أولا : تقديم
في البداية، لا بد من التأكيد على ما يلي :
أ- ان ثورة ٢٣ يوليو هي ثورة وطنية معادية للاستعمار وللأمبريالية في شتى اشكال نفوذها . ولذلك تكالبت جميع الدول الاستعمارية ، القديمة منها والجديدة ، على ضرب الثورة ومحاولة القضاء عليها وهي في مهدها .
ب- لقد كرست ثورة ٢٣ تموز/ يوليو عروبة مصر بعد مواجهات عنيفة وحادة مع دعاة وأنصار ” القومية المصرية ” . وما الجهود التي بذلها الغرب من جهة، والرجعية العربية البدوية من جهة أخرى لتغذية الفكر القومي المصري المنغلق على الداخل المصري ، والدعوة الى ” المصرنة ” ، وتحريض الأقليات في شتى تلونها ، لمواجهة التطلعات العروبية في مصر ومحاولة خنقها.
ج ـ واجهت ثورة ٢٣ تموز/ يوليو جملة تحديات وأوضاع داخلية تاريخية كرستها عقلية السلطات الملكية المتعاقبة على حكم مصر . واهم هذه التحديات : الأمية ـ الاقطاعية ـ التأخر ـ الانقسامات الداخلية الحادة ـ محاباة الغرب ومهادنته والرضوخ احيانا لأجندته وتعليماته.
ولذلك ، “فان ثورة ٢٣ تموز / يوليو كانت تحقيقا للأمال التي راودت شعب مصر منذ بداية العصر الحديث بأن يكون حكم البلاد بأيدي ابنائها وان تكون الكلمة الأولى للشعب ، في تحقيق مصيره “.
بهذه الجملة البسيطة والموجزة عبر الرئيس الراحل الكبير ” جمال عبد الناصر ” عن ماهية الثورة التي قادها مع كمية من الضباط الأحرار ، ثورة التحرر الوطني المصري، بداية من الحكم الاستعماري وتغلغل المستعمر في السلطة وبنية المجتمع وكل مفاصل الدولة ، والتحرر من اتباع المستعمر في الداخل ، مرورا” بالثورة السياسية والاجتماعية والإقتصادية في ذات الوقت.
الأولى، حيث استرد الشعب المصري ، بالثورة ،حقه في حكم نفسه بنفسه من يد طاغية فرض عليه.
والثانية، حيث أخذت طبقات المجتمع المصري تتصارع في ما بينها بهدف تحقيق العدالة الاجتماعية لأبناء الوطن الواحد .
ثانيا” : التحديات الراهنة التي تواجه الامة .
مما لا شك فيه، ان أمتنا العربية ، ومصر هي في صلب هذه الأمة وركيزتها ، تعاني جملة انقسامات مجتمعية حادة وعميقة الجذور ، ومن تأخر تاريخي على كافة المستويات : الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والفكرية والتربوية والبنيوية ، وبالتالي السياسية ، مما حال دون نهضتها وتحررها ووحدتها ،ومما سهل للخارج فرض مشاريعه الاستعمارية على هذه االأمة . ومهد لأغتصابها ، والاصرار على تجزئتها وتفتيتها ، وتحويلها الى كيانات مصطنعة قزمة، وتعزيز مشروع قيام الدولة الصهيونية العنصرية الاستيطانية في وسط هذه الامة من جهة ، وابقاء هذه الدولة ـ الكيان تنمو وتكبر وتهيمن وتلحق الهزائم بحق دولنا وترتكب المجازر بحق شعوبنا، من جهة أخرى . في الوقت الذي بقيت فيه امتنا ،بشكل عام، تنهار وتنهزم وتتحاصر، وتكاد تتلاشى امام ضربات العدو وسياساته التوسعية التي لم تتوقف، تلك السياسات القائمة على القتل والتدمير والتشريد والقضم .
ان هذه الامة، الواقعة في منطقة جغرافية استراتيجية في وسط العالم ، الأمة الممتدة الأطراف بين قارتين كبيرتين من الكوكب : أسيا وأفريقيا . الامة الغنية بمواردها وقدراتها وامكاناتها وثرواتها الاقتصادية والبشرية….كانت ولا تزال محط اطماع كافة الدول الاستعمارية بشتى اشكالها وتلاوينها، القديمة والجديدة، وبشتى مراحلها التاريخية .
وان القوى الرأسمالية العالمية الحريصة بشكل دائم على فرض هيمنتها المنحطة على شعوب المنطقة والعالم، والتي لا تزال تكرر ممارسات التحكم والاستغلال والحفاظ على البنى التقليدية المتأخرة السائدة، لا زالت تعد المشروع تلو الاخر لاستمرار واعادة انتاج هيمنتها على أمتنا ونهب خيراتها وابقائها غارقة في وحول الانقسام والتفكك والتفتيت والتأخر ، وفرض سلطات ضعيفة وهشة تخضع كليا لاملاءات الخارج من جهة، وتتحكم بموارد الأمة وتفرض الهيمنة والاستبداد على شعوبنا من جهة أخرى.
في خضم هذا الواقع المتردي، تواجه الأمة جملة من التحديات الخارجية والداخلية : خارجية ،نتجت وتنتج من خلال صراع الأمم وتنازعها وغلبة القوى الأعظم منها ، في ظل غياب منظومة عالمية ، قادرة وجادة، حتى الأن، على لجم هذا الصراع ووضع حد للنزاعات الدامية القائمة على السيطرة والنهب المتواصل لخيراتنا . و تحديات داخلية مركبة ناتجة عن عوامل بنيوية ذاتية تكمن في بنية مجتماعاتنا العربية وفي عمارة المجتمع المتصدعة ، وعوامل موضوعية مصطنعة تتداخل فيها سياسات الانظمة التوتاليتارية والنهابة والخانعة والعميلة. كل ذلك في غياب حركات سياسية وازنة وفاعلة وقادرة على احداث تغيير حقيقي في عمارة المجتمع وبنيته ، وفي شكل السلطات المتحكمة والمسيطرة، والعمل على تعديل موازين القوى في مواجهة اعداء الامة، في أن واحد.
لست الان بمعرض الحديث عن التحديات الخارجية ، وهي متعددة الأشكال والصور والوجوه، ولكنني ساحاول التركيز على ما يعنينا في مؤتمرنا هذا على التحديات الداخلية ، وهي ايضا متعددة ومتشابكة ، وعلى الانقسامات الداخلية العامودية التي حولت المجتمع الى كتل ضيقة الأفق : عرقية وطائفية ومذهبية وجهوية ، وعلى راس هذه التحديات كيفية التعاطي مع معضلة واشكالية الأقليات الحادة، وكيفية العمل على دمج تلك الأقليات في متن المجتمع ، وبالتالي الوطن والامة، وعدم بقاءها منعزلة ومتقوقعة ، والاضاءة على الحلول المقترحة .
ثالثا : الانقسامات الداخلية ومعضلة الأقليات .
كما نوهت سابقا،ان المجتمعات العربية هي عبارة عن مجتمعات ركيكة مفككة، متصالحة مع بعضها حينا وفي حالة صراع تاريخي مبني على أوهام ايديولوجية حينا اخر…انها تحمل ارث قبلي وعشائري عمره الاف السنين .
لقد دأب الفكر السياسي العربي عامة ، واليساري منه بشكل خاص، على تحميل الاوضاع الخارجية ( الرأسمالية العالمية، الامبريالية، الصهيونية ) جميع بلايانا التارخية، وعلى رأس هذه البلايا اشكالية الأقليات، تلك الاشكالية الحادة والمزمنة . في الوقت الذي تجاهلوا فيه عوامل الضعف الداخلية في بنى مجتمعاتنا، كما تجاهلوا الممارسات السلطوية الضيقة الأفق التي كانت تمارس ضد الأقليات ، والصراعات والغزوات والحروب والتناحر الذي شهده التاريخ بين مكونات مجتمعاتنا ، ناهيك عن قصور في الوعي وضعف في الانتماء الوطني ، وتغليب الانتماءات الاخرى ، دون الوطنية ودون القومية، على الانتماءات الوطنية والقومية .وكان نتيجة ذلك وضحيته قتل وابادة وتشريد مئات الالاف من العائلات من مختلف المكونات، وانتقال كتل بشرية كبيرة برمتها من مكان سكنها الى اماكن اخرى طلبا للامان والسلم واحيانا تضطر للرضوخ وتغيير دينها ومذهبها وهويتها وتقبل بالشروط المفروضة عليها . وكان لهذه الممارسات تداعيات خطيرة على تكوين عقلية وممارسات وتقاليد وعادات تلك الجماعات ، والخوف والحذر الدائم من المستقبل، والتطلع بريبة الى السلطات الحاكمة والمتحكمة ، وانتظار الفرص المؤاتية للأرتداد والانتقام .
كما غاب عن الفكر القومي التقليدي ، واليساري العربي المتصالح مع الواقع ، ان عوامل الضعف الداخلية ، والمرتكزات الهشة القائمة عليها الدول والكيانات المصطنعة، هي السبب الرئيس الذي سمح ببقاء الاوضاع على ما هي عليه ، ان لم تصبح اكثر عمقا وانقساما وتخوفا، كما سمح بالهيمنة الخارجية وترسيخ تلك الهيمنة . مما افقد الفكر العربي القدرة على النهوض والتحديث والتقاط فواصل النمو والتطور والاندماج والنهضة ، وافقده القدرة على تنظيم صفوفه لمواجهة مواقع التأخر المعشعشة في كل مفاصل المجتمع والمؤسسات والدولة، وساعد على الفشل في ارساء الاسس والقواعد الحقيقية والمتينة والمتراكمة لمشروع نهضوي عربي يقهر التأخر ويتجاوزه .
لم يولي الفكر السياسي العربي، بمدارسه واتجاهاته ومؤسساته التقليدية المختلفة، مشكلة الأقليات في العالم العربي الاهمية التي تستحق من الدراسة والتفنيد والانطلاق برؤية نقدية مطابقة، وادراج مقترحات جذرية وجدية لدمج الأقليات في المجتمع والأمة…..باستثناء قلة قليلة من المفكرين الذين لم يعطوا الفرص الكافية لنشر فكرهم وطرح تصوراتهم ومنطلقاتهم النقدية .
وبذلك، بقي المجتمع العربي ، لغاية اليوم، يتكون من جماعة طائفية او مذهبية او عرقية تشكل كتلة الأكثرية في المجتمع وصلبه ، الى جانب طوائف ومذاهب وأعراق اقلية متعددة على هامش المجتمع . وعلى مر التاريخ، وفي ظل معظم العصور السياسية والانظمة الحاكمة، واغلبها عائلات وعشاىر و متنفذين ،و استطاعت كتلة الاكثرية فرض نفسها وتحكمها وهيمنتها ، وفرض شروطها على قبول الكتل الاخرى التي تشكل اقليات متعددة التلاوين والاتجاهات . وفي ظل الهزائم التي لحقت بالامة على مر التاريخ، والانتكاسات في محاولات النهضة والتحرر والوحدة ، وفي ظل بروز وانتعاش وانتشار التطرف الديني ، والسياسي المتلازم مع هذا التطرف ، وانتعاش الايديولوجيات الدينية المتأخرة ، والتي في معظمها لا تمت الى الدين بصلة، وانعكاس تلك الايديولوجيات على البنى السياسية وعلى رجالات السلطات المتعاقبة، وعلى الحركة الثقافية والفكرية السائدة ، كل ذلك ،ساهم في انتعاش قوة تلك الادلوجات السلفية والمشاعر الضمنية للأقليات القومية والأثنية أولا، واضحت تتوجس من المشروع القومي وتخاف من طمس هوياتها القومية والثقافية الضيقة الأفق، كما دفع ثانيا، بالاقليات الدينية غير الاسلامية الى التوجس من الملمح الاسلاموي للقومية العربية التقليدية،كما تتوجس ثالثا، الاقليات المذهبية الاسلامية من هيمنة وسيطرة كتلة الاكثرية ، وفي ذاكرتها المذابح التي ارتكبت ، والاظطهاد الذي مورس بحقهم عبر التاريخ….كل ذلك بات يهدد بتصاعد معضلة الاقليات ، وترسيخ عقدة الخوف لديها في حال عادت الى أوضاع تمايزية ودونية او اظطهادية ، عاشت مرارتها تاريخيا .
لقد ثبت ان مشكلة الاقليات ليست مشكلة عارضة في الواقع العربي ، بل هي ظاهرة مكشوفة حينا” او مختبئة وكامنة حينا” اخر، او متفجرة ولها تداعياتها الخطيرة في اكثر الاحيان، تستثمرها قوى خارجية ،استعمارية على وجه الخصوص ، لخدمة سياساتها ومصالحها واهدافها من جهة، وللابقاء على هذا الواقع المزري وزيادة التفتيت في كيانات الامة الى شيع و مذاهب وقبائل متصارعة ومتنازعة على الدوام ، بما يضمن عدم اندماجها ووحدتها ، بالتالي عدم تحررها وتقدمها ، وعدم امتلاكها القوة التي تمكنها من ردع الاطماع والتدخلات الخارجية العدوانية، ومما سمح لضمان سياسات هذه الدول بالنجاح والاستمرارية في الهيمنة والنهب .
كما ان السلطات الاستبدادية العربية، بشكل عام ، التي سادت على مدى قرون ، ولا تزال، تتعامل مع المواطن على اساس محدداته الاجتماعية التقليدية كفرد من رعية، وليس على اساس مواطنيته وانتمائه الى وطن . وجعلت من البنى والتشكيلات ما قبل القومية بنى موازية للمؤسسات القمعية . كما ان انتعاش الفكر السلفي المتزمت بات يهدد بانفجار المشكلة في اي وقت، ويمهد الطريق لمساعدة السياسات الاستعمارية لمزيد من التدخل والهيمنة بحجة الدفاع عن ” حقوق الانسان ” وبناء” المجتمع المدني ” وما شابه من شعارات براقة خالية من اي مضمون ديمقراطي حقيقي او انساني او حضاري ، او بحجة مقاومة الأظطهاد الديني .
ان مشكلة الجماعات الأقلوية ليست سوى الوجه الاخر لمشكلة التأخر والانكماش عند الجماعة الاكثرية . وسيظل الخطاب السائد ، خطاب الوحدة بثوبها القديم الملتبس ،او الخطاب الوطني بدون تحديد مفهوم عصري للوطنية وأسسها وقيمها وكيفة الحفاظ عليها، او شعار التعايش الرومنسي الكاذب والخادع في أن واحد .
رابعا : الأقليات في مصر.
رغم كل الغزوات التي تعرضت لها مصر عبر التاريخ، والمذابح التي حصلت من خلال تلك الغزوات ، والتداعيات الخطيرة التي نتجت عنها، بقيت مصر، هذه الدولة التاريخية والعريقة، بقيت تحافظ الى حد ما على وحدتها وعلى التكامل بين مكونات هذا المجتع، ولم تشهد ، عبر التاريخ، مشاكل واسعة وخطيرة بين تلك المكونات .
ومصر ،كما في الأقطار العربية الأخرى و معظم دول العالم، القديم والحديث ، المتأخر والمتقدم ،تضم بنيتها الاجتماعية عددا” ،لا بأس به ، من الأقليات ، الى جانب اغلبية اسلامية سنية . وهذه الأقليات متنوعة ، منها ما هو عرقي، ومنها ما هو ديني، ومنها ما هو مذهبي ضمن الدين الواحد.
أـ الأقليات العرقية .
١ـ مجموعة يطلق عليها اسم” النوبة” وهم يقطنون في جنوب مصر، ويتميزون بثقافتهم ولغتهم الخاصة .
٢ـ البدو : يعيشون في المناطق الصحراوية ، ولهم عاداتهم وحياتهم الخاصة التقليدية ، ولم يندمجوا في المجتمع الأخر لغاية اليوم ، رغم بعض المحاولات التي حصلت .
٣ـ الأمازينغ : وهم مجموعة قليلة يعيشون في ” واحة سبوة ” ، لهم لغتهم وثقافتهم الخاصة بهم.
٤ـ البجة : مجموعة صغيرة تعيش في منطقة شرق مصر ، ولها لغتها الخاصة.
٥ـ الغجر : وهم مجموعات منتشرة في مصر كما تنتشر في اغلب دول العالم، لم يعرفوا الاستقرار في مكان محدد ، لهم عاداتهم وتقاليدهم ولغتهم الخاصة . قسم منهم تحول مع الوقت الى ما يشبه حياة البدو ، اما الأغلبية لا زالت تحافظ على واقعها الاجتماعي الخاص.
بجميع الحالات ، تلك الأقليات العرقية ، لا تشكل نسبة ذات وزن من المكونات المصرية. وهي غير منسجمة مع بعضها البعض ، ولا علاقات بينها ،ولا تشكل تحد يهدد الكيان المصري بوحدته وأمنه .
ب ــ الاقليات الدينية :
يوجد في مصر عدد من الأقليات الدينية ، اي غير المسلمة ، وهم :
١ـ المسيحيون : وهم اكبر اقليةدينية في مصر، لها وزنها وتاريخها وثقافتها ومواقعها السياسية والفكرية والاقتصادية، والقسم الاكبر منهم يطلق عليهم اسم ” الأقباط ” .ولهم كنائسهم ومرجعياتهم الدينية .
هذه الأقلية ليست موحدة ، بل تنقسم داخل الطائفة الواحدة الى عدة مذاهب : الأقباط الكاثوليك ـ الأقباط البروتستانت والأقباط الأنجيليين . وبالرغم من وجود اغلبية الاقباط في مناطق جغرافية محددة من مصر ، وتكاد تكون قريبة من بعضها، الا انهم ،بشكل عام، يتوزعون في مختلف المناطق المصرية، وفي المدن الرئيسية بشكل خاص.
٢ ـ البهائيون : هم اقلية دينية صغيرة جدا تعاني التميز والاختلاف شبه الكامل عن باقي الاديان، ولهم اراء غريبة عجيبة حول الله والانبياء والتعاليم الدينية . جاء البهائيون خلال الغزو الفارسي وعظمة الامبراطورية الفارسية. ولم يعترف رسميا بهذه الطائفة، وتعتبر الى حد ما طائفة منبذوة و بقيت منعزلة عن باقي مكونات المجتمع المصري. لها ثقافتها ورؤيتها وعاداتها وتقاليدها الخاصة، وقد تعرضت عبر التاريخ الى الاظطهاد والملاحقة اكثر من مرة .
٣ـ اليهود : وهم طائفة تاريخية وموجودة في مصر منذ زمن قديم جدا ، ينشطون في التجارة بشكل خاص. وبدأ عددهم يتناقص بشكل كبير في العصر الحديث ، وخاصة بعد قيام الكيان الصهيوني وتداعياته على الأمة جمعاء.
٤ـ شهود يهوة، وهم باغلبهم منحدرون من الطائفة اليهودية، لا يجمعهم بنية اجتماعية واحدة، بل هم عبارة عن افراد موزعين في مناطق مختلفة . وهم مبشرون متنقلون ويعانون صعوبات في ممارسة تبشيرهم بشعارتهم الدينية بسبب عدم اعتراف الدولة بهم كمكون اجتماعي ، وبسبب نبذهم والتشكيك بهم من قبل باقي الطوائف . تغلب على ممارساتهم الدينية السرية التامة ، ولكن لهم أليتهم التنظيمية للتواصل في ما بينهم، ويعتمدون على نشر وتوزيع الكتيبات الصغيرة التي تعرف عنهم وعن شعائرهم ، حيث يتم توزيع تلك الكتيبات بطريقة متخفية وغير معلنة .
ج ـ الأقليات المذهبية المسلمة :
كأغلبية الدول الاسلامية، تضم مصر اغلبية اسلامية سنية، والى جانب هذه الأغلبية المطلقة، تضم مصر مجموعة أقليات مذهبية اسلامية مثل الشيعة والأحمديين والقرأنيين…. وكلها اقليات غير معترف بها رسميا ، وتعيش شبه عزلة في اماكن متنوعة وجد ضيقة.
خامسا : الوضع القانوني للأقليات في مصر.
لا زالت مصر ، رغم تقدمها مقارنة مع بعض الدول العربية والافريقية ، وبالرغم ما عرفته من افكار ثورية وتنويرية، وانتشار الفكر القومي ، وما قام به عبد الناصر من توجهات وممارسات متقدمة، لا زالت تعتبر ان دين الدولة هو الاسلام السني المحمدي. وهذا ينعكس مباشرة على باقي المكونات ، ان كانت عرقية او دينية او مذهبية . ولم تعترف السلطات الرسمية التي توالت على السلطة في مصر لغاية اليوم الا : بالأقباط بمختلف مذاهبهم ، واليهود، الى جانب المذهب المسلم السني ، وذلك لاعتبارهم” ديانات سماوية ” ،اي الاسلام والمسيحية واليهودية . اما باقي الأقليات ، عرقية كانت ام مذهبية، فكلها غير معترف بها رسميا . ولهذ تبقى خاضعة للقانون العام السائد، وليس لها قوانينها الخاصة الرسمية ، ان كان للأحوال الشخصية او حول النظام العام لأفرادها ، ويعتمدون على التقاليد والاعراف اكثر مما يعتمدون على القانون. وبذلك تسيطر العادات والتقاليد والتوجهات الثقافية والفكرية الخاصة بهم على معظم توجاتهم وعلاقاتهم الشخصية في ما بينهم ، وخاصة في أمور الزواج والطلاق والارث وغير ذلك .
وهكذا، يمكن القول انه لم تتم اية اجراءات قانونية و عملية رسمية تحكم العلاقات بين المجموعات الأقلوية ذاتها، وبينها وبين باقي المجموعات الاخرى المختلفة والمتباينة .
هذا ، وقد عرفت مصر مجموعات اقلية تنتسب الى دول وأمم او قبائل واعراق ، دخلت الى مصر في مراحل مختلفة، وحكمت فترات من الزمن، وخرجت من السلطة ومن مصر ومن البنية الاجتماعية ، ولكن بقي لها اثر بأعداد قليلة متواجدة في احياء او حارات في هذه المدينة او تلك ، وباتوا ينسبون الى اصولهم التاريخية..وهذه المجموعات كثيرة ولا يمكن احصاؤها، ويمكن ذكر بعضهم على سبيل المثال لا الحصر : الاتراك ـ الارمن ـ الالبان ـ البشاريين ـ الجالية الايطالية ـ الباكستانيين ـ الصينيين ـ الفلسطينيين ـ القبائل العربية ـ اللاجئين السودانيين ـ الملايو ـ الهنود ـ اليابانيين واليونانيين.، اضافة الى البريطانيين، والنيجر والشركس والعبابدة …وغيرهم.
وفي تصنيف عام ، يمكن القول ان الشعب المصري ، ينقسم من حيث الانتماء الى ثلاثة اتجاهات : المصريون الذين ينادون بالهوية المصرية والقومية المصرية ، والعرب وهم الذين وجدوا بانتمائهم الى الأمة العربية خير طريق لمواجهة المخاطر الخارجية والداخلية، والأفارقة وهم الذين يؤكدون على انتمائهم الى القارة الافريقية ويجهدون للحفاظ على افضل العلاقات مع الدول الافريقية وينادون بالوحدة الافريقية .
وبشكل عام، لا تشكل الاقليات في مصر، بمختلف انواعها ، حيزا كبيرا من عدد سكان الذي ينمو ويتزايد بشكل مرتفع، والذي اصبح يفوق المائة وسبعة ملايين نسمة ، لا تشكل منه الأقليات سوى نسبة قليلة جدا وتكاد لا تشكل خطرا يدفع الى انقسامات عامودية عميقة وحادة، خاصة ان هذه الاقليات غير متجانسة ولا تربط بينها مصالح فئوية محددة سوى الانتماء لمصر وللهوية المصرية.
وقد توصلت بعض الدراسات والابحاث الى اعتبار ان نسبة ١٧ بالمائةفقط من المصريين هم من اصول عربية، و٦٨ بالمائة من السكان الأصليين من شمال افريقيا، واربعة بالمائة من الشتتات اليهودي ، وثلاثة بالمائة من شرق افريقيا ، وثلاثة بالمائة من اسيا الصغرى ، وثلاثة بالمائة من جنوب اوروبا .
اما اللغات السائدة في مصر فهي :
ـ العربية ، وهي اللغة الرسمية للدولة والاكثر انتشارا، وتكاد تتداولها الأغلبية المطلقة من الشعب المصري ، بغض النظر الى انتماءاتهم العرقية والدينية
ـ اللغات النوبية ، وهي التي يتحدث بها مجموعات من النوبيين المقيمون في جنوب مصر.
ـ لغة البربر ( الامازيقية )، و يتحدث بها البربر بشكل خاص. اضافة الى لغة الغجر .
وهكذا ، فان تاريخ مصر الطويل والمتنوع أدى إلى وجود مزيج شبه معقد من المجموعات العرقية والثقافات المختلفة. الا ان معظم المصريين يعتبرون انفسهم جزء من الامة الواحدة، بغض النظر عن خلفياتهم العرقية او الدينية، وسعت وتسعى السلطات المصرية ، والمثقفون في مصر للحفاظ على التعددية في الثقافة والتنوع .
سادسا : الاجراءات التي اتبعها الرئيس جمال عبد الناصر لتجاوز مشكلة الأقليات في مصر.
واجهت ثورة ٢٣ يوليو / تموز العديد من المشاكل والتحديات الخطيرة، وعلى رأس تلك التحديات العمل على نقل الواقع المصري الخاضع كليا” لسلطات الملك واتباعه ، والى الخارج المتحكم بمفاصل الدولة بطريقة مباشرة وغير مباشرة ، الى واقع وطني متحرر ومستقل . ومحاربة أفة الفقر المدقع حيث كانت الأغلبية العظمى من الشعب المصري تعيش تحت خط الفقر ، في بلد تتحكم فيه الاقطاعية واصحاب النفوذ الذين يسيطرون على الارض والمياه والموارد، ويعاملون الفلاحيين والعمال الزراعيين والكسبة الصغار كانهم عبيد عندهم ويخضعوهم كليا” للتعليمات والاوامر ، ناهيك عن الضرب والقمع والتجويع حتى الموت احيانا” . كما كانت أفة الأمية من اكبر الأفات المنتشرة في مصر ، حيث تجاوزت نسبة الأمية ال ٥٠ بالمائة من المصريين ، وخاصة في الصعيد والمناطق الزراعية والريف والمناطق الصحراوية القبلية ، إضافة الى قصور في الوعي والانتماء والشعور بالمواطنيىة .
وعندما استلم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر السلطة في مصر ، كان عليه ان يواجه كل تلك التحديات بقوة ووعي وبصيرة . وبدأ العمل ، بالتعاون مع مستشاريه ، وبكل ما لديه من عناصر قوة ، على تبديد تلك التحديات ومحاصرتها والتضييق على تداعياتها الواحدة تلو الاخرى .
الا ان امكانية التغلب على ظاهرة القصور في الوعي ، والعمل على نشر حركة توعية قوية ومتينة وعقلانية ، وتثبيت الهوية الوطنية وتغليبها على باقي الهويات الاخرى ، اضطرته الى اللجوء لسياسات مختلفة ومتلاحقة يكون على رأس اهتمامتها تحقيق الوحدة الوطنية والاندماج الاجتماعي . ومن اهم تلك السياسات والاجراءات الوطنية والثورية ، ما يلي :
١ـ تأميم قناة السويس ومواجهة الاحلاف .
كانت قناة السويس تابعة كليا لشركة بريطانية ، وكان المصريون مجرد عمال فيها بالكاد ان يحصلوا على لقمة عيشهم . ينفذون الأوامر والتعليمات، ويتلقون الاهانات والتعسف ، ولا سلطة لهم على الشركة ولا اي دور يذكر في الادارة . فقام عبد الناصر بخطوة وطنية وثورية ، واتخذ قرارا سياسيا ضخما يقضي بتأميم القناة و تحويلها الى شركة وطنية وتعود ملكيتها الى كل الشعب المصري ، متحديا بذلك كل التداعيات التي سوف تنتج عن هذا القرار وكل ردات الفعل الخارجية .
ان تاميم قناة السويس هو اجراء وطني يعد بمثابة رمز من رموز سيادة مصر واستقلالها ، وبالتالي سيادة الشعب المصري بشكل عام، وعندما اقول الشعب المصري اقصد كل مكونات هذا الشعب ، اكثرية واقلية، ولأي دين او مذهب او عرق انتموا . وبهذا القرار تم تحرير عمال القناة المصريين من اعباء الخضوع والاستزلام والتبعية ومن معاناة الجوع والموت البطيء . كما كان لهذا الاجراء الاثر العميق على العديد من الأجانب العاملين في القناة والحد من تحكمهم بإدارة الشركة وفرض هيمنتهم وسلب عائدات القناة ، فجاء التأميم يحد من هذه السياسات او القضاء عليها وعلى المصالح المكتسبة التي كان يتمتع بها اولئك الاجانب. ومهد الطريق امام الدول الغربية المعادية لطرح مشاريعهم الاستعمارية، والتمهيد لضرب مصر وانهاء ظاهرة عبد الناصر. الا ان الشعب المصري بكليته واجه الغرب والأحلاف المشبوهه وحقق انتصارات بطولية .
٢ـ قوانين الاصلاح الزراعي :
من المتعارف عليه ان ملكية الارض الواسعة في مصر ، سواء كانت الزراعية ام الصحراوية، ووسائل واليات الري المتبعة ،كانت تعود الى قلة قليلة من المتنفذين والاقطاعيين ، مصرين واجانب . اما الاغلبية الساحقة من الشعب المصري، وخاصة الفلاحين العاملين في هذه الارض ، لا يملكون الا قوة عملهم ، في الوقت الذي يحدد هذه القيمة الاقطاعي او المتنفذ، والتي لم تكن تسد رمق هذا الفلاح الذي يعمل على مدى ٢٤ ساعة هو وعائلته في تلك الأرض . فجاءت اجراءات و قوانين الاصلاح الزراعي لتعيد النظر كليا بما هو قائم، وتغير من ملكية الارض وتضع حدا” للمتحكمين، واعادة توزيع الاراضي على الفلاحين ، والحد من ظاهرة الاقطاع ، مما اشعر الفلاح المصري بأنه اصبح شريكا، بل مالكا للارض ،وانه قد تحرر من نير سلطات الاجانب والاقطاعيين والمتنفذين الداخليين ، وبدا ريع تلك الاراضي يعود بنسبة كبيرة للفلاحين والعمال الزراعيين، وما لذلك من تأثير عادل و احداث متغيرات في الواقع الاقتصادي ، والقدرة على اكتساب حقوق مختلفة كالسكن والعمل والصحة والتعليم ، تلك الحقوق التي كانت شبه معدومة ، الا للمتنفذين في المملكة ، وحاشية الملك واتباعه وبعض القادة الكبار في الجيش وقوى الامن .
٣ـ التأميمات :
من الاجراءات المهمة وذات الدلالة على التغيير في الواقع المصري كانت اجراءات تأميم العديد من الشركات الاجنبية والشركات التي تعود ملكيتها لبعض المتحكمين في البلاد والعباد ، كما تم تأميم بعض المؤسسات وتحويلها الى مؤسسات وطنية مصرية ،مما كان له انعكاسات ايجابية على الواقع المصري ورفع مستوى معيشة المصريين، والبدء بالتفكير الجدي بارسال اولادهم الى المدارس والجامعات، وارتفاع مستوى الدخل الفردي والعام.
٤ـ التوجهات الاشتراكية :
منذ بداية الثورة ، مال عبد الناصر نحو توجه يدفع الى العدالة الاجتماعية والاقتصادية بين ابناء الشعب المصري الواحد والموحد ، والحد من الفوارق الفاحشة بين الطبقات الاجتماعية . وراى بالاشتركية وقيمها ومظاهرها، بعد ان بدات تنتشر في العالم بشكل واسع، وخاصة في البلدان المتخلفة، راى فيها خير طريق لنشر العدالة، كما تلمس افكارها والياتها، فتبنى النظام الاشتراكي، وأسس اتحاد قوى الشعب العامل . هذا الاتحاد الذي يضم في صفوفه الطبقات العاملة وكل القوى المنتجة وصغار الكسبة والطلاب والمعلمين وصغار التجار وكل القوى الشعبية . مما كان له اثرا عميقا على قلب الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية لكل ابناء الشعب المصري، والاقليات المصرية بشكل خاص، وتنمية مشاعرهم بالانتماء الى الوطن وانهم جزء لا يتجزأ من هذا الشعب لهم ما لباقي الشعب من حقوق ومكاسب وعليهم ما عليه من واجبات واحترام للقانون ، وان الدولة الموحدة ، والانتماء اليها وحدها ،هي الاكثر حماية لهم ولمصالحهم .
٥ـ السياسة التعليمية :
سعى عبد الناصر منذ بداية الثورة الى توحيد المناهج التعليمية في مصر، واعطائها الطابع الوطني ، والى نشر اللغة العربية والاضاءة على ما تختزنه هذه اللغة من غنى وتنوع وحضارة ، والى الحد من الامية بتعميم المدارس في المدن والارياف والصعيد ، مما سهل على الناس ارسال اولادهم الى تلك المدارس وعدم احتكار التعليم، والتخفيف من اعباء الانتقال الى المدن وما لهذا الانتقال من تداعيات اقتصادية واجتماعية . كما قام بنشر الجامعات وتنوعها لتطال كل مساحة مصر وعدم اقتصارها على بعض المدن الرئيسية ، وتفريع الجامعات لتطال مختلف الميادين العلمية .مما كان له انعكاسا ايجابيا على مستوى التعليم والحد من الجهل والامية. كما انشأ عدد وافرا” من المؤسسات الاجتماعية التي تهتم بالحد من الأمية و تشجيع الاولياء على ارسال بناتهم الى المدارس والجامعات .
ان انتشار التعليم وتعميمه، كان له اثرا بارزا على تقدم مصر بشكل عام وعلى تنمية المشاعر الوطنية والحد من الولاءات الأقلوية ، كما كان له اثرا غير مباشر على بعض المدارس الاجنبية والخاصة التي كانت مخصصة لأولاد الأجانب و الأغنياء والحاشية والمتنفذين .والحد من اللغات الاخرى المحلية وجعل اللغة العربية هي الاساس وهي اللغة الرسمية لكل الدولة.
٦ـ التجنيد الاجباري :
هذا التدبير الذي طبق على جميع المصريين ، بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية او الدينية او المذهبية من جهة ، او الطبقية من جهة اخرى. وتم تعميمه وتطبيقه على الأقليات المصرية كما على الأكثرية الاسلامية ، مما ساهم في دمج المجتمع ودمج المواطنين المصرين من خلال الجيش والقوات المسلحة، وتوحيد الهواجس الوطنية والولاء للوطن وتحديد العدو المشترك لكل ابناء الشعب المصري، واقامة اوثق العلاقات الوطنية بين المجندين من مختلف المناطق .
٧ـ الوحدة الوطنية :
ركزت سياسات عبد الناصر على مسالة الوحدة الوطنية ، والتضامن بين جميع فئات الشعب المصري الواحد . وكان يخاطب الشعب بكلمة : ايها المواطنون ، وهذا يعني شمول كل ابناء مصر بدون تفرقة بين منطقة واخرى وبين دين او عرق او مذهب . ويشمل الكبار والصغار ، الذكور والاناث ، المدن والارياف وابناء الصعيد ، فلاحين وعمال وحرفيين وتجار وصناعيين، مفكرين وكتبة وباحثين، مثقفين وغير مثقفين، طلاب جامعات ومهنيين ، من في السلطة ومن هو خارجها ،وكل من ينتمي الى مصر . وبذلك ساهم بسد الهوة التي كانت قائمة بين ابناء الشعب الواحد، والابتعاد كليأ” عن التمييز والتخصيص لفئة دون أخرى.
٨ ـ مواجهة المجموعات المتطرفة :
لم يتهاون جمال عبد الناصر مع الجماعات “الاسلامية ” السلفية المتطرفة التي حاولت ان تنتشر في مصر وتفرض رؤى وتطلعات عصبوية ضيقة مما يساهم في الفوضى والتأخر من جهة، ويدفع الى تشنج وخوف وتحرك الاقليات الدينية والعرقية، واللجوء الى البحث عن سبل واليات عمل لحماية انفسهم خوفا من العودة الى اهل الذمة ، وما كان لهذا العهد من تداعيات سلبية.
لذلك، وحرصا على وحدة مصر وانصهار شعبها في هذه الوحدة، واجه عبد الناصر اولئك المتطرفين بصلابة، وبقيت بينه وبينهم نزاعات عميقة امتدت الى ما بعد رحيله، ونرى اليوم تداعياتها وانعكاساتها السلبية على مصر وعلى الامة كلها .
٩ ـ التوجهات القومية :
ليس هروبا الى الامام، ولا نقصا في الانتماء الوطني العام، بل انسجاما” مع تطلعات عبد الناصر القومية مذ كان ظابطا في الجيش واستاذا في الكلية الحربية، ومن خلال الحرب التي خاضتها جيوش الحلفاء العرب في مواجهة الانكليز والجيش الصهيوني على ارض فلسطين حيث ثبت عجز تلك الجيوش وتقهقرها لتأخرها اولا، وقصور وعي حكامها ثانيا، وتأمر بعض الحكام وولاءاتهم للخارج ثالثا، وتشققهم وخضوعهم وعدم وجود برنامج ومشروع مشترك بينهم رابعا…. منذ تلك اللحظة، اكتشف عبد الناصر اهمية وصلابة وضرورة التوجه عربيا وانتهاج سياسة عربية جديدة لمكافحة الهيمنة الخارجية والتسلط والخضوع، ومواجهة التحديات الكبيرة التي تواجه الامة جمعاء ، وضرورة توحد العرب في امة واحدة منتشرة وقوية ، مما يدفع بالجيش المصري الى الارتقاء بالولاء الى مستويات اعلى ومتقدمة وارقى واكثر رسوخ هو : الانتماء القومي الى الامة العربية.
من هنا، اكد عبد الناصر على الهوية العربية لمصر ، وانتماء مصر الى الامة العربية، ودفع مصر الى ان تكون رافعة الامة وركيزتها الاولى والقوية ، وكان لهذا السلوك والتوجه القومي اثرا ايجابيا ساهم في تهميش بعض الاقليات الضيقة الأفق التي كانت تتوهم بأنها تنتمي الى هويات اخرى غير عربية وغير مصرية .
لقد كانت للتوجهات القومية العربية التي انتهجها جمال عبد الناصر ، وطورها من فترة الى اخرى ،افضل حلول لتجاوز كل معضلات الانقسامات العامودية التي تنخر بنى المجتمع ، ودفع من خلالها الى تذويب الولاءات الضيقة والاندماج كليا في المجتمع المصري الكبير اولا، والمحتمع العربي المترامي الأطراف ثانيا، والمساهمة الجدية على تجاوز التحديات الداخلية والتفرغ كليا لمواجهة التحديات الخارجية الكبرى .
وهكذا ،يمكننا القول ، ان سياسات عبد الناصر اتجاه الاقليات، سواء كانت عرقية او دينية او مذهبية ، كانت تهدف الى تحقيق التوازن بين الحفاظ على الهوية الوطنية وتعزيز الوحدة اوطنية من جهة، والانتماء القومي العربي والسعي الحثيث لتحقيق الوحدة العربية ، من جهة ثانية ، وضمان حقوق الأقليات والحفاظ على حرياتهم وتقدم وعيهم بأنهم ينتمون الى امة واسعة وعريقة وليس الى قبيلة او عشيرة او طائفة او مذهب او عرق او أي ولاء أخر ضيق الأفق .
وهذه التوجهات القومية الواعية ، والتي قدم عبد الناصر من اجلها التضحيات الجسام ، لم تثنيه عن التوجه الى افريقيا وإقامة اوثق العلاقات مع الدول والعالم الأفريقي ، بل بالعكس ، بذل جهدا كبيرا لما يخدم مصالح الشعوب الافريقية وتحررها و وقف سياسات الاخضاع والنهب التي تمارسها بعض الدول الاوروبية اولا، والتي نحت بها السياسات الاميركية لاحقا.
سابعا : توجهات وخاتمة .
لغاية اليوم ، لا زالت اشكالية الاقليات ، العرقية والدينية والمذهبية ، تنخر بنى مجتمعاتنا العربية الغارقة في وحول التأخر والتبعية بشكل واسع . وقد ازداد عمق وتداعيات هذه الاشكالية في السنوات الاخيرة، حيث نمت وانتشرت الافكار والقيم السلفية والتكفيرية والعصبويات الضيقة الأفق، ووصلت الى حد التناحر والاقتتال وتهديد مسار الأمة بكاملها، وانحدارها الى مستويات جد متأخرة ومخيفة.
ولغاية اليوم، لم تقم اية جهة سياسية، حتى النهضوية منها، وتلك القومية، بطرح مشروع نهضوي متكامل يخرج الامة من الواقع المأزوم الذي تتخبط به، ويضع حلولا وطنية و قومية جذرية لتجاوز اشكالية الأقليات .
حتى ان القوى وبعض الشخصيات من مفكرين وباحثين وناشطين، الذين حاولوا وبادروا ، بقيت مشاريعهم دون المستوى المطلوب ، وما ان غابت هذه القوى والجماعات والشخصيات عن الساحة ، لسبب او لأخر ، حتى ضمرت تلك المشاريع وعاديطفو من جديد على السطح السياسي مشاريع مخالفة تماما ، مما زاد في عمق الازمة وتجذرها واستغلالها من الخارج، والعمل على تعميقها لتبقى الأمة غارقة في وحل التأخر والتقسيم والتفتيت والتقاتل .
ان حلا ديموقراطيا علمانيا، حلا” قوميا” حديثا ، يتجاوز كل الافكار السلفية ، وينطلق من رؤية مطابقة للواقع ، ويطرح مشروعا قوميا عربيا تقدميا” متكاملا ” ، ويستقطب كافة القوى والاتجاهات المتوافقة معه بعيدا” عن العصبيات والتبعية والمصالح الفئوية الضيقة ، يبقى هو الوسيلة الوحيدة للخروج من عنق الزجاجة وتجاوز كل اشكاليات التأخر ، ومنها اشكالية الأقليات المنتشرة على مدى واسع .
ان القومية الحديثة هي جدل الديمقراطية والعلمانية ، وهي المنظومة التي تقيم بين ابناء الامة الواحدة علاقات متطورة ومميزة نسجها تطور تاريخي معين بين اعضاء جماعة واحدة ، او عدة جماعات ، في سيرورة اندماج تاريخية . وخلافا” لكل التسميات الدارجة، ليست قومية، بل قوماوية، تلك التسميات المرتكزة على شعارات الماضي البعيد ، دون افق تقدمي وعصري .
ان القومية ليست مجرد موقف تمايزي او انثنائي او عدائي تتخذه جماعة ما ضد اخرى ، بل هي الحركة التاريخية التي ترفع سديما بشريا من واقعه المفخخ والمفتت الى كتلة متجانسة ، متلاحمة ، مندمجة ، تستحق اسم امة .
ان مشروعا قوميا” بهذا المعنى ، وهذا السياق ، ليس استعادة تاريخ مضى وبليد ، بل هو انجاز عصري جديد يستند على الموروث التاريخي الحضاري ويطوره ويضعه في سياق العصر ، ويشمل أساسا تجاوز التجزئة المجتمعية داخل الاقطار والكيانات القائمة . اي تجاوز كافة الانقسامات العامودية التي تنخر بنى المجتمع وتفككه ، وتساهم في تأخره وعجزه عن اللحاق بالعصر . وبالتالي تجاوز التجزئة القومية بعد ان تحولت الأمة الى دول ودويلات قطرية ضعيفة ، مهزومة ، مفككة ومنفصلة عما يحيط بها من اقطار ودويلات وكيانات مشابهة، تعاني جملة مشاكل وتحديات تعجز عن مواجهتها .
ان تجاوز التجزئة والانقسامات العامودية والتفتيت المجتمعي يتطلب العمل الجاد من أجل استعادة سيادة الأمة جمعاء على مقدراتها وثرواتها . وهذا يستلزم في البداية سيادة ادلوجة قومية عصرية ، ديمقراطية وعلمانية ، متكاملة ، حيث تلعب الفعاليات الفكرية والسياسية العربية دورا” رئيسا” في عملية التبشير لهذه الادلوجة ، تمهيدا” لغرسها في تربة المجتمع وانمائها فيه .
بهذا المسار الطويل والشاق ، نكون قد أكملنا ما بدأ به الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ، وعندئذ نستحق اسم امة .
ان الطريق طويل ، المتاعب شاقة ، والجهود المطلوبة كبيرة ومتعددة الوجوه وتتطلب تضحيات ؟. وينبغي على قوى الأمة الحية المتقدمة والمتنورة والفاعلة ان تعي ان الاخفاقات ، التي لقينا سابقا ، ستليها ، ما دام التاخر العربي قائما” ، اخفاقات اخرى قد تكون اشد وطاة وايلاما” علينا ، وأننا لن نستطيع قهر التأخر الا اذا وعيناه بجميع ابعاده ، وحددنا مفاصله ، بدون تبسيط وبدون تهرب وبدون مسايرة .
لقد مررنا عبر التاريخ في مراحل متعددة : ازدهار…ركود…تقهقر… ولن نتقدم الا عندما نتعلم ما هو التقدم ، وعندما نضع انفسنا في سياق تقدم . وسنبقى متأخرين اذا لم نعرف ونعي كيف تقدم المتقدمون ، واذا لم نكتشف اين وكيف انكسر حاجز التأخر ونكسره فعلا” .
المطلوب الا نمنح انفسنا لحظة من الوهم والخنوع والاستسلام للواقع ، وعلينا ان نعلم الشعب الذعر من واقعه، وان ننشر العار على الملأ ، لكي نمتلك الشجاعة على مواجهة هذا العار ودحره وتجاوزه .
الكاتب: اسد زين غندور