على مدار العقود الماضية، تحولت العلاقات بين روسيا وحركة طالبان من عداء متبادل إلى تعاون وثيق. ففي أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الثانية، عندما استلمت الحركة السلطة في أفغانستان للمرة الأولى، اتخذت موسكو موقفًا متشددًا تجاه طالبان، لا سيما بسبب دعمها للانفصاليين الشيشان واعترافها ضمنيًا باستقلال الشيشان عن روسيا. بعد هجمات 11 أيلول 2001 الإرهابية في الولايات المتحدة، دعمت موسكو بحزم العملية العسكرية التي أطلقتها واشنطن وحلفاؤها في أفغانستان لمواجهة طالبان. ومع ذلك، ومع استمرار الصراع نتيجة نجاحات طالبان في حرب العصابات، بدأت موسكو في إقامة اتصالات مع الجناح المعتدل للحركة، الذي أنشأ مكتبًا سياسيًا في قطر عام 2013.
نتيجةً للجهود الدبلوماسية، تم إطلاق “صيغة موسكو” للمشاورات بشأن أفغانستان في نيسان 2017، بمشاركة السلطات الرسمية في كابول، وممثلي الدول الإقليمية، وحركة طالبان. وبهذا، جرت أول مفاوضات بين طالبان والحكومة الأفغانية على المستوى الوطني، برعاية روسية. وبحلول عام 2021، عندما شنت طالبان هجومًا واسعًا باتجاه كابول، كانت موسكو قد أسست بالفعل علاقات متينة مع الحركة. ولم يكن من قبيل الصدفة أنه في 15 أب 2021، عندما دخلت طالبان العاصمة الأفغانية دون مقاومة، ظلت السفارة الروسية في كابول هادئة وعملت في أمان، على خلاف العديد من البعثات الدبلوماسية الأخرى التي سارعت إلى الإغلاق أو الإجلاء. بل إن المسلحين تولّوا حماية مبنى البعثة الدبلوماسية الروسية، وأصبح السفير الروسي، دميتري جيرنوف، أول دبلوماسي أجنبي يلتقي بممثلي طالبان بعد سقوط حكومة جمهورية أفغانستان الإسلامية.
الاعتراف بالواقع
كشفت السلطات الروسية عن نيتها استبعاد حركة طالبان من قائمة المنظمات الإرهابية، والتي أُدرجت فيها منذ عام 2003، وذلك بعد فترة وجيزة من سيطرة الحركة الكاملة على الأراضي الأفغانية وإعلانها قيام “إمارة أفغانستان الإسلامية”.
في تشرين الأول 2021، صرّح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأن الكرملين “سيتخذ قرارًا بشأن إزالة طالبان من قائمة الإرهاب”. إلا أن تباطؤ مؤسسات الدولة الروسية وانشغالها بقضايا داخلية وخارجية مختلفة خلال السنوات الثلاث الماضية، أدى إلى تأخير اتخاذ هذا القرار رسميًا. ومع ذلك، فإن المسؤولين الروس دأبوا فعليًا، وعلى نحو متكرر، على الاجتماع بممثلي طالبان ودعوتهم للمشاركة في فعاليات دولية، من بينها منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي. وعليه، لم يكن قرار المحكمة العليا الصادر في 17 نيسان، الذي أيّد طلب مكتب النائب العام بتعليق الحظر، سوى إقرار رسمي بالواقع القائم.
ومن المهم التأكيد أن إزالة اسم طالبان من قائمة الإرهاب، والذي صدر في حينه، لم يكن يعني اعتراف موسكو رسميًا بحكومة “إمارة أفغانستان الإسلامية”، التي تشكلت في أيلول2021، وكانت لم تحظَ بعد باعتراف أي دولة في العالم. حينها كانت روسيا تصر على ضرورة استجابة طالبان لجملة من المطالب، من أبرزها احترام حقوق الإنسان، وتشكيل حكومة شاملة تضمن تمثيل الأقليات العرقية، في ظل هيمنة البشتون على الحكومة الحالية. وحتى شهر نيسان الحالي، لم يتجاوز الموقف الروسي اعتماد ممثل للحركة قائماً بالأعمال بشكل مؤقت في السفارة الأفغانية لدى موسكو. وكان من المنتظر، بعد صدور قرار المحكمة العليا، أن ترفع السلطات الروسية مستوى التمثيل إلى رتبة سفير، أسوة بما قامت به كل من الصين والإمارات العربية المتحدة.
في الوقت ذاته، لم تُبدي حركة طالبان أي استعداد لتقديم تنازلات. فمنذ عام 2021، سُنّت في أفغانستان قوانين شديدة التقييد لحقوق المرأة، إذ مُنعت من التعليم الجامعي، والعمل في المنظمات غير الحكومية، وزيارة الحدائق والأماكن العامة الأخرى.
ولم تقتصر الإدانة على الدول الغربية فحسب، بل شملت أيضًا العديد من دول العالم الإسلامي. فقد وصف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان القيود التي فرضتها طالبان بأنها “غير إنسانية ومعادية للإسلام”. وفي هذا السياق، تعيد روسيا تقييم علاقاتها مع شركائها، دون أن تتخلى في الوقت نفسه عن ممارسة الضغط السياسي على من كانوا في الأمس القريب خصوماً مسلحين.
الشراكة:
رغم العلاقات السياسية الوثيقة نسبيًا مع الحكومة الجديدة في كابول، فإن مستوى التعاون الاقتصادي بين روسيا وأفغانستان لا يزال محدودًا. ففي عام 2024، احتلت موسكو المرتبة العاشرة فقط من حيث حجم الصادرات إلى السوق الأفغانية، بقيمة بلغت نحو 414 مليون دولار، أي ما يعادل حوالي 5% من إجمالي الواردات. وتأتي هذه الأرقام متأخرة بفارق كبير خلف دول مثل إيران (1.9 مليار دولار)، والصين (1.5 مليار دولار)، وباكستان (1.5 مليار دولار).
في المقابل، تنشط الشركات الصينية بالفعل في تطوير الثروات المعدنية الأفغانية. فعلى سبيل المثال، وقّعت شركة CAPEIC الصينية العملاقة في قطاع النفط والغاز، عقدًا مدته 25 عامًا مع حركة طالبان في أوائل عام 2023، ينص على استثمار 150 مليون دولار سنويًا في مشاريع إنتاج النفط داخل البلاد. بالمقارنة، لا تزال الأنشطة الاقتصادية الروسية في أفغانستان متواضعة ولا تضاهي هذه الاستثمارات من حيث الحجم أو التأثير.
يُذكر أن الجانب الأفغاني كان يطالب باستمرار خلال لقاءاته مع المسؤولين الروس بتسهيل إجراءات منح التأشيرات لرجال الأعمال الأفغان. وقد يُساهم قرار استبعاد طالبان من قائمة المنظمات الإرهابية في تسريع هذه العملية. إلا أن العائق الأهم الذي كان لا يزال يحول دون تنفيذ مشاريع روسية كبرى – مثل خط السكك الحديدية العابر لأفغانستان إلى باكستان، بدعم من السكك الحديدية الروسية – هو تدهور الوضع الأمني واستمرار التهديدات الإرهابية المتصاعدة من داخل الأراضي الأفغانية.
فبحسب تقارير الأمم المتحدة، تحوّلت أفغانستان، مع ترسيخ طالبان لحكمها، مجددًا إلى “ملاذ آمن للإرهابيين” من مختلف أنحاء العالم. ويُعدّ تنظيم “الدولة الإسلامية – ولاية خراسان” (المصنف كمنظمة إرهابية في روسيا) أبرز تلك التهديدات، إذ يُقدّر عدد عناصره اليوم بين 4,000 و6,000 مقاتل، بعد أن عزز صفوفه بمسلحين من دول آسيا الوسطى.
ويتركز نشاط التنظيم بشكل رئيسي ضد حركة طالبان نفسها، التي يعتبرها “مرتدة ومتواطئة مع الكفار”. وفي كانون الأول 2024، نفذ التنظيم عملية اغتيال استهدفت القائم بأعمال وزير شؤون اللاجئين في حكومة طالبان، خليل حقاني.
لكن خطر “داعش-خراسان” لا يقتصر على الداخل الأفغاني. فقد أثبت التنظيم قدرته على تنفيذ هجمات خارجية أيضًا، منها الهجوم الذي وقع في 5 أيلول 2022 بالقرب من السفارة الروسية في كابول، وأسفر عن مقتل اثنين من موظفي البعثة الدبلوماسية، وكذلك الهجوم الدامي على قاعة “كروكس سيتي” للحفلات في 22 آذار 2024، والذي أودى بحياة 145 شخصًا.
كل هذه المعطيات جعلت من الصعب على روسيا المضي قدمًا في بناء ثقة كاملة مع طالبان، رغم الخطوات السياسية التي اتُخذت مؤخرًا، وعلى رأسها رفع اسم الحركة من قائمة الإرهاب. ومع ذلك، فإن الحوار مع السلطة الفعلية المسيطرة على أفغانستان يبقى خيارًا ضروريًا، لا سيما إذا كان الهدف هو احتواء التهديدات الإرهابية. وإذا ما نجح هذا المسار، فقد يُمهّد الطريق لتوسيع مجالات التعاون في المستقبل.
موسكو تفتح سفارة طالبان: خطوة واقعية أم مقامرة دبلوماسية؟
في تحوّل لافت يعكس تغيّر التوازنات الجيوسياسية، أصبحت موسكو اليوم أول عاصمة كبرى تعتمد رسميًا سفارة لحكومة طالبان في أفغانستان، في خطوة أثارت دهشة وقلق المجتمع الدولي، واعتبرها البعض مؤشّرًا على اعتراف ضمني بشرعية الحركة.
ورغم أن روسيا لم تعترف رسميًا بـ”إمارة أفغانستان الإسلامية”، فإن رفع طالبان من قائمة التنظيمات الإرهابية في نيسان الماضي مهّد الطريق لتوسيع العلاقات. واعتبر مراقبون هذا التطور تأكيدًا لنهج الكرملين الواقعي، الذي يقوم على التعامل مع السلطة الفعلية المسيطرة في كابول، بدل تجاهلها. ووفق تقارير إعلامية، فإن موسكو وافقت على ترشيح سفير لطالبان لديها، في سابقة هي الأولى من نوعها عالميًا.
الصحف والمحللون فسّروا هذه الخطوة بأنها محاولة روسية لتحقيق توازن بين المصالح الأمنية والسياسية. فمن جهة، تسعى موسكو إلى تقويض نفوذ تنظيم “داعش–خراسان” الذي ينشط في أفغانستان ويهدد أمن آسيا الوسطى وروسيا نفسها. ومن جهة أخرى، تأمل في دخول الساحة الاقتصادية الأفغانية، رغم أن حجم التجارة بين البلدين ما يزال متواضعًا مقارنة بدول مثل إيران والصين.
لكن العلاقات لا تخلو من الحذر؛ فموسكو لا تزال تشترط على طالبان احترام حقوق الإنسان وتشكيل حكومة شاملة تمثّل الأقليات، وهو ما ترفضه الحركة حتى الآن. ورغم تسليم المبنى الدبلوماسي والسماح لطالبان برفع علمها في موسكو، يبقى هذا الاعتراف محصورًا في إطار وظيفي–دبلوماسي، لا سياسي–شرعي.
في المحصلة، تمثّل هذه الخطوة رهانًا روسيًا على سياسة الانخراط بدل العزل. فالتواصل مع طالبان، مهما كان محفوفًا بالمخاطر، قد يكون أداة لاحتواء التهديدات الأمنية وبناء نفوذ استراتيجي في منطقة تعجّ بالتحولات.
موسكو وطالبان: استثمار استراتيجي في ظل تحولات الجغرافيا السياسية
ورغم ذلك وفي خطوة أثارت دهشة العالم واعتُبرت تحولًا لافتًا في السياسة الدولية وافقت روسيا على فتح سفارة لطالبان في موسكو وهو ما يمثل أول تمثيل دبلوماسي رسمي لحكومة “إمارة أفغانستان الإسلامية” غير المعترف بها دوليًا ورغم عدم إعلان اعتراف رسمي من موسكو بالحركة فإن هذه الخطوة تعكس واقعًا جيوسياسيًا جديدًا فرضته تطورات الحرب الروسية الأوكرانية والسعي الروسي للخروج من العزلة الدولية حيث تحاول موسكو منذ بدء النزاع في أوكرانيا إعادة بناء شبكة تحالفاتها خارج الفضاء الغربي عبر تمتين العلاقات مع قوى إقليمية وغير تقليدية مثل طالبان
يُنظر إلى فتح السفارة بوصفه ردًا روسيًا رمزيًا وفعليًا على السياسة الأمريكية الأخيرة تجاه الجماعات المسلحة في الشرق الأوسط وعلى رأسها هيئة تحرير الشام المعروفة سابقًا بجبهة النصرة والتي رُفعت عنها صفة الإرهاب في قرار أثار استياء روسيا التي رأت فيه تهديدًا مباشرًا لنفوذها المتآكل في سوريا وفي هذا السياق تبدو موسكو وكأنها تحاول موازنة الكفة الجيوسياسية من خلال بناء علاقات دبلوماسية مع سلطة الأمر الواقع في أفغانستان وتوسيع حضورها في منطقة تزداد أهميتها الأمنية والاقتصادية
كما يُفسر المراقبون هذه الخطوة في ضوء التحديات الأمنية التي تواجهها روسيا نفسها مع تصاعد هجمات تنظيم داعش ولاية خراسان الذي بات ينفذ عمليات دامية داخل أفغانستان وضد المصالح الروسية مباشرة ومنها الهجوم المروع في قاعة كروكس سيتي في مارس 2024 الذي راح ضحيته أكثر من 145 شخصًا وهو ما يجعل من طالبان بالنسبة لموسكو شريكًا أمنيًا واقعيًا في مواجهة هذا الخطر العابر للحدود خاصة في ظل عجز أي طرف آخر عن احتواء هذا التهديد
اقتصاديًا لا تزال العلاقة بين روسيا وأفغانستان محدودة إذ بلغ حجم التجارة بين البلدين نحو 414 مليون دولار فقط عام 2024 وهو رقم متواضع مقارنة بإيران والصين وباكستان لكن موسكو تعوّل على انخراطها السياسي والدبلوماسي مع طالبان لتمهيد الطريق نحو دور اقتصادي أكبر في المستقبل خاصة في مشاريع البنية التحتية والطاقة التي ما زالت الصين تهيمن عليها
ورغم هذا الانفتاح لا تزال روسيا متمسكة بمواقفها التقليدية من طالبان حيث تطالبها بتشكيل حكومة شاملة تحترم التعدد العرقي وحقوق الإنسان وخاصة حقوق المرأة التي شهدت تدهورًا غير مسبوق في ظل حكم طالبان ومع أن موسكو لم تعترف رسميًا بالحكومة الأفغانية الجديدة فإن استقبال ممثل رسمي لها في موسكو يعكس انتقال العلاقة إلى مستوى جديد من التعاون القائم على الضرورة والمصلحة وليس على التوافق الأيديولوجي أو القيمي
في ضوء ذلك يمكن اعتبار فتح سفارة طالبان في موسكو خطوة مدروسة تستند إلى منطق الواقعية السياسية في عالم يشهد إعادة ترتيب واسعة في موازين القوى حيث تسعى روسيا إلى تأكيد حضورها الإقليمي والدولي رغم الضغوط الغربية والعزلة المتزايدة فيما تبدو طالبان المستفيد الأكبر من هذا التقارب الذي يمنحها شرعية رمزية تفتقدها دوليًا في انتظار ما ستسفر عنه التحولات المقبلة في العلاقة بين الطرفين.
تعزيز الدور الروسي في منطقة استراتيجية
تاريخياً، لعبت روسيا، بصفتها وريثة الاتحاد السوفيتي، دورًا بارزًا في السياسة الأفغانية. ومن هذا المنطلق، كان الاعتراف بإمارة أفغانستان الإسلامية خطوة متوقعة. ومع ذلك، فإن هذه الإجراءات التي اتخذتها السلطات الروسية تُعد غير مسبوقة، وذلك لأن الإمارة الإسلامية في أفغانستان، ككيان سياسي وديني، لا تزال غير معترف بها من قبل الأمم المتحدة بسبب أيديولوجيتها الإسلامية وعلاقاتها بالتنظيمات الإرهابية.
رغم ذلك، مثل هذا الاعتراف يمثل خطوة مهمة في السياسة الخارجية الروسية. فالاعتراف بإمارة أفغانستان الإسلامية يفتح أمام روسيا الباب لإجراء مفاوضات رسمية وإبرام اتفاقيات اقتصادية وعسكرية مع سلطات البلاد. كما يمنحها فرصة لضمان الأمن في المنطقة، إذ يمكنها مطالبة طالبان* بالتصدي للجماعات الإرهابية الإقليمية، التي تشكل تهديدًا لكل من روسيا ودول آسيا الوسطى.
علاوة على ذلك، يسمح الاعتراف الرسمي بطالبان* كحكومة شرعية في أفغانستان لروسيا بالبدء علنًا في استكشاف الاحتياطيات المعدنية الغنية في البلاد. ومع ذلك، قد يحمل هذا القرار تداعيات محتملة، من بينها فرض عقوبات إضافية قد يكون نتيجة للاعتراف بإمارة أفغانستان الإسلامية، خاصةً أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يصنفان حركة طالبان* كمنظمة إرهابية.
لكن حتى في حال حدوث ذلك، فمن غير المرجح أن تؤثر القوى الغربية بشكل كبير على روسيا، نظرًا للعقوبات الصارمة وغير المسبوقة التي تفرضها عليها بالفعل. بالإضافة إلى ذلك، قد تعرقل هذه الخطوة سير المفاوضات السرية بين القوى الغربية وكابل. وفي جميع الأحوال، ستحظى روسيا بحليف إقليمي مهم يعزز مصالحها الاستراتيجية.
حتى ذلك الحين لا تزال حركة طالبان خاضعة لعقوبات الأمم المتحدة ومصنفة كمنظمة إرهابية.
د. زياد منصور
باحث في القضايا الروسية