فشل العدوان على إيران سيؤذن بتراجع الهيمنة الأميركية وبروز قوى تشاركها الدور الريادي العالمي وعلى رأسها الصين وروسيا مع دور محوري لإيران.
ها قد انتهت الجولة الأولى من المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران. عدد كبير من المحللين خرج بانطباعات عن نتائج سلبية للمفاوضات بنتيجة التصريحات الأميركية من جهة والإيرانية من جهة أخرى التي تعلن عن فجوة “كبيرة” في مطالب الطرفين التفاوضية.
لكن للحكم على هذه الجولة يجب علينا النظر إلى الصورة الأكبر للصراع حتى يمكننا الحكم على ما ستؤول إليه الأمور. وقد يكون أهم بندين من البنود العشرة التي طرحتها إيران هو تلازم جبهات المواجهة في إيران والعراق ولبنان واليمن في ما يتعلق بوقف إطلاق النار ورفض الإيرانيين فصل المسار اللبناني عن الإيراني، والبند المتعلق بإدارة المرور في مضيق هرمز.
محورية هرمز في عملية التحول الجيوسياسي
في ما يتعلق بالبند الأول فإن المسألة تتخطى البعد المبدئي والأخلاقي الصرف لجهة التضامن مع الحلفاء الذين قدموا كل ما عندهم في معركة مصيرية جمعت إيران وفصائل الحشد الشعبي العراقية وحزب الله اللبناني وحركات المقاومة الفلسطينية وأنصار الله اليمنيين في خندق واحد.
بل إن هذا التحالف أمن لإيران عمقاً جيوسياسياً باتجاه منطقة البحر الأحمر من جهة ومنطقة شرق المتوسط من جهة أخرى، عدا عن أن هذا التحالف أمن للفصائل المذكورة آنفاً دعماً جيوسياسياً كبيراً في مواجهة الهجمة الأميركية الإسرائيلية في المنطقة على مدى العقود الثلاثة الماضية. وهذا يفسر إصرار الإيرانيين على ألا تستثنى أي جبهة وعلى رأسها لبنان من اتفاق وقف إطلاق النار حتى لا يتم لاحقاً الاستفراد بأي طرف على حدة من قبل الأميركيين والإسرائيليين.
أما البند الثاني والمرتبط بأحقية إدارة المرور والسيادة على مضيق هرمز فإنه يحمل في طياته أكثر من دلالة. فبمجرد قبول الولايات المتحدة في أن يكون هذا البند أساس التفاوض بين إيران والولايات المتحدة يشكل علامة تحول فارقة في تاريخ العلاقات الدولية وبنية النظام الدولي، إذ إن من شأن اعتراف واشنطن بسيادة طهران ومسقط على حركة المرور في المضيق، بحكم أن إيران وسلطنة عمان هما الدولتان المشاطئتان للمضيق، يشكل بحد ذاته تحولاً في مسار تم خطه قبل مئتي عام، وتحديداً في العام 1819 حين قامت البحرية البريطانية انطلاقاً من الهند بالتوغل في المضيق وقصف سواحل الخليج الغربية والشرقية بدءاً من جلفار (رأس الخيمة) وحتى الكويت بذريعة مكافحة القرصنة وفرضت الحماية على هذه المنطقة لمئة وخمسين عاماًـ، مانعة إيران ومسقط من إدارة العبور في المضيق كما كانتا تفعلان قبل ذلك بذريعة أن المضيق هو ممر دولي مفتوح للملاحة.
منذ العام 1819 وحتى العام 1971 بقيت الهيمنة على المضيق بريطانية حتى قررت حكومة العمال آنذاك الانسحاب من منطقة شرق السويس بنتيجة الأزمة المالية التي كانت تعصف ببريطانيا، لتحل محلها الولايات المتحدة كطرف مهيمن على تأمين الملاحة في المضيق بذريعة ضمان حرية الملاحة الدولية.
لذلك فإن مجرد قبول الولايات المتحدة بالتفاوض حول هذا البند يشكل بحد ذاته مفصلاً جوهرياً في بنية الملاحة الدولية التي تعتبر عصباً رئيسياً في بنية النظام الدولي برمته. ومن شأن التفاوض حول هذا البند أن يشكل اعترافاً أميركياً بتغير واقع العلاقات الدولية مؤذناً بنهاية الهيمنة الأنكلوساكسونية (البريطانية ومن ثم الأميركية) على بنية النظام الدولي والتجارة العالمية والتي دامت لقرنين كاملين، علماً أن جذور هذه الهيمنة تعود بالحد الأدنى إلى منتصف القرن الثامن عشر حين خرجت بريطانيا المنتصر الأول في حرب السنوات السبع وأصبحت سيدة البحار، مروراً بخروج الولايات المتحدة كسيدة البحار والقوة الرائدة في العالم عقب نهاية الحرب العالمية الثانية وصولاً إلى يومنا هذا.
بين العدوان على إيران، والعدوان الثلاثي على مصر، ما هي أوجه الشبه؟
في هذا الإطار، فإنه يمكن مقارنة ما جرى على مدى الأسابيع الستة الماضية منذ بدء العدوان على إيران وحتى بدء المفاوضات في باكستان بالعدوان الثلاثي على مصر في تشرين الأول/ أكتوبر 1956. فقبل سبعة عقود كان مقدراً للعالم أن يشهد لحظة تاريخية مفصلية شكلت لحظة الذروة في مسار التحول في بنية النظام الدولي.
كان النظام العالمي يمر بمرحلة انتقالية من عالم تسود فيه القوى الاستعمارية القديمة، أي بريطانيا وفرنسا، إلى عالم تبرز فيه قوتان جديدتان هما الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي.
وكان قد مر عقد على نهاية الحرب العالمية الثانية والحديث عن النظام الدولي الجديد آنذاك، حين وصلت عملية التحولات إلى لحظة الذروة عندما قررت قوة إقليمية صاعدة هي مصر تحدي الهيمنة الغربية لتصل الأمور إلى اللحظة التي أعلن فيها الزعيم المصري جمال عبد الناصر عن تأميم قناة السويس. كان العنوان آنذاك هو التنمية المستقلة في مصر التي وجدت في حركة التحرر العربية والعالمية مجالاً حيوياً لها، فيما كانت قناة السويس الجائزة التي انتزعتها مصر عقب فشل العدوان الذي شنته قوى العالم القديم، بريطانيا وفرنسا، بالتعاون مع “إسرائيل”. وكانت مصر بذلك تزيل إرث سبعين سنة من الاحتلال والاستيلاء البريطاني على قناة السويس التي حدثت آنذاك بذريعة ضمان حرية الملاحة الدولية.
في زمننا هذا، فإن ما حصل من عدوان على إيران يشبه إلى حد كبير ما جرى ضد مصر في العام 1956. فمنذ عقدين تقريباً بدأ الحديث عن تحولات في بنية النظام الدولي لجهة أفول القوى التي تسيطر عليه لصالح صعود قوى جديدة تريد أن يكون لها حصة في النظام الدولي الجديد.
وكانت قد تشكلت تكتلات على رأسها منظمة شنغهاي للتعاون ومنظمة بريكس لتشكلا منصتين بديلتين عن المنصات الدولية التي كانت قد رسختها الولايات المتحدة لتكون قاعدة لهيمنتها العالمية. هنا انبرت القوة التي تمثل مصالح النظام العالمي الأحادي القطبية الذي انطلق على غاربه في العام 1991، وهي الولايات المتحدة لتدافع عن بنية النظام الذي يخدم مصالحها.
إلا أنه في خضم هذا الصراع بين واشنطن من جهة والقوى الأوراسية من جهة أخرى، خرجت قوة إقليمية هي ايران لتعلن رفضها للتبعية للولايات المتحدة. وكان شعار إيران هو التنمية العلمية المستقلة والمتمثلة بامتلاك المعرفة النووية، كان رفع شعار دعم المستضعفين وحركات المقاومة هو الحاضنة التي مثلت المجال الحيوي لهذا المشروع الإيراني.
ولقد شكل العدوان على إيران من قبل قوى العالم الذي سيصبح قديماً وهي الولايات المتحدة، ومعها “إسرائيل”، لحظة الذروة في عملية التحول في النظام العالمي للانتقال من عالم أحادي القطبية تحت الهيمنة الأميركية إلى عالم متعدد الأقطاب تبقى فيه واشنطن لاعباً دولياً، لكن هذه المرة بشراكة كاملة مع روسيا والصين. أما جائزة إيران فستكون السيادة على مضيق هرمز تماماً كما كانت جائزة مصر استعادة السيادة على قناة السويس.
طول مدة المفاوضات وارتباطها بعمق عملية التحول
إذاً، فإن ما نشهده اليوم هو عملية ولادة نظام دولي ستكون له دينامياته وقواه الجديدة. وإن كانت عملية التحول التي جرت عبر فشل العدوان الثلاثي على مصر في العام 1956 قد تطلبت أسابيع قليلة حتى تتقبل قوى العالم القديم حقيقة أن واقعاً مستجداً كان قد حل على العالم، فإن عملية التحول التي تجري الآن قد تتطلب وقتاً أطول حتى تقبل الولايات المتحدة بحقيقة أنها لم تعد السيدة الوحيدة في العالم.
ففي العام 1956 كان مقدراً لعمية الانتقال أن تكون أسرع من عملية الانتقال التي تحصل الآن، لأنه في العام 1956 كانت الريادة تنتقل من ضمن الغرب الجماعي من الريادة البريطانية إلى الريادة الأميركية. أما اليوم فإن عملية الانتقال هذه لن تشهد فقط تراجع القوة الرائدة في نظام عالمي يأفل، بل هي تؤذن بتراجع سطوة الغرب وفقدانه الريادة العالمية بعد أكثر من ثلاثة قرون من الهيمنة العالمية الغربية.
بناء على ذلك، وبالاستناد إلى عمق عملية التحول في بنية النظام الدولي، فإن عملية الانتقال هذه قد تأخذ وقتاً أطول مما تطلبته العملية الانتقالية في النظام الدولي قبل سبعين عاماً والتي كانت ذروتها العدوان الثلاثي على مصر.
بالتالي، فإنه بعد فشل العدوان على إيران، ستكون الولايات المتحدة بحاجة لبعض الوقت لتقبل الواقع الجديد بأنها لم تعد مطلقة الحرية في الهيمنة على النظام العالمي. لذا فإنه لم يكن متوقعاً أن تخرج الجولة الأولى من المفاوضات برعاية باكستانية بنتائج، لكنها ستكون مسألة وقت حتى تعترف واشنطن بأن عالماً جديداً سيرى النور لن تكون فيه هيمنتها مطلقة عليه.
من هنا يجب علينا انتظار الجولات المقبلة. وإن كانت أزمة السويس قد رسخت أفول نجم بريطانيا وفرنسا لصالح صعود الدور العالمي للولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي مع دور محوري لمصر في العلاقات الدولية، فإن فشل العدوان على إيران سيؤذن بتراجع الهيمنة الأميركية وبروز قوى تشاركها الدور الريادي العالمي وعلى رأسها الصين وروسيا مع دور محوري لإيران.
المصدر: الميادين