يصعب فهم الأزمة الإيرانية الغربية؛ إذا جرى اختزالها في سؤال تقني يتعلق بنسبة تخصيب اليورانيوم أو بعدد أجهزة الطرد المركزي. إذ إن الملف النووي، مع طابعه التقني الظاهر، يمثل في جوهره ساحة صراع على موقع إيران داخل النظام الإقليمي وعلى حدود قدرتها على الحفاظ على استقلال قرارها السياسي خارج منظومة الهيمنة الغربية التي تقودها الولايات المتحدة.
تاليًا؛ فإن قراءة الملف النووي بمعزل عن بنية القوة في المنطقة تؤدي إلى تشويه طبيعة الصراع واختزاله في زاوية تقنية لا تعكس حقيقته السياسية.
منذ انتصار الثورة الإسلامية، في العام 1979، دخلت العلاقة بين إيران والولايات المتحدة في مسار صدام بنيوي. لم يكن هذا الصدام نتيجة خلافات ظرفية، إنما هو نتيجة خروج إيران من دائرة التبعية الاستراتيجية للولايات المتحدة ورفضها الاندماج في ترتيبات الأمن الإقليمي التي أعادت واشنطن تشكيلها في الخليج وغرب آسيا (الشرق الأوسط). في الوعي السياسي الإيراني، لا ينفصل هذا المسار عن إرث تاريخي يعود إلى انقلاب العام 1953، والذي أطاح بحكومة محمد مصدق بعد تأميم النفط، وهو حدث ما يزال يشكّل مرجعية تفسيرية لسلوك الغرب إزاء الدول التي تحاول استعادة سيادتها الاقتصادية والسياسية.
في هذا السياق، لا يُنظر إلى البرنامج النووي الإيراني على أنه مشروع تقني مستقل، بل أداة مركبة تجمع بين الردع السياسي وبناء توازن قوة إقليمي وتعزيز هامش الاستقلال الاستراتيجي. إذ إن الدولة التي لا تمتلك مظلة حماية دولية أو تحالفًا أمنيًا مضمونًا، تجد نفسها مضطرة إلى تطوير أدوات ردع ذاتية تمنع إعادة إنتاج نموذج الإخضاع أو تغيير النظام بالقوة أو عبر الضغط الاقتصادي الطويل. من هنا، يصبح الاحتفاظ بقدرة نووية كامنة جزءًا من معادلة البقاء الاستراتيجي، حتى من دون الانتقال إلى امتلاك سلاح نووي معلن.
الكاتب: معتز منصور