قراءات سياسية فكرية استراتيجية

هل أصبحنا “يهود” التاريخ؟

“سنصبح نحن يهود التاريخ ونعوي في الصحراء بلا مأوى”…
هكذا صرخ مظفّر النواب في قصيدته الشهيرة “وتريات ليلية”، محذّرًا من لحظة نُطرَد فيها من الجغرافيا والتاريخ، كما تاه اليهود في صحراء سيناء…
فهل أصبحنا فعلاً “يهود التاريخ”؟
نُعوي في صحراء الخراب العربي بلا مأوى، بلا صوت، بلا غضب… كأنّ غزة ليست على الخريطة، أو كأنها جزيرة في الكاريبي ضربها إعصار موسمي، لا مدينة عربية تُذبح كلّ يوم بالساطور الأميركي، وبالسكين الإسرائيلي، وبأموال العربان!
غزة اليوم تختنق تحت ركامها، بينما نكتب بيانات شجبٍ مهذبة بلغة دبلوماسية، كأنّنا نعلن نتائج مسابقة شعرية، لا نعيش فصول مجازر إبادة جماعية.
الطفل في غزة لا يجد حليبًا، لكننا نجد الوقت الكافي للحديث عن “التهدئة”، و”الوساطة”، و”التوازن بين الحقوق والمخاوف الأمنية”… وكأنّ أطفال غزة صواريخ عابرة للقارات!
أما السيد “المجتمع الدولي”، فهو مشغول – كعادته – بإحصاء عدد القتلى وتحديث الجداول البيانية. لا مانع لديه من مجزرة إضافية، شرط أن تكون “أخلاقية”، وبقنابل ذكية لا تجرح حياء الشاشة.
ومن الخليج، لا تأتي النصرة، بل تأتي النكبة على ظهر جملٍ نفطي.
المال العربي السائل في شرايين بورصات العالم لا يصل إلى رُضّع غزة، بل إلى مصانع السلاح التي تقصفهم!
هؤلاء فعلاً “أشد كفرًا ونفاقًا”، لا مجاز هنا، بل نص قرآني يتحقق بأدقّ تجلياته.
لا يكتفون بالتمويل، بل يصرّحون بفخر: “نحن مع الشرعية”…
لكن أي شرعية؟ شرعية القتل؟ شرعية صهيون؟ شرعية البنتاغون؟
وفي سوريا… عرسٌ جديد للدم العربي.
إلى السويداء، تستنفر “الفزعات”، وترتفع شعارات “يا غيرة الدين”، وكأنّ مشايخ النفط أصيبوا بالهستيريا لأنّ أبناء الجبل قالوا: كفى للذبح الطائفي، كفى للاستقواء بالتكفير، كفى للعهر باسم الدين!
فإذا بهم يفتحون صناديق الرعب: بدو، ونور، وشاوية، وإيغور، وشيشان، وحتى شياطين المارينز إذا تطلّب الأمر…
المهم أن يُكسَر رأس من قال “لا”.
وهنا يدخل الكيان الصهيوني كعادته، كالمنشار: طالع آكل، نازل آكل.
يستثمر الفوضى، يغذّي النزيف الطائفي، يروّج لسوريا ممزّقة، لأنّ أمنه القومي ينمو كلّما اشتعلت الأطراف، وانطفأت العروبة.
أما إلى فلسطين، فلا غيرة، ولا دين، ولا فزعة…
فالساحة هناك مزدحمة بالمجازر اليومية، ولم تعد تستحق في نظر الكثيرين سوى صمت القبور.
فهل أصبحنا “يهود التاريخ”؟
بلا توراة، بلا نبي، بلا وطن؟
نُطرَد من التاريخ كما طُرِد الفلسطيني من أرضه، نعيش تيهنا القومي كأنّ عبد الناصر لم يكن، وكأنّ غيفارا لم يُقتَل من أجل الفقراء، وكأنّ غسان لم يكتب: “لكلّ الناس وطن إلا الفلسطيني.”
نرتدي القهر، نستعير اللغة من أعدائنا، ونرقص على دمنا بإيقاع قنوات البث المباشر.
لكن هذا التيه… ليس قدرًا.
من رحم السخرية يولد الغضب،
ومن غضب مظفّر النواب تولد الثورة،
ومن صراخ أم فلسطينية تحت الأنقاض… يُصاغ النشيد القادم.
فيا رفاق، لا تبتسموا كثيرًا… ولا تستهينوا،
فالأمة لا تموت من فرط المزاح.
“المرحلة خطيرة” منذ خمسين عامًا، لكننا ما زلنا نملك شيئًا:
أن نكتب، أن نلعن، أن ننظّم، أن نقاوم…
“لأننا ببساطة… لن نصبح يهود التاريخ، بل صهاينة العالم هم من سيتوهون في التاريخ بلا مأوى.”

الكاتب: أحمد الشَّهّال

اقرأ المزيد
آخر الأخبار