ينطبق على اللبنانيين منذ ان عصفت بهم رياح المصارف ونهبت مدخراتهم وجنى اعمارهم (في سياق محاصرة سوريا والمقاومة من قبل الاميركيين) المثل بأن الغريق يتمسك بقشة على امل النجاة. والقشة في حالتنا الراهنة لم تطفو صدفة على سطح الماء، بل انها اتت مع الامواج الاميركية وفي محاولة لخلق وقائع سياسية جديدة ليس فقط في لبنان، وانما في العمل لاعادة تشكيل المنطقة على ارضية التطبيع مع الكيان الغاصب.
وهمان اثنان يروج لهما الاميركي وادواته الاقليمية والمحلية:
الاول، الاعتقاد بان الصراع في المنطقة قد حسم لمصلحة المحور الصهيوامبريالي، وسيكون سهلاً دفع لبنان عبر التحالف السلطوي المفروض لنزع الشرعية الحكومية عن المقاومة المسلحة ضد الصهاينة من باب تحييد لبنان والضغط من خلال مقايضة شرعية السلاح باعادة الاعمار، باتجاه التطبيع مع تكريس حق الصهاينة بفرض هيمنتهم العسكرية وممارستهم للاعتداءات والقصف وخرق السيادة بذريعة منع حزب الله من اعادة تشكيل قوته العسكرية. ولقد اثبت الجنوبيون، انه بالرغم من الاثمان الغالية جداً التي دفعوها في المواجهات البطولية مع العدو الصهيوني، انهم لن يتخلوا عن كل اشكال المقاومة لطرد الصهاينة والعودة الى قراهم ومدنهم واعادة اعمارها، وهذا تأكيد على ان مشاريع حلفاء اميركا واسرائيل ليست اكثر من أضغاث احلام.
الثاني، اعتبار ان جوزف عون ونواف سلام يحملان برنامجاً اصلاحياً وهدفهما ضرب ما اصطلح على تسميته بمنظومة الفساد. لا يوجد قوة سياسية الا وتعلن بانها مع تطبيق القوانين و”بناء” الدولة، وهو الخطاب الذي شبعنا منه منذ انتهاء الحرب الأهلية واقرار الطائف. اللافت في ما يجري اليوم هو اغفال المضمون الاقتصادي للخطاب “الاصلاحي” والتصويب على “الفساد” المرتبط بالثنائي الشيعي.
ان اغتيال رفيق الحريري وما تبعه من توظيف سياسي رفع الرجل لمرتبة القداسة، وابعد عنه الخطاب النقدي. في حين ان الفضل شلق، الذي شغل منصب اليد اليمنى للرجل، اكد في غير مناسبة ان الخزينة حُملت ٤٨ مليار دولار اعباء مشاريع المرحلة الاولى لما سمي اعادة الاعمار، في حين ان كلفتها الفعلية لم تتجاوز ١٦ مليار دولار. هل نسي اللبنانيون مزاريب صندوق المهجرين، ومجلس الانماء والاعمار ومجلس الجنوب؟
وماذا لاحقا عن مؤتمرات باريس وغيرها والتي كانت تؤجل انكشاف الفجوة المالية، في وقت كان تحالف رأس المال مع اركان السلطة الطائفية وبمباركة من المؤسسات الدينية يستمر في اعادة انتاج ذات السياسات التي اوصلت اكثر من ٩٠ بالمئة من اللبنانيين الى جهنم في حين زادت من ثروات الاقلية مئات الاضعاف ورفعت ٣ بالمئة الى قمة الجنة على حساب كل الشعب اللبناني.
ما تسرب من اسماء لوزراء في سلة نواف سلام يؤكد ان هؤلاء ليسوا سوى اختصاصيين من خريجي المدرسة النيوليبرالية، ولا هو، كما رئيس الجمهورية ليسوا بصدد اعادة النظر في السياسات الاقتصادية الحريرية، وسيكملون سياسات الاستدانة واجراءات تصفية القطاع العام وخصخصة قطاعي الكهرباء والنفط وبيع ممتلكات الدولة وكل ذلك تحت عنوان ترشيد الانفاق ومحاربة الفساد.
ان التصدي لهذين الوهمين هو المدخل لتشكل حركة شعبية وطنية مقاومة.
د. طنوس شلهوب