قراءات سياسية فكرية استراتيجية

 

اخر الاخبار

الخطيئة القاتلة

د. اسكندر كفوري

يعيش العالم المعاصر تقلبات وخضات لم يشهد لها التاريخ مثيلا من حيث شموليتها وغرابتها وابتعادها عن مسارات التطور البشري الطبيعي التقليدي. فابتداء من تجارب المختبرات الاميركية المنتشرة في الكثير من دول العالم والعاملة على نشر فيروسات قاتلة وتحويل المجتمعات البشرية الى بؤر هلع وموت وصولا الى الحروب الالكترونية وما تأتى عنها من ابتكارات لما يسمى بالذكاء الاصطناعي المهدد في بعض تفاصيله للعقل البشري والذي يمكن ان يطيح به، والتشتت الفكري والعقلي للاجيال الصاعدة والعمل الحثيث لتغيير السلوك البشري عبر هذه الابتكارات وغيرها العديد العديد من الظواهر الاخرى المهددة للتكوين الاجتماعي الانساني المتعارف عليه، كما وما طرحته بعض الدوائر الاستعمارية للدول الكبرى من تشريع قوانين الزواج المثلي وتغيير الجنس عند الاطفال وفرضها بالقوة على رؤساء الدول، ولا سيما على قادة الطوائف الدينية لما تمثله من نفوذ وتأثير كبيرين، حيث استطاعوا استقطاب العديد من هذه الطوائف والمذاهب وبقي جزء اخر يقاوم بقوة ويتعرض لحملات منظمة لخرقه وتغيير تاريخه وقواعد سلوكه وثوابته وقوانينه المتبعة ومن هذه الحملات ما جرى ويجري التركيز عليه منذ عدة سنوات لتفتيت الطائفة المسيحية الارثوذكسية من خلال استتباع بعض قيادة هذه الطائفة لتفكيكها والحاقها بالسياسة الاميركية الرعناء والتي تكتسب في الآونة الاخيرة مزيدا من الجحود والجنون مع دونالد ترامب الخارج من رحم الرأسمالية المتوحشة النهمة لابتلاع كل ما تصادفه امامها من دون التوقف عند اي رادع ووازع.
وفي هذا السياق فان مواجهة هذه البشاعة من الشراهة الوحشية الاميركية، تحتم بذل كل الجهود لوقف هذا الجنوح حتى تعطيله. فالمتتبع لمسار الاحداث العالمية، ولا سيما مؤخرا على اكثر من ساحة دولية يستنتج ارتباطها الوثيق والمعقد، فالإجراءات السياسية المثيرة للاشمئزاز المتعلقة بتمرير مشروع قانون زواج المثليين العام الماضي في اليونان مثلا تظهر وجود محرك رئيسي واحد وراء كل هذا “الدفع” نحو هذا التشريع غير الضروري. هذا المحرك هو الاوساط الاميركية والاوروبية المعروفة ومن خلال بعض ادواتها المؤثرة في اليونان وعلى رأسها المدعو أكيس سكيرتسوس (Akis Skertsos)، وهو مستشار مقرب من رئيس الوزراء كيرياكوس ميتسوتاكيس (Kyriakos Mitsotakis). المفاجىء ان المشكلة ليست بشخصه فحسب؛ فهو يعلن بصوت عالٍ ما هو عليه ولا يخجل ولا يختبىء وراء احد ولكن المشكلة الكبرى هي ان رأس هذه اللعبة المخفي يقبع في (فنار) اسطنبول في سدة البطريركية المسكونية.
عندما ارتفع النقاش حول قانون زواج المثلية في اليونان تحتم على جميع رؤساء الكهنة في اليونان اتخاذ موقف علني، واعترض الجميع على التشريع المثير للجدل وإن كان بدرجات متفاوتة من الحماس. لقد خرج البعض (مثل المطران نيكولاوس والمطران سيرافيم من بيرايوس) ضد القانون بقوة. ولم يكن صوت البعض الآخر مرتفعاً بنفس القدر لكن الملفت ان البيان الصادر عن البطريرك المسكوني بارثلماوس كان باردا الى حد كبير.

انما الاكثر اثارة والذي يدعو الى الاستغراب ان البطريرك برثلماوس اختار أقوى مؤيدي مشروع قانون زواج المثليين المستشار سكيرتسوس، ولم يكتف بدعوته إلى مقره العام في الفنار، بل كرمه وأجلسه عن يمينه في أكثر المواضع شرفاً أثناء قداس عيد الغطاس في كنيسة القديس جاورجيوس وكأنه تجسيد للإيمان المسيحي. وهذا الامر لم يكن ليعنينا لو انه لم يشكل خطرا ليس على اليونان وحدها بل على ما يمثله غبطة البطريرك المسكوني فيما لو لم يجر وضع حد لهذا التفلت وبشكل عاجل من قبل كل الكنائس المحلية.

التلفزيون الحكومي اليوناني ( ERT3) بث القداس مباشرة، وبالتالي أتيحت الفرصة للجميع لمشاهدة هذا الحفل الغريب من التكريم الذي قدمه برثلماوس لاحد أكبر دعاة الزواج المثلي والمحرضين عليه سكيرتسوس.

الهجمات اللاخلاقية التي قادتها الولايات المتحدة لفرض تقاليد منافية للقيم والعادات وخاصة الدينية من زواج المثليين الى بدعة تغيير الجنس عند الاطفال، لاقت اصداء عند بعض النفوس الضعيفة من سياسيين وبرلمانيين ومثقفين ورياضيين وما شاكل… الا ان الامل كان في تصدي رجال الدين لهذه البدع اللاخلاقية التي تتناقض في جوهرها مع التعاليم الدينية والتقاليد السامية. ولذلك فان مشاركة بعض كبار رجال الدين وعلى الاخص البطريرك المسكوني في مثل هذه الفعاليات ومع رموز نافرة وتكريمها يثير القلق والخوف والاستنكار لدى المؤمنين المتمسكين بتقاليدهم وجوهر دينهم.
والاكثر اثارة للحنق ان سياسيين فاشلين يغيّرون مواقفهم غب الطلب وبشكل جوهري. فبعد فوز ترامب في تشرين الثاني الماضي وهو المعارض الصلب للزواج المثلي وتغيير الجنس، بدأ الصدع ينتشر على الفور في جسم دعاة المثلية في العالم، فقد استقال أحد المستشارين المقربين من رئيس الوزراء اليوناني ميتسوتاكيس المدعو أليكسيس باتيليس، وهو مثلي الجنس ومتزوج علنًا من رجل، عندما رأى أن رئيس الوزراء عدل سلوكه على الفور مع الحقائق الجديدة وبدأ فجأة في تقديم نفسه على أنه “ضد الصحوة”!! فقد بدأوا يشعرون بنهاية طريقهم المثير للاشمئزاز، حيث يتم الآن إلقاء جميع الساسة المستيقظين من بايدن وهاريس إلى ترودو إلى ماكرون إلى شولتز وتابعته انالينا بيربوك واحدًا تلو الآخر في “سلة مهملات التاريخ”….
لكن يبدو ان غبطة البطريرك المسكوني ليس لديه مثل هذه المشاكل فقد جمع حوله مجموعة من “الفتيان الراقصين” وهو تقليد عثماني عريق شكل صفحة سوداء في التاريخ البشري. مع العلم ان اقرب مساعديه المطران ايمانويل مطران ابرشية فرنسا سابقا وخليقدونيا حاليا ومساعده ماكسيموس جمعوا حولهم في الابرشية في باريس مجموعة من المثليين البلغار. وايضا ما قام به المطران البيذافوروس راعي ابرشية الولايات المتحدة وشمال اميركا التابعة للبطريركية المسكونية واحد اقوى المرشحين لخلافة البطريرك المسكوني الذي قام برعاية عمادة طفلين متبنين من قبل زوجين مثليين وهذا محرّم في الديانة المسيحية الارثوذكسية.
فهل هناك اتجاه للانقضاض على التعاليم والتقاليد الأرثوذكسية كما نعرفها من خلال قبول المثلية الجنسية والترويج لها واحتضانها ومن خلال تشجيع الانشقاقات المتعددة والتسامح مع القوانين الثابتة للمجامع المسيحية والاتيان بزعماء عصابات حاقدين وتصييرهم مطارنة ورؤساء كهنة هدفهم القضاء على الارثوذكسية والسيطرة على كنائسها وافراغها والتمثيل بها، كما والاحتفال المشترك مع الزنادقة، وكل خطيئة أخرى يمكن تخيلها؟!!؟
لاي هدف ولمصلحة من من الجهات يجري كل ذلك؟!!!
إن حقيقة أنهم يتبعون أوامر السلطان (أردوغان) ووزارة الخارجية التركية، يمكن ان تبدو وبرغم دناءتها أقل المشاكل امام ما يرتكبون من معاصي خطيرة. لذلك يتعين علينا جميعًا أن نتخذ كل التدابير التي نستطيعها لمحاربة مثل هذا السلوك غير الأخلاقي! وفي مرحلة ما، يتعين علينا أن نفكر في العودة إلى تقاليدنا السمحة الجميلة ونبذ كل من يخونها، فلا يمكن ان يكون للخونة مكان بين اصحاب الحق والمبدأ…

اقرأ المزيد
آخر الأخبار