يفخر المصريون اليوم، لا لأن مصر بلغت الكمال، ولا لأن أزماتها انقضت، ولا لأن نظامها السياسي صار مثالًا يُحتذى، وإنما لأنها، وسط هذا الانهيار الإقليمي العام، ما زالت تحتفظ بحد أدنى من معنى الدولة. دولة تتعثر، نعم، وتخطئ، نعم، وتثقلها الأزمات، نعم، لكنها لم تتحول إلى أرض تُدار من داخل قاعدة أجنبية، ولم يصبح قرارها الوطني ملحقًا بتوقيع جنرال قادم من وراء البحر.
لا لأن مصر صارت حرة بالكامل، ولا لأن قرارها الوطني مكتمل الاستقلال، بل لأن الدولة المصرية، بحكم تكوينها التاريخي، ما زالت ترى أن السلاح الذي يحمي الأرض يجب أن يبقى بيدها، وأن أمن البلاد لا يُؤجَّر لقوة أجنبية.
هذه ليست مسألة رمزية، ولا بقايا خطاب قومي قديم، بل مسألة تتعلق بطبيعة الكيان السياسي نفسه. فالدولة التي تحتاج غيرها ليحرس حدودها، ويضمن بقاء نظامها، ويردع خصومها، ليست دولة كاملة السيادة مهما تضخمت ثروتها، ومهما ارتفعت أبراجها، ومهما أنفقت على صورتها في الإعلام العالمي.
ومن هنا يبدأ فهم المأزق الخليجي.
لقد امتلكت بعض دول الخليج من المال ما كان يكفي، لو وُجدت الإرادة، لبناء منظومة أمن جماعي عربي مستقلة، أو على الأقل لصناعة توازن إقليمي يحفظ مصالحها من دون وصاية. لكنها اختارت الطريق الأسهل، والأغلى في الوقت نفسه، استيراد الأمن من الخارج، ثم تحويل هذا الاستيراد إلى عقيدة سياسية دائمة.
ومع الزمن، لم تعد القواعد الأمريكية مجرد منشآت عسكرية، بل صارت بنية ذهنية كاملة. صارت النخب الحاكمة ترى الاستقرار فيما تراه واشنطن استقرارًا، وترى الخطر فيما تسميه واشنطن خطرًا، وترى النجاة في مزيد من الارتباط بمن جعل الارتباط به أصل الأزمة.
وهنا تظهر الحقيقة التي يُراد إخفاؤها دائمًا، الأمن المستورد لا ينتج أمنًا، بل ينتج حاجة دائمة إلى من يورده. القوة الخارجية لا تأتي لتُنهي اعتمادك عليها، بل لتجعله أكثر رسوخًا، وأكثر كلفة، وأكثر إذلالًا مع الوقت.
ولهذا أمضت المنطقة عقودًا تحت المظلة الأمريكية، من دون أن تنتج استقلالًا استراتيجيًا حقيقيًا، أو قدرة ذاتية على الردع، أو منظومة عربية متماسكة. الذي تضخم هو الإنفاق العسكري، لا القوة العسكرية. والذي ازدهر هو شراء السلاح، لا صناعة القرار.
ثم جاء التطبيع مع إسرائيل باعتباره الامتداد الطبيعي لهذا المسار، لا انحرافًا عنه. فمن اعتاد أن يُدار أمنه من الخارج، سيتعامل مع إسرائيل باعتبارها أصلًا أمنيًا إضافيًا، لا باعتبارها كيانًا استعماريًا اقتُلعت من أجله أمة كاملة من تاريخها.
قيل إن التطبيع سيجلب التكنولوجيا، والاستثمار، والسلام، والاندماج في المستقبل. لكن ما الذي تحقق فعليًا؟ إسرائيل حصلت على اختراق سياسي مجاني، وعلى شرعية إقليمية كانت تعجز عن انتزاعها بالحرب. أما العرب، فلم يحصلوا على شيء جوهري.
لم تتوقف المستوطنات، لم ينته الحصار، لم يتراجع العدوان، لم تُحل القضية الفلسطينية، لم ينشأ سلام عادل، ولم تتبدل طبيعة المشروع الصهيوني قيد أنملة. الذي تغير فقط أن بعض العواصم العربية قررت التعامل مع المشكلة باعتبارها شريكًا.
وذلك لأن السلام لا يُبنى فوق اختلال مطلق في القوة، ولا فوق تجاهل حقوق شعب حي، ولا فوق القفز من فوق التاريخ. ما بُني هو علاقات بين دول، لا سلام بين شعوب. ترتيبات نخب، لا تسويات تاريخية.
وفي المقابل، فإن مصر، رغم كل ما يُقال فيها وعليها، ما زالت تحتفظ بإدراك أعمق قليلًا لطبيعة الدولة في هذا الإقليم. فهي تعرف، من خبرة قرنين، أن من يسلّم أمنه للخارج يسلّم قراره تباعًا، وأن من يستبدل جيشه بحارس أجنبي، يبدأ من حيث لا يدري في تفكيك دولته.
وهذا لا يعني تمجيد التجربة المصرية، ولا تبرئة أخطائها الثقيلة، ولا إنكار تبعياتها الاقتصادية والضغوط الواقعة عليها. لكنه يعني فقط أن بعض الأمم تخسر وهي تحاول أن تبقى مستقلة، وبعضها يربح ماديًا وهو يتنازل عن شروط الاستقلال نفسها.
والخسارة الأولى، تاريخيًا، أقل فداحة من الربح الثاني.
لذلك فالسؤال الحقيقي ليس من بنى مدنًا أكبر، ولا من راكم أموالًا أكثر، ولا من وقّع اتفاقات أوسع. السؤال هو، من بقي دولة بالمعنى السياسي، ومن تحوّل إلى وظيفة داخل نظام إقليمي أكبر منه.
وعند هذا السؤال تحديدًا، تبدأ المقارنة الجادة، وتنتهي الدعاية.
الكاتب: معتز منصور