ها هو زمن “الانتداب الجديد” يعود، ولكن بثياب مختلفة: الموفد الأميركي توماس برّاك يضع الورقة، والمبعوث السعودي يزيد بن فرحان يلوّح بـ”الآتي الأعظم”، ومن خلفهما تنهض “اللجنة الخماسية” كأنها مجلس أمن مصغّر يتولى الوصاية على لبنان تحت عنوان الإنقاذ… أو الابتزاز.
في بيروت، المشهد واضح: لا مفاوضات بل إملاءات، ولا تسوية بل تهديدات.
خلاصة اللقاءات:
“سلّموا سلاح المقاومة، التزموا الورقة الأميركية، وإلا فالخراب!”. والخراب هنا ليس من فعل العدو، بل نتيجة عصا “الحليف” إن لم نُحسن الانبطاح.
الانتداب المشروط… بنسخته الجديدة
ما يُطرَح على لبنان اليوم ليس مبادرة سيادية ولا وساطة نزيهة، بل وصاية مقنّعة تحت مسمّى “الإنقاذ”. فكل بند من الورقة الأميركية – السعودية مشروط بالتالي:
* تنازل عن القرار المستقل. • تنازل عن الحق في المقاومة.
* تنازل عن التعدد في التمثيل السياسي.
إنه “الانتداب المشروط”: دعم اقتصادي مقابل خضوع سياسي، تسويات مفروضة لا شراكات متكافئة. والموفدون، كما مفوضو الانتداب القديم، لا يتفاوضون، بل يُمْلون.
لكن الأدهى أن هذا الانتداب لم يعد يلبس بزّته العسكرية كما في الماضي، بل جاءنا بربطة عنق وسيلفي في السرايا. لذلك، لسنا أمام مجرد تدخل، بل أمام “الانتداب الجديد”: نسخة محدثة من حقبة الاستعمار، تُمارس بوسائل ناعمة ولكن بأهداف صلبة… نزع المقاومة، وإعادة رسم الخارطة السياسية على مقاس الخارج.
المشهد الأول: حصرية السلاح أم حصرية القرار؟
الرد اللبناني الرسمي على ورقة برّاك لا يأتي من موقع قوة، بل من موقع الانحناء أمام العاصفة. في الورقة الأميركية – السعودية، يطلبون “حصرية السلاح بيد الدولة”، لكنهم لا يعرضون دولة، بل إدارة ملغومة بالعجز والفساد والارتهان. يتحدثون عن “وقف تصنيع المسيرات في الضاحية” كأنّها منشأة نووية في كوريا الشمالية، ويتناسون أنّ ما تصنعه المقاومة هو توازن ردع، لا توازن رعب.
والأخطر، أن الطموحات لم تتوقف عند نزع السلاح، بل امتدت لتشمل نزع التمثيل السياسي عن ثلاث قوى لبنانية. فقد أبلغ “المندوب السامي السعودي”، يزيد بن فرحان، المسؤولين الذين التقاهم في بيروت (٣-٥ تموز ٢٠٢٥)، بأن النظام الحاكم في الرياض يرفض مشاركة كلّ من الرئيس سعد الحريري، الجماعة الإسلامية، وحزب الله في الحياة السياسية اللبنانية. ما يعني أن المطلوب ليس فقط “إصلاحًا”، بل هندسة مشهد سياسي طائفي خالص، مطواع، ومفرغ من التعدد، حيث يُشطب من لا يروق للمملكة… بفتوى خارجية.
المشهد الثاني: ما وراء التهديد
ليس التهديد هنا مجرد كلام دبلوماسي. فالموفد السعودي – الذي لم ننتخبه، ولا نثق به – يبلّغ القادة اللبنانيين أن عدم الالتزام بورقة برّاك سيجرّ على لبنان “الآتي الأعظم”. عبارة توحي أن ما ينتظر لبنان ليس فقط حصاراً اقتصادياً، بل ربما تكراراً لحرب تموز، أو حرب أكثر اتساعاً.
لكن، فلنتذكر: مَن الذي يقرر “الأسوأ”؟ أليس هو من يرعى التطبيع مع العدو ويغسل يديه من فلسطين؟ أليس هو من يرى في المقاومة عبئاً، وفي “إسرائيل” شريكاً أمنياً؟ أليس هو ذاته الذي يدفع بنا إلى مشهد الساحة العثمانية؟
المشهد الثالث: الحكاية القديمة… والحاضر البائس
في نهاية هذه الرواية الصحافية – الدبلوماسية، نستعيد حكاية المحكوم بالإعدام أيام العثمانيين، الذي كان يُقاد إلى ساحة الشنق وهو يردّد: “الله يجيرنا من الأعظم”. تعجّب الحارس وسأله: “وهل هناك أعظم من الشنق؟” فردّ عليه المحكوم بنفس العبارة. وعندما وصل إلى المنصة، جاء صوت المنادي: “بأمر من الوالي: أوقفوا الإعدام!” فتنفّس الحارس الصعداء وقال له: “أرأيت؟” لكن لم تمر ثوانٍ حتى سمعوا: “بأمر من الوالي: حطّوه عالخازوق!” فالتفت المحكوم إلى الحارس وقال: “شفت؟!”
وهكذا حالنا اليوم مع الموفدين والمبعوثين: إن لم نُسلّم رقابنا للشنق السياسي، فهم يبشّروننا بخازوق تاريخي جديد.
المقاومة ليست بنداً تفاوضياً
أخطر ما في هذا المشهد هو تحويل المقاومة إلى “بند” تفاوضي، وكأنها فائض سلاح أو مخزون فائض يجب تصفيته. لكنها ليست كذلك. المقاومة – بما تمثّل – ليست مجرد بند عسكري، بل بنية دفاعية – سياسية – نفسية، تحفظ البلد من السقوط الحرّ في هوة الانهيار الشامل.
الله يجيرهم من الأعظم!
بين برّاك الأميركي وبن فرحان السعودي، يبدو لبنان كمن ينتظر قرار تنفيذ الإعدام، والموفدون لا يكتفون بالمطالبة بالشنق، بل يلوّحون بخازوق تاريخي جديد. لكن الفرق أن في هذا الزمن، هناك من لا يزال يردّد:
“المقاومة ليست للبيع، ولن نكون أدوات على مائدة تقسيم المنطقة مجدداً.”
فليهددوا كما يشاؤون،
وليعيدوا تمثيل المشهد العثماني في ساحاتهم،
أما نحن، فنقولها بملء الصوت:
“الله يجيرهم… من ردّنا الأعظم!”
الكاتب :أحمد الشهال