قراءات سياسية فكرية استراتيجية

في الذكرى ال 61 لانتصار الثورة الجزائرية هل تنهي الجزائر اليوم الهيمنة الغربية في شمال وغرب افريقيا كما انهت عصر الاستعمار الفرنسي؟

في العام 1830 قامت فرنسا باحتلال الجزائر بذريعة حماية المصالح الفرنسية وضمان سلامة المواطنين الفرنسيين الذين يعيشون في المنطقة. لكن في حقيقة الامر فلقد كانت فرنسا تهدف من احتلال الجزائر إعادة بناء امبراطوريتها التي خسرتها مع هزيمة نابوليون في واترلو، وكان ذلك بهدف الوصول الى مصادر مواد أولية لنهبها وفي نفس الوقت الاستيلاء على أراض تستخدم لاستيطان الفرنسيين في وقت كانت تشهد فيه فرنسا تزايدا سكانيا كبيرا. ولقد مهد احتلال الجزائر لفرنسا أن توسع نطاق سيطرتها في منطقة غرب افريقيا. ومع نهاية القرن التاسع عشر كانت فرنسا قد استولت على اقطار عديدة في شمال وغرب افريقيا ما جعلها الإمبراطورية الثانية من حيث الحجم بعد الإمبراطورية البريطانية. ولقد شكل ذلك جزءا من عملية التوسع الاستعماري الأوروبي الذي استطاع تقاسم العالم.
وفي ظل الاستعمار الفرنسي مرت الجزائر بتغييرات كبيرة. وقدم الفرنسيون نظامهم الإداري وطبقوا سياسات التنكيل والتهميش بالجزائريين الذين مورس ضدهم التمييز بكافة اشكاله ضدهم وحُرموا من حقوقهم الأساسية. وقد قام الاستعمار الفرنسي بانتزاع الأرض من الجزائريين وتوزيعها على المستوطنين الفرنسيين الذين جلبوا معهم لغتهم وثقافتهم وعاداتهم. وقد رد الجزائريون بإعلان الثورة مرارا وتكرارا للخلاص من هذا الاستعمار الذي كان الاقسى بالمقارنة مع استعمار اقطار أخرى في العالم.
ولقد شكلت حرب الاستقلال الجزائرية تتويجا لنضال الشعب الجزائري على مدى مئة واثنين وثلاثين عاما. وقد اطلق الجزائريون ثورتهم في العام 1954 وخاضوا نضالا بطوليا ضد السلطات الاستعمارية التي استعملت أسوأ أساليب البطش وأكثرها اجراما، حيث استخدم الجيش الفرنسي التعذيب والقتل لقمع ثورة الجزائريين. وقاد حرب الاستقلال جبهة التحرير الوطني التي كان من أبرز قادتها أحمد بن بلة والهواري بومدين ومحمد بوضياف وحسن آيت أحمد. وقد استعر الصراع بين الثوار والسلطات الاستعمارية حيث خاض الجزائريون حرب عصابات ضد جيش كان يصنف أنه من الأقوى في العالم وضد امبراطورية كانت شريكة في الهيمنة على العام. وبنتيجة مثابرة الجزائريين اضطرت فرنسا على الرضوخ لرغبتهم وقبلت قيادتها ممثلة بالجنرال شارل ديغول بالانسحاب من هذا البلد فتحقق الاستقلال في الخامس من يوليو 1962 بعد التوقيع على اتفاقية ايفيان بين فرنسا والجزائر.
وقد سقط مليون ونصف مليون جزائري شهداء من أجل تحقيق الاستقلال، الا انهم نجحو في تحرير بلادهم وطرد ملايين المستوطنين الفرنسيين الذين كانوا قد استولوا على مساحات كبيرة من الأراضي الجزائرية.
والجدير ذكره أن نضال الجزائريين كان جزءا من حركة تحرر عالمية كانت قد انطلقت عقب الحرب العالمية الثانية والتي سعت الشعوب المغلوبة على أمرها للتخلص من الاستعمار الأوروبي الذي نهب خيرات الشعوب على مدى عدة قرون. فكان تحرير البلدان الافريقية والاسيوية وحتى الأميركية اللاتينية من هيمنة الاستعمار الأوروبي والامبريالية الأميركية.
لذلك فإن الجزائريين لم يكونوا يقاتلون ضد فرنسا وحدها في الجزائر بل كانوا يقاتلون ضد القوى الغربية مجتمعة التي كانت تدعم الاستعمار الفرنسي، وعلى رأس هذه القوى كانت الولايات المتحدة الأميركية التي كانت ترى في تحرر الجزائر خطرا على هيمنتها التي كانت تسعى لفرضها على العالم. والجدير ذكره أن تحرير الجزائر كان خاتمة لعملية تحرير البلدان الافرواسيوية من الهيمنة الاستعمارية اذ أن فرنسا كانت قد ضطرت للانسحاب من عدد من مستعمراتها في غرب افريقيا نتيجة الضغط الذي كانت تتعرض له من الثوار الجزائريين. وبعد تحرير الجزائر فإن الامبرطورية الفرنسية الثانية التي كانت قد انطلقت في االعام 1830 مع احتلال الجزائر كانت قد زالت من الوجود.
في المقابل فإن عددا كبيرا من قوى التحرر دعم الثورة الجزائرية وكان من ضمنها مصر في ظل الزعيم جمال عبد الناصر وكوبا في ظل فيدل كاسترو والاتحاد السوفياتي في ظل نيكيتا خروتشيف. ولقد شكل تحرر الجزائر منطلقا لتعزيز الحركات المعادية للامبريالية الغربية في العالم.
مع نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي مال توازن القوى العلمي بشكل كبير لصالح القوى الغربية الامبريالية وعلى رأسها الولايات المتحدة، فكان ان تم استهداف الجزائر باثارة حرب داخلية من أجل تهميش قوة هذ البلد وتجديد الاندفاعة الغربية للسيطرة على شمل وغرب افريقيا. وعلى مدى ثلاثة عقود كن هنالك ضمور لدور الجزائر الإقليمي والدولي ما منح القوى الغربية الفرصة لاستهداف اقطار مجاورة لها مثل ليبيا ومالي والنيجر وغيرها ما اثر سلبا على الامن القومي الجزائري.
هذا يفسر سر صعود نجم الرئيس عبد المجيد تبون المدعوم من الجيش وهو الحارس الأول لميراث الثورة الجزائرية. ومع الرئيس تبون بدأت الجزائر باستعادة عافيتها الاقتصادية واستقرارها وفاعليتها السياسية ما جعلها تنشط دورها الإقليمي والدولي خصوصا في منطقة شمال وغرب افريقيا. وتهدف الجزائر من ذلك الحد من نفوذ فرنسا والقوى الغربية في منطقة افريقيا كسبيل للتحرر من الهيمنة الامبريالية وضمن الاستقلال الوطني للاقطار لعربية والافريقية. هذا ما جعل الرئيس تبون يزور موسكو ساحياء الشراكة الاستراتيجية معها، وهذا ما جعله يتهيأ للتوجه الى الصين لاقامة شركة سترتيجية معها. ويأمل الرئيس تبون من ذلك أن يوازن الضغوط لغربية بالتحالف مع قوى اوراسية صاعدة تهدف الى إقامة علم كثر عدالة عبر الحد من الهيمنة الغربية ولانتقال بالعالم من نظام احادي القطبية تسيطر عليه الولايات المتحدة الى نظام متعدد الأقطاب. فهل تنجح الجزائر في الحد من النفوذ الجزائري والغربي في شمال وغرب افريقيا؟ وهل ان ذلك سيمهد لزوال الأحادية القطبية كما شكل انتصار الثورة الجزائرية في العام 1962 إيذانا بنهية الاستعمار الفرنس ومعه الاستعمار القديم في العالم؟

اقرأ المزيد
آخر الأخبار