قراءات سياسية فكرية استراتيجية

 

اخر الاخبار

مسألة السلاح، بصراحة ….

لم يشغل الخواطر ولا بال الكثيرين من الكتاب والصحافيين والسياسيين ورجال الدين وجود سلاح كسلاح المقاومة في لبنان …. ربما لدوره المميز في تحرير لبنان من الاحتلال الاسرائيلي ( التحرير الأول على يد المقاومة الوطنية سنة ١٩٨٥ والتحرير الثاني على يد المقاومة الإسلامية سنة. ٢٠٠٠). وربما لتعاظم دور المقاومة في لبنان والإقليم وعلاقته المميزة بالجمهورية الإسلامية في إيران ومواجهة المشروع الأميركي الصهيوني وحساسية وتداعيات هذا الدور في التوازنات الطائفية في لبنان، حيث يسود الخوف والحذر من أي إختلال في التوازنات، وميزان القوى، والدورالذي لعبته المقاومة في مساندة الإخوة الفلسطينيين الذي كانوا وما يزالون يتعرضون للإبادة الجماعية ولم ينجدهم فعلياً أحد أو جهة .. فكانت المساندة مبررة أخلاقيا وقومياً وشرعياً وانسانياً لأنها محاولة لرفع الظلم وإبعاد القتل الجماعي الذي اتسمت به الحرب على غزة، فكان قرار المساندة صواباً والمواقف المتفرجة والمتلطية وراء تبريرات معروفة الخلفيات والدوافع خطأ وخذلاناً وبهتاناً… ولكم تبارى المحللون والناطقون في أبواق الإعلام النامي على ضفاف السياسة الأميركية أو الصهيونية او الحضن العربي الأميركي في إثبات عدم شرعية سلاح المقاومة كمقدمة لحصره بيد الدولة، أو نزعه أو تحييده أو سحبه أو أو…. والهدف من كل ذلك أمن إسرائيل وإزالة القلق عند بعض اللبنانيين …. فهل لهذا السلاح من شرعية؟

الاعتداءات الإسرائيلية، تاربخياً، سابقة على وجود أية مقاومة في #لبنان. ففي سنة ١٩٤٨ هاجمت إسرائيل لبنان واحتلت عشرات القرى الحدودية وارتكبت مجزرة حولا وسقط فيها ٩٨ شهيداً ولم تفعل الدولة اللبنانية شيئا يذكر حينها….

تكررت الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب بعد دخول الفدائيين الفلسطينيين الى لبنان، وخاصة إثر *”إتفاقية القاهرة”، ومجازر *”أيلول الأسود” في الأردن، وأسس الشيوعيون اللينانيون ما عرف يومها ب “الحرس الشعبي” وراحوا ومعهم أحزاب أخرى يحفرون الملاجئء عند الحدود مع فلسطين المحتلة، كما أسس السيد موسى الصدر حركة أفواج المقاومة اللبنانية ( أمل )، بعد أن كانت إسرائيل قد احتلّت عددا من القرى الحدودية سنة ١٩٧٨ ، إلا أن الدولة لم تفعل شيئا لتحرير اللأرض عدا العمل على اصدار القرار ٤٢٥ يوم كان الاستاذ غسان التويني مندوب لبنان في الأمم المتحدة.

اجتاحت اسرائيل لبنان عام 1982 واحتلت بيروت وارتكبت مع حزب الكتائب مجزرة صبرا وشاتيلا بعيد اغتيال بشير الجميل الذي أوصلته اسرائيل الى رئاسة الجمهورية. وبعد مجزرة صبرا وشاتيلا واحتلال بيروت أعلن الحزب الشيوعي اللبناني ومنظمة العمل الشيوعي جبهة المقاومة الوطنية ضد الاحتلال وعملائه وانضم اليها الحزب السوري القومي الاجتماعي وحزب البعث والناصريون، وبعد سنة ونيّف ظهر الى العلن حزب الله الذي أسس المقاومة الإسلامية.. والدولة البنانية أيضا لم تفعل شيئا رغم أن الدبابات الاسرائيلية وصلت على بعد مئات الامتار من قصر بعيدا.

إذاً شرعية المقاومة وسلاحها جاء نتيجة العدوان والاحتلال الاسرائيلي من جهة، واستقالة الدولة من دورها وواجبها في الدفاع عن الوطن من جهة أخرى، وما زال الوضع على حاله من الاحتلال واستقالة الدولة من دورها.

إسرائيل طوّرت أسلحتها وكذلك المقاومة وهو حق مشروع للدفاع عن النفس والأرض والمياه والثروات، في ظل غياب الدولة وعجزها وتبعيتها وخضوعها الكامل للوصاية الأميركية وسياسة المتربعين على أطنان المال، من العرب، أعداء أي مقاومة، فهم يريدون الاستقرار والأمن والأمان ليستمتعوا بنعيم ما لديهم من ثروات ولو دفعوا ثلثيها للأميركي الذي يدّعي حمايتهم وآخر ما يهمهم: فلسطين ولبنان واليمن والمقدسات ووجود مئة مليون عربي أمّي لا يقرأ ولا يكتب بين العرب ….

الآن وبعد حرب الإبادة على غزة ومساندة لبنان لشعبها في حرب ال٦٦ يوماً التي لما تنته بعد على لبنان، أعلن رئيس الجمهورية أنه مع المفاوضات المباشرة مع اسرائيل وكان قد سبقه رئيس الحكومة في إعلان إسقاط الممنوع والمحرم تجاه اسرائيل، أي التفاوض المباشر، في حين كان لبنان منخرطاً في مفاوضات غير مباشرة عبر آلية” عُرفت ب “لجنة الميكانيزم”، التي ترأسها الولايات المتحدة منذ اعلان وقف اطلاق النار الذي لم تحترمه اسرائيل قط بعد حرب ال٦٦ يوماً، إذ لم تلتزم وقف النار فقتلت خلال 15 شهراً تلت “وقف اطلاق النار”، أكثر من خمسمائة لبناني ودمرت مئات المنازل والمنشآت الإقتصادية والننموية، أما لبنان الرسمي فلم يطلق رصاصة واحدة على اسرائيل ولم يرفع أية شكوى الى مجلس الأمن الدولي، بحجة إعطاء مجال “للمساعي الدبلوماسية”، الى أن انكشفت حدود التواطؤ مع أميركا واسرائيل لإضعاف البيئة الحاضنة للمقاومة، تمهيداً لنزع سلاحها ..

لقد صبرت المقاومة خمسة عشر شهراُ على مسلسل القتل بحقها وحق بيئتها وأعطت الدولة الفرصة الكافية لإظهار نتائج “مساعيها الدبلوماسية” والعمل مع أصدقاء لبنان الأقربين والأبعدين …

وبعد الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران واغتيال السيد علي الخامنئي، الذي يمثل بالنسبة للمقاومة ولبيئتها الحاضنة وبخاصة الطائفة الشيعية باعتبارها أكبر مرجع شيعي في العالم، وبعد أن حذرت المقاومة أن لصبرها على إجرام اسرائيل حدوداً، وجدت في ذلك التوقيت المناسب للرد على انتهاكات إسرائيل المستمرة ضد الشعب اللبناني، فقامت قيامة الدولة اللبنانية وكل من يدور في فلك السياسة الأميركية على المقاومة، متهمين إياها بخرق وقف اطلاق النار وبإعطاء الذريعة لإسرائيل لتصعد أكثر وتتوغل داخل الأراضي اللبنانية..

سنة وثلاثة اشهر وإسرائيل تخرق وقف النار يومياً، وفي هذا الدليل بأن الحرب الاسرائيلية على لبنان لم تتوقف، كما أن المقاومة ليست السبب في الحرب على لبنان، ولكن وراء الأكمة ما وراءها، فقد حملت السلطة اللبنانية المقاومة المسؤولية في عودة الحرب الواسعة، فسارع رئيس الجمهورية إلى إعلان إستعداده للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل والذهاب إلى أي مكان كان من إنقاذ لبنان، على طريقة أنورالسادات، وهذا يعني الذهاب الى إسرائيل في الوقت والظرف المناسبين.

تجاهلت إسرائيل مدة شهر كامل طلب لبنان للحوار المباشر، وبعد إخفاقات الولايات المتحدة في حربها على إيران، ومع نضوج الأسباب للذهاب الى محادثات مباشرة بين واشنطن وطهران، تدخل الأميركي وطلب من رئيس الوزراء الاسرائيلي الموافقة على طلب لبنان الرسمي.

هكذا، ذهب لبنان الى المفاوضات المباشرة مع اسرائيل مجرداً من جميع أوراق القوة ومن الحد الادنى من الإجماع الوطني الذي تحتاجه خطوة بهذا القدر من الخطورة كي لا تتسبب باهتزاز الوضع الداخلي وتهديد السلم الأهلي ..

رئيس الجمهورية اللبنانية ألقى كلمة نعت فيها المقاومين في جنوب لبنان وهم يدافعون عن أرضهم وبيوتهم وعائلاتهم بأنهم أرقام معدّة للموت، وأنهم متهورون لا عقلانيون، وأنهم انتحاريون ومغامرون، وأنهم يموتون من أجل خارج قريب وخارج بعيد ويعني بذلك فلسطين وإيران، الأمر الذي جعل الرئيس يظهر وكأنه طرف واضح في صراع المحاور، وأنه رئيس لبعض لبنان، وليس رئيس للجمهورية اللبنانية، مما جعل صورته تهتز وطنياً بشكل كبير.

لقد بات الوضع اللبناني الآن في عنق الزجاجة، فإسرائيل شرعت في تثبيت وضعها في القرى الحدودية حتى نهر الليطاني وقلعة الشقيف، أما المقاومة فبالمرصاد، إذ لا تعترف بالخط الاصفر او الازرق اللذين تحددهما اسرائيل في ما ترغب أن تسميه المنطقة العازلة.

قريباً قد يتم التوصل الى اتفاق بين لبنان الرسمي واسرائيل تحت رعاية أميركا، إتفاق سيجعلنا نترحم بعده على **إتفاق ١٧ أيار وقد يرتد ذلك سلبياً على لبنان ويهدد سلمهأ..

السلطة اللبنانية ماضية في الذهاب نحو الأخطر ونحو المزيد من تنفيذ إملاءات الوصاية الأميركية، فالسلاح المطلوب نزعه أميركياً وإسرائيلياً ورسمياً لبنانياً ومن كثيرين من العرب والاوروبيين، كانت أميركا قبل اليوم وبواسطة اسرائيل وتواطؤ السلطة اللبنانية في حرب تموز 2006 ، قد عملت على نزعه بقوة ولكنها باءت المحاولة بالفشل بعد ٣٣ يوم من الحرب الطاحنة التي انتصرت فيها المقاومة باعتراف لجنة التحقيق “فينوغراد” الاسرائيلية، علماً أن السلطة اللبنانية يومها كانت تتمنى إطالة الحرب حتى تقضي إسرائيل على حزب الله (وقد كان في هذا السياق غداء مع كوندوليزا رايس في السفارة الأميركية في لبنان، جمع رئيس الوزراء فؤاد السنيورة، وبعض رموز اليمين اللبناني المعادي للمقاومة).

منذ الثامن من أوكتوبر ال٢٠٢٣ واسرائيل تحاول نزع هذا السلاح. إنه سلاح أهل الأرض الذين اتكلوا على أنفسهم في الدفاع عن وطنهم بسبب تخلي أو عجز الدولة اللبنانية، وهو سلاح غير قابل للانتزاع لا من الخارج ولا من الداخل، وواهم كل من يحلم بالأمن والأمان والاستقرار في جوار كيان غاصب صهيوني توسعي عنصري ..

قيل في السابق أن على لبنان أن يختار أن يكون إما هانوي ويعني خوض الحرب وإما هونكونغ أي الازدهار والسلام والتجارة والتنمبة ووو الخ.. لبنان، وعند حدوده كيان محتل صهيوني عنصري سيبقى وحتى إشعار آخر يجمع بين هانوي وهونكونغ شئنا ذلك أم أبينا، فهذا واقع موضوعي أيضاً حتى إشعار آخر، والسلاح، كما تدل التجارب وتشير الحاجة إليه، باق باق باق، طالما بقيت إسرائيل، وبالتالي فعلى لبنان أن ينظم أوضاعه على هذا الأساس وألاّ يفرط بعناصر قوته، وفي مقدمتها الوحدة الوطنية وسلاح المقاومة، الذي أثبت فعاليته في مواجهة الغزاة الصهاينة، مهما بلغ حجم التدمير وأعداد الشهداء والجرحى ..

ان للحروب وجوهاً من الفظاعة وللأوطان حاجات وتضحيات، وللكرامة والشرف شهداء يحيون مع الوطن وبهم يحيا الوطن، وما أقبح العيش في أحضان الذل والجبن والخوف.

إن على لبنان، إن بقي لبنان، أن يفكر في كيف تكون الدولة إطارا والمقاومة الى جانب الجيش خياراً، وهو حرّ في أن يختار شكل الدفاع عن سيادته وأرضه ومياهه وثرواته الطبيعية، وأن ينظر بعمق الى سلاح المقاومة واختيار الشكل الذي يُطمئن الداخل اللبناني وأن تتبنى الدولة هذا السلاح الى جانب الجيش الوطني.

واهمٌ من يتصور أن الجيش اللبناني ستسمح أميركا بتسليحه ليدافع عن لبنان في وجه عدوان إسرائيل، وهذا وضع شاذ لا بد أن تكون له نهاية، لأن@ فيه إنتقاصاً واضحاً وصريحاً من سيادتنا، فلبنان ليس محمية أميركية ولن يكون.

الجيش اللبناني لا تنقصه الوطنية ولا الشجاعة ولكن ينقصه القرار السياسي من سلطة سياسية وطنية يأتمر بقراراتها. لبنان في خطر والسلاح باق ما بقيت إسرائيل والوصاية الأميركية على لبنان وطالما هناك تخلي من قبل الدولة عن واحبها في الدفاع عن الوطن …. لبنان يقع في دائرة الخطر فافتكروا يا أولي الألباب ..

اقرأ المزيد
آخر الأخبار