في يوم الثلاثاء في 13 حزيران يونيو الماضي وصل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون الى موسكو للبحث في تعميق العلاقات بين بلاده وروسيا في ظل التحولات الدولية والإقليمية الجارية والتي تشهد تراجعا في النفوذ الأميركي والغربي في العالم لصالح صعود قوى كروسيا والصين وايران والهند وجنوب افريقيا والبرازيل تتحدى الهيمنة الغربية على العلاقات الدولية.
علاقات استراتيجية في مواجهة فرنسا والولايات المتحدة!
ويرى مراقبون أن الجزائر تسعى من وراء هذه الزيارة تعميق علاقاتها بموسكو لمواجهة النفوذ الفرنسي التقليدي في منطقة غرب افريقيا، علما أن روسيا تقوم بتنمية حضورها في ليبيا وافريقيا الوسطى ومالي وغينيا بيساو وعدد من الدول الأخرى في منطقة الساحل الافريقي عبر منظمة فاغنر العسكرية. وتنظر الجزائر الى روسيا على انها قوة عظمى وحليفة تقليدية لها منذ زمن الحرب الباردة. وترى موسكو في زيارة الرئيس الجزائري فرصة لفك العزلة الدولية عنها وتعميق علاقاتها مع بلد يعتبر محوريا في منطقة شمال وغرب افريقيا خصوصا في ظل مساعي موسكو لتحدي فرنسا في منطقة غرب افريقيا. واللافت في هذه الزيارة انها أتت بعد أيام قليلة على انتخاب الجزائر عضوا غير دائم ي مجلس الامن الدولي، علما ان زيارة تبون الى موسكو هي الاولى لرئيس جزائري منذ 15 عاما.
وتعود العلاقات الجيوستراتيجية الروسية إلى حقبة الحرب الباردة عندما كانت الجزائر شريكًا رئيسيًا للاتحاد السوفيتي في مواجهة النفوذ الغربي ي منطقة غرب افريقيا. وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي في العام 1991، تطورت العلاقة بين روسيا والجزائر، إذ يشترك البلدان في عدد من المصالح والاهتمامات المشتركة خصوصا في مجالات الأمن والاستقرار في شمال وغرب إفريقيا وفي منطقة الشرق الأوسط. وبالنسبة لروسيا فإن الجزائر تعد شريكًا مهمًا في المنطقة، حيث توفر منفذًا إلى البحر الأبيض المتوسط وشمال إفريقيا. بالإضافة إلى ذلك، فإن موقع الجزائر الاستراتيجي، على الحدود مع ليبيا ومنطقة الساحل الافريقي يجعلها لاعبًا رئيسيًا في قضايا الأمن الإقليمي. أما بالنسبة للجزائر، فتعتبر روسيا شريكًا على صعيد العلاقات الاقتصادية والتعاون العسكري. وقد اعتمدت الجزائر تاريخيًا على التزود بالمعدات العسكرية الروسية، وهي تواصل شراء الأسلحة الروسية حتى يومنا هذا.
وخلال السنوات الأخيرة، سعت كل من روسيا والجزائر إلى تعزيز شراكتهما الاستراتيجية، خصوصا أن روسيا تتطلع إلى توسيع نفوذها في الشرق الأوسط وشمال وغرب إفريقيا. لهذا لسبب فإن العلاقة مع الجزائر تقدم لموسكو فرصة ذهبية لتعزيز وجودها في المنطقة. ومن جانبها، فإن الجزائر تتطلع إلى تنويع شراكاتها الاقتصادية والأمنية وتقليل اعتمادها على القوى الغربية مثل فرنسا والولايات المتحدة.
ومنذ عام 2002 فلقد شكل لسلاح الروسي نحو 76 في المئة من واردات الجزائر من الأسلحة، علما أن الجزائر هي من أكبر خمسة مستوردين للسلاح لروسي في العالم. وفي تشرين أول أكتوبر 2022، استضافت الجزائر البحرية الروسية لإجراء تدريبات بحرية مشتركة معها، تلتها تدريبات عسكرية روسية جزائرية مشتركة على طول الحدود المغربية. وفي الأشهر التي تلت هذه المناورات، استضافت الجزائر مسؤولين أمنيين روس كبارًا مثل نيكولاي باتروشيف، سكرتير مجلس الأمن الروسي، وديمتري شوغاييف، رئيس الخدمة الفيدرالية الروسية للتعاون العسكري التقني.
كذلك فإن العلاقات الدبلوماسية عميقة بين البلدين. وقد أعلنت الجزائر في نوفمبر / تشرين الثاني أنها تخطط للانضمام إلى مجموعة بريكس التي تضم كلا من البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا، وهو ما رحب به وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف. ولا يتردد المسؤولون الجزائريون في الإشادة بموسكو وبالعلاقة الثنائية بين الجزائر وروسيا والتي يعتبرون بأنها ترتكز على “برنامج تعاون مشترك واسع النطاق وطويل الأمد.” ولم تتأثر العلاقات الجزائرية الروسية سلبا بالحرب الأوكرانية، ولقد حاولت الجزائر لعب دور متوازن في الازمة مقدمة نفسها كوسيط بين روسيا والغرب لحل الازمة.
العلاقات الاقتصادية
وعلى الصعيد الاقتصادي، فلقد شهدت العلاقات الاقتصادية الروسية الجزائرية نموًا في السنوات الأخيرة. وتتمتع الدولتان بعلاقة تجارية قوية، حيث تعد الجزائر أحد الشركاء التجاريين الرئيسيين لروسيا في إفريقيا. ويعد قطاع الطاقة أحد المجالات الرئيسية للتعاون بين روسيا والجزائر. وتعتبر روسيا موردا رئيسيا للنفط والغاز للجزائر، وقد وقع البلدان عددا من الاتفاقيات التي تهدف إلى زيادة تعاونهما في مجال الطاقة. بالإضافة إلى مجال الطاقة، فإن روسيا والجزائر تتعاونان أيضًا في مجالات أخرى مثل الزراعة والنقل والخدمات اللوجستية والتعدين والاتصالات.
وتستثمر الشركات الروسية بشكل متزايد في الجزائر، كما أن هنالك مشاريع مشتركة بين الشركات الروسية والجزائرية. وفي عام 2018، استثمرت الشركات الروسية ما يتجاوز من 4 مليارات دولار في الجزائر، معضمها خصص لقطاع الطاقة. وكان تم في العام 1993 الاتفاق على إنشاء اللجنة الروسية الجزائرية المشتركة للتعاون التجاري والاقتصادي والعلمي والتقني. وفي 29-30 حزيران يونيو 2010 عقد في الجزائر الاجتماع الرابع للجنة الحكومية المشتركة الروسية الجزائرية للتعاون التجاري – الاقتصادي والعلمي – التقني. وفي نوفمبر تشرين ثاني 2011 عقد في موسكو الاجتماع الخامس للجنة المشتركة للتعاون التجاري والاقتصادي والعلمي والتقني والذي حضرته أيضا كل من المغرب ومصر والتي تعد أكبر ثلاثة شركاء تجاريين لروسيا في أفريقيا.
ووفقًا لدائرة الجمارك الفيدرالية الروسية، ففي العام 2010 بلغ حجم التجارة الثنائية الروسية الجزائرية 1.337 مليار دولار، علما أن الكونسورتيوم الروسي روسنفت يشارك في تطوير قطاع الهيدروكربونات في بلوك 245 جنوب (ولاية إليزي). وفي نيسان أبريل 2008 نفذت عملية صوغر- حجرت إينوس بطول 273 كم. وحاليا تستكمل الشركة مشروع تجديد وإعادة بناء خط أنابيب “جي كي 1” بطول 150 كيلومترا.
وتعمل “غازبروم” على التنقيب والتطوير في احتياطيات الجزائر من المحروقات في منطقة الترخيص الأصيل (ثلاث كتل بمساحة إجمالية 3,083 كم 2. جيولوجيا حوض بركين في الجنوب). وفي اذار مارس 2010 قامت مجموعة “غازبروم” بحفر أول بئر استكشافية في إفريقيا في محيط الأصيل. وتواصل الشركات الروسية أعمال الإصلاح والصيانة على “جيجل” ، خدمة وتوريد قطع غيار لمحطة “تي بي بي” “عنابة”.
خلاصة
وتعول روسيا على تعميق علاقاتها بالجزائر بما يقدم لها قاعدة متينة يمكن لها أن تدعم حضورها في ليبيا والسودان ومنطقة الساحل الافريقي، علما أن شركة فاغنر العسكرية الروسية قد حققت لنفسها حضورا في شرق ليبيا وفي افريقيا الوسطى وغينيا بيساو ومالي، وهي في صدد توسيع هذا الحضور. في المقابل فإن الجزائر تعول على شركة مع روسيا يمكن أن يسعدها على مواجهة الفرنسي في ليبيا وفي غرب افريقيا، كما يمكن له أن يدعم موقفها كدولة إقليمية عظمى في افريقيا والحد من محاولات إسرائيل لتوسيع نفوذها في القارة الافريقية، علما أن الجزائر وجنوب افريقيا تعاونتا لطرد إسرائيل من الاتحاد الافريقي، بعدما سبق لها وحازت على موقع عضو مراقب في الاتحاد.