19 يونيو 2024 / غلوبس – دين شموئيل الماس
أجهزة الجيش والأمن على مفترق طُرق معقد؛ فبعد المناورة البرية التي استمرت لنحو 8 أشهر في غزة، واحتلال أغلبية القطاع، واضح أن التصريحات بشأن إخضاع “حماس” باتت فارغة. وأكثر من ذلك، فإن حرب “السيوف الحديدية” تبدو حرباً متعدّدة الجبهات من الجنوب والشمال، تستنزفنا أكثر من أن تقرّبنا من الحسم. وقد كبّدنا التعثر ثمناً كبيراً، ففي يوم السبت، قُتل في كارثة “النمر” 8 مقاتلين، وهذه الحادثة الثالثة منذ بداية الحرب التي يُقتل فيها مقاتلون داخل مدرّعة، وبعد ذلك، بشّرونا بأسف بموت 3 مقاتلين إضافيين. وبعد 8 أشهر على بدء الحرب، يبدو أن أحداً لا يستطيع أن يقول لنا إلى أين نتجه. ويقول الجنرال أمير أفيفي، الذي شغل سابقاً أيضاً منصب قائد فرقة غزة، إن “طريقة الاقتحامات المركّزة تضع القوّات في خطر”، مضيفاً أنه “إذا لم يتم تشكيل ضغط مستمر وشعور بالملاحقة يمنع إعادة التنظيم، فإن درجة الخطورة على القوّات كبيرة.”.. وبصورة يبدو أنها متعارضة مع الضغط الذي تحدّث عنه الجنرال أفيفي، أعلن الجيش يوم الأحد أنه بدأ القيام بِهُدَنٍ تكتيكية محلية كُل يوم بين الساعة 8 صباحاً حتّى الساعة 7 مساءاً. وهذا ما حدث بعد حوارات مع الأمم المتحدة وجهات دولية من أجل السماح بإيجاد أوضاع تسمح بإدخال المساعدات الإنسانية من كرم أبو سالم إلى طريق صلاح الدين شمالاً.
من الصعب تقدير الضرر: حرب الاستنزاف لها قواعدها حتّى على الصعيد التكتيكي، لكن أيضاً على المستوى الاقتصادي؛ ففي حرب تقليدية أو حملة عسكرية كما شهدنا في غزة خلال الأعوام السابقة، هناك نقطة بداية ونقطة نهاية واضحة، وهنا الأمور تختلف. وهو الشيء نفسه بالنسبة إلى الأسواق، وأيضاً المؤسسات الاقتصادية للدولة التي تواجه صعوبة في بناء التوقّعات والنماذج التي تقدّر حجم الضرر العام. فمنذ الآن، يمكن القول إن التقديرات الاقتصادية ارتفعت بصورة مستمرة مرة تلو الأُخرى، فمؤخراً، قدّر حاكم بنك إسرائيل أن الحرب ستكلّف 250 مليار شيكل حتّى سنة 2025. لذلك، فإن التعثر لا يضر فقط بالجيش، بل أيضاً يستنزف المجتمع والاقتصاد، وتتوالى الأسئلة بشأن قدرات السوق على دعم الحرب المستمرة. أمّا العجز المتراكم في الأشهر الـ 12 حتّى شهر أيار/مايو، فوصل إلى 137,7 مليار شيكل، وكبر بنسبة 0.3% نسبة إلى العجز في نهاية نيسان/أبريل، لذلك، فإنه بلغ 7,2% من الناتج، في الوقت الذي كان الهدف الذي حدده القانون لنهاية سنة 2024 هو عجز بنسبة 6,6%. ومنذ بداية السنة، تم تسجيل عجز متراكم إلى نحو 47,6 مليار شيكل، مقارنة بفائض 13 مليار شيكل في الفترة نفسها السنة الماضية. وفي الوقت نفسه، فإن إنفاق الحكومة منذ بدء السنة وصل إلى 249,3 مليار شيكل، وهو ارتفاع بنسبة 35% في مقابل الفترة ذاتها السنة الماضية. وفي هذا السياق، يقول الجنرال موتي باسر، المستشار المالي لرئيس هيئة الأركان سابقاً ورئيس قسم الميزانيات في وزارة الأمن، إنه “عندما يتم تخطيط حرب، يتم تحضير عدة سيناريوهات، ويجب أن يكون هناك رد على كُل من هذه السيناريوهات”، مضيفاً: “يتطلّب هذا نظرة إلى مسار حرج يسمّى ’Long live items‘ بشأن التسليح وغيره. ويجب أيضاً النظر إلى الاتفاقيات مع الولايات المتحدة بشأن وتيرة الإمداد. هذا بالإضافة إلى أنه توجد هناك ميزانيات يتم تجهيزها مع عدّة بدائل، حيث في النهاية يجب إجراء حسابات بحسب تكلفة يوم القتال سواء أكان بكثافة منخفضة أم متوسطة أم عالية.”
في ظل هذا الوضع، يقول د. ياغيل هنكين، وهو مؤرخ عسكري مختص بالقتال في مناطق مأهولة والقتال غير المنظّم في معهد القدس للاستراتيجيا والأمن، إن الفرق بين الحرب التقليدية وحرب الاستنزاف هو أنه “في الحرب التقليدية، تقتل على سبيل المثال 50 جندياً من جنود العدو كُل يوم، وتتوقع أن هذا سيحتاج إلى وقت، لكن لن يُبقي لديه جنوداً، وفي الوقت نفسه، يعمل الاستنزاف على مكون نفسي، إذ تبقى معك قوّات قتالية، لكنك لا تملك الرغبة في القتال فعلاً. وإن حرب العصابات هي حرب استنزاف تقريباً بالتعريف. وفي هذا الزمن، فإن كل الحروب تقريباً هي حروب استنزاف، إذ يحاول الطرف الضعيف استنزاف الطرف القوي حتّى كسْر معنوياته. ومن أجل حرب الاستنزاف، يكفي طرف واحد لديه الرغبة فيها. وفي كُل ما يخص طُرق عمل ‘حماس’، فإنه من الممكن افتراض أن التنظيم لا يتوقّع القضاء على إسرائيل مادياً، إنما يكتفي بأن يدفّعها ثمناً، وبذلك ينشئ صورة يظهر فيها الجيش في حالة تعثُّر، وهو ما سيدفع إسرائيل في اعتقاده إلى الانسحاب. أسمع أقوالاً فحواها إن ’حماس‘ جبناء، لكن طريقتهم في تجنب المواجهة المباشرة إلى التفخيخ هي طريقة عمل حرب العصابات. إنهم لا يستطيعون إبادة قوّات كبيرة، إنما إلحاق الضرر بالقوّات بصورة تجعل إسرائيل تقرّر أن هذا القتال لا يستحق.”
جزء من الإجابة عن سؤال “هل من المجدي القتال؟” ينبع أساساً من ميزانية الأمن، وقد ارتفع إلى 117 مليار شيكل، أي أكثر بـ 55 مليار شيكل ممّا هو مخطّط له بنظرة تستشرف المستقبل، ومن المتوقّع أن ترتفع أكثر. وفي نهاية الخلافات المستمرة، أعلن مؤخراً كُل من بتسلئيل سموتريت ويوآف غالانت إقامة لجنة عامة لفحص ميزانية الأمن، ومن المتوقع لميزانية سنة 2025 أن تهتم بتغطية تكلفة الحرب، وذلك بغض النظر عما إذا كانت ستنتهي قريباً أم لا، فمنظومة الأمن تطالب بزيادة ميزانية لزيادة القوة بقيمة 30 مليار شيكل، وهو ما يعادل 1,5% من الناتج.
ولقد أدّت حرب “السيوف الحديدية” إلى تجنيد كبير وصل حجمه إلى 295,000 جندي وجندية احتياط [استدعي 365000]، وهو ما يُثقل كاهل الاقتصاد الإسرائيلي. وقد حدث التجنيد قبل أن نتوقّع التصعيد في الشمال، إذ في عيد العرش وحده، تحمّل حزب الله المسؤولية عن نحو 200 عمليّة إطلاق نار.
وأكثر من حجم القوّات البشرية والتسليح الواسع، فإن جبهة كبيرة في لبنان من المتوقّع أن تفرض تحديات غير مسبوقة في الجبهة الداخلية أيضاً. فلدى حزب الله نحو 150,000 صاروخ وقذيفة، وهو ما يعني أنه إن كانت “حماس” قد افتتحت هجومها في 7 تشرين الأول/أكتوبر بـ 5000 قذيفة وصاروخ على إسرائيل، فإن حزب الله يستطيع المحافظة على هذه الوتيرة لمدّة شهر ونصف الشهر. وللمقارنة، فقد أطلق حزب الله طوال حرب لبنان الثانية نحو 4000 صاروخ، أغلبها قذائف تصل إلى مسافة 30 كيلومتراً.
وبحسب الجنرال بيسر، فإن “يوم القتال في مقابل حزب الله من المتوقع أن يكون في البداية أغلى.” وحالياً، وعلى الرغم من أن حزب الله زاد من قوّة النيران، فإنه لا يزال يتبنّى حرب الاستنزاف من نوع آخر.
وعلى الرغم من زيادة حدّة النيران، فإن د. كرميت فالنسي، الباحثة في معهد أبحاث الأمن القومي ورئيسة وحدة دراسات الساحة الشمالية في المعهد، تقول “إن منطق حزب الله بالامتناع من حرب واسعة في مقابل إسرائيل لا يزال ذاته. هُم الآن في مزاج حرب الاستنزاف. نصر الله يقول إنه مستعد لحرب سنوات، وهو ما يبدو واضحاً من لهجة الحديث وأيضاً التكتيكات. نحن نرى ارتفاعاً في وتيرة الضربات وأيضاً أنواع الأسلحة. التنظيم الشيعي يفهم أن الحرب في غزة لن تنتهي قريباً، وأن هذا هو السبب الذي يجعلنا نتوقّع أن نرى حدّة مختلفة في الحرب. وتقول: “حزب الله لا يستطيع الاستمرار بوتيرة عالية من دون توقّف، ولذلك نرى انخفاضاً وارتفاعاً.”