن تقول إنها تضبط المهنة، لكنها عمليا تدفع جزءا من اقتصاد الليل إلى الانكماش أو التخفي، فالعامل الذي كان يعمل بعقد أو بأجر واضح سينتقل إلى عمل موسمي، عابر، هش.
مع تراجع النشاط العلني، لا تنكمش فرص العمل فحسب، بل تتبدل طبيعتها أيضا، فالمهن المرتبطة باقتصاد الليل ستنتقل من بيئة قابلة للتنظيم إلى أشكال أكثر هشاشة وتقطعا، حيث تغيب العقود الواضحة، وتتراجع الحماية المهنية، وتزداد مساحة الوساطة والاستغلال.
الاقتصاد الرمادي ينمو حين تضيق القنوات القانونية، فكل منع واسع يخلق وسيطا، وكل تضييق يفتح بابا خلفيا، ويصبح التحكم الحقيقي بيد من يعرف الطريق، لا بيد القانون، وهذه ليست نتيجة جانبية؛ إنها منطق طبيعي لأي سياسة تدفع الطلب الاجتماعي إلى خارج العلن.
النساء بين العلن المغلق والبيت الأخطر
في النقاش العام حول الحانات، يغيب غالبا سؤال النساء والأمان، فالفضاء العام رغم عيوبه، يمنح العلاقات الاجتماعية حدا من الانكشاف الذي يتيح المساءلة ويخفف اختلالات القوة.
أما دفع السهر إلى المجال المغلق، فينقل النساء إلى شروط صعبة، حيث تصبح القدرة على الانسحاب أو طلب الحماية أضعف، وحدود السلوك مرهونة بمن يملك المكان ويسيطر على إيقاعه، فلا يطال الحظر نمطا اجتماعيا فقط، بل يمس أيضا شروط الأمان المتاحة داخل المدينة.
حين يدفع السهر إلى الخصوصية القسرية، تتقلص قدرة النساء على اختيار شروط وجودهن الاجتماعي، فالخروج إلى مكان عام يختلف عن الذهاب إلى شقة خاصة، فالأول يمنح هامش انسحاب ورؤية وحماية نسبية، والثاني يضع الحضور داخل علاقة قوة أشد ضيقا، فسياسة الإخفاء تحمل أثرا جندريا واضحا، حتى حين تتحدث بلغة عامة ومحايدة.
المدينة الآمنة لا تقاس بغياب الحانات من الشارع، بل بقدرة سكانها، رجالا ونساء، على الوجود في فضاءات عامة واضحة، منظمة، خاضعة للقانون.
دفع الحياة الاجتماعية إلى الداخل يجعل النساء، خصوصا الشابات، أمام خيارات أقل، ومخاطر أعلى، ورقابة اجتماعية أشد قسوة.
الدولة التي ترى أقل
المفارقة الجوهرية في القرارات التي تتخذ باسم الضبط أنه كلما انتقل النشاط من العلن إلى الخفاء، تراجعت قدرة الدولة على فهمه وتنظيمه.
الترخيص لا يمنح المنشآت شرعية قانونية فقط، بل يضعها ضمن مجال قابل للمحاسبة، أما الحظر فيدفع الممارسة إلى مسارات يصعب تتبعها، ويحول العلاقة بين السلطة والمجتمع من رقابة واضحة إلى ملاحقة انتقائية.
عندما تنسحب أدوات التنظيم من المجال العلني، لا يحل محلها فراغ محايد، بل تنشأ مساحة ملتبسة تحكمها العلاقات غير الرسمية وتقديرات القوة، ويفقد المواطن وضوح القاعدة، وتفقد الإدارة قدرتها على التدخل المنضبط، فيتحول الضبط من إجراء قانوني معلن إلى ممارسة انتقائية قابلة للتأويل والضغط، فخطورة سياسة الإخفاء أنها لا توسع سلطة القانون، بل توسع سلطة المزاج.
باب توما ليس مستودعا للرموز
حصر بيع المشروبات المغلقة في أحياء بعينها يضيف إلى القرار بعدا رمزيا حساسا، فهذه المناطق ليست هوامش مخصصة لاستثناءات أخلاقية، بل جزء أصيل من النسيج الدمشقي العام.
عندما تعامل بوصفها نطاقا لما يسمح به دون غيره، تختزل هويتها المدنية في وظيفة واحدة، وتدفع إلى تصنيف اجتماعي يحمل سكانها معنى لم يختاروه، فالقرار يعيد ترميز المكان، ويحول التنوع من عنصر غنى إلى علامة فرز.
المدينة التي تقسم وفق ما يجوز هنا وما يحرم هناك تفقد وحدتها المدنية، ويصبح الحي علامة، والسكان موضوعا للتأويل، والتنوع مدخلا للفرز، فدمشق التي عاشت طويلا عبر تداخل عاداتها وأسواقها وأديانها وطبقاتها، تتضرر حين تتحول أحياؤها إلى جزر وظيفية، لكل جزيرة سلوك مسموح وصورة مفروضة.
معركة الظهور
المعركة الحقيقية تدور حول حق الظهور، فمن يحق له أن يكون مرئيا في المدينة؟ وأي نمط حياة يحصل على مكان في الشارع؟ وأي سلوك يطلب منه الاختباء كي تبقى الواجهة متجانسة؟ هذه الأسئلة تضع القرار في قلب السياسة، حتى لو جاء على هيئة تعميم إداري.
المدينة عقد اجتماعي مفتوح، يتيح للناس المختلفين أن يتجاوروا تحت سقف قانوني واحد، وحين تختار السلطة نمطا واحدا، تدفع البقية إلى الهامش فتتآكل الثقة بين السكان والإدارة.
قرار حظر تقديم الكحول في دمشق يكشف عن فلسفة حكم يرى التعدد مشكلة ينبغي تقليص حضورها، فالمدينة وفق هذا المنطق، تصبح أكثر قبولا كلما بدت أقل اختلافا، وأكثر قابلية للضبط كلما تراجعت مظاهرها المتنوعة من الواجهة.
دمشق تحتاج إلى سياسة عامة تعترف بتنوعها، لا إلى خريطة أخلاقية تضيق على سكانها، وإلى تنظيم يحمي السلامة والحقوق، فالحانة التي تغلق تختفي من الشارع، لكنها تفتح باباً أوسع لمدينة “القبو” التي لا تراها السلطة، ولا تحميها القوانين، ولا يتساوى فيها السكان، فتخسر دمشق ما هو أكبر من السهر؛ قدرتها على العيش في الضوء.
دمشق بين المدينة الرسمية والمدينة السرية
حين يغلق الحظر الحانة .. يفتح القبو
قراءة تفاعلية لتداعيات قرار حظر تقديم المشروبات الكحولية: الازدواجية، الامتياز الطبقي، الاقتصاد الرمادي، وأثر الخفاء على النساء والمدينة
الحظر لا يعالج السلوك الاجتماعي، بل يعيد توزيع ظهوره. يصنع مدينة ذات وجهين: وجه رسمي منضبط، وآخر سري داخل الشقق والاستراحات. يتحول السهر من نشاط مدني علني إلى امتياز طبقي، وينمو الاقتصاد الرمادي، وتتراجع قدرة الدولة على الرؤية والتنظيم.




المصدر: سوريا الغد