قراءات سياسية فكرية استراتيجية

 

اخر الاخبار

تشييع بحجم الخسارة!

في غير مرة عند استضافتي من قبل احدى اقنية التلفاز المحلية التي تبث باللغة العربية في مونتريال لمناقشة مسارات المواجهة في فلسطين ولبنان بعد طوفان الاقصى، كنتُ اؤكد انه لا يمكن هزم المقاومة، وهذه الثقة لم تكن مستندة الى معرفة تفصيلية ببنية فصائل المقاومة في فلسطين او لبنان، بل تأتت من تطور تجربة المقاومة الشعبية المسلحة بدءاً من الثورة الفلسطينية والتي انطلقت كرد فعل وبديل عن هزيمة الانظمة في مواجهة المشروع الصهيوني، مروراً بجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية (جمول) وفصائل المقاومة اللبنانية المتنوعة وفي متنها واساسها المقاومة الاسلامية، والتطور الهام الذي بلغته فصائل المقاومة الفلسطينية في غزة والضفة.
ان مواجهة المشروع الصهيوني لا تعني فقط مواجهة واحدة من ادوات الهيمنة الامبريالية على شعوبنا وثرواتنا، بل هي مواجهة مع الامبريالية بكل ادواتها الداخلية والاقليمية، اي ضمناً الانظمة الرجعية العربية.
واذا كان هذا الصراع وجودياً بالنسبة للامبريالية وادواتها، فهو ايضاً وجودي بالنسبة للشعوب العربية ومصالحها ومستقبلها.

ان اهمية دور الشيوعيين اللبنانيين في اطلاق جمول عشية احتلال الصهاينة لبيروت تمثلت بالتقاطهم للحظة التاريخية وقد لاحت في الافق غيوم الهزيمة الكبرى وسيادة العصر الاسرائيلي. الفكرة الاساسية كانت عدم الاستسلام وتطوير تجربة المقاومة الشعبية المسلحة تثبيتاً لفكرة ان اسرائيل ليست قدراً مفروض علينا. وما لم تستكمله جمول تابعته المقاومة الاسلامية، وانجزت تحرير الحزام الامني في العام ٢٠٠٠، وتكرس في الوعي الشعبي فكرة انه بالمقاومة يمكن الحاق الهزيمة بالمشروع الصهيوني. وجاء انتصار العام ٢٠٠٦ ليثبت هذا المفهوم ويدفع بجماهير المقاومة لتقديم التضحيات ايماناً منهم ان النصر مؤكد.
وارتبط اداء المقاومة الاسلامية في لبنان بقائدها السيد حسن نصر الله، والذي كان يطل في المناسبات ويقدم للناس رؤيته وتقديراته ويصوغ المهام ويدافع عن خيارات حزبه السياسية.
كان ابن المقاومة، ولم يكن يشبه باقي السياسيين في السلطة، جمع شخصية الثائر ورجل الدين المؤمن باسلامه، كان شعبياً في كلامه، متعالياً عن لغة الشارع، عميقاً وبنيوياً في تحليله للصراع العالمي والاقليمي، متواضعاً في حياته اليومية، شرساً في عدائه للصهاينة، نبيلاً في حبه لفلسطين، صادقاً في استعداده للتضحية من اجل المبادىء.
ليس بالضرورة ان تتماثل مع الشخص لتُعجب به، وعندما تعتبر نفسك ثورياً بلشفياً فمن الطبيعي ان لا تجد مشتركات في الايديولوجيا مع تيار ديني بغض النظر عن هوية هذا التيار، ولكن في السياسة ينبغي دائماً ترتيب الاولويات، وغير مرة تناولت بالنقد بعض المواقف التي كان يطرحها حزب الله على لسان السيد، ولكن لا يمكنك الا ان تنحني باجلال امام التضحيات والبطولات التي اجترحها مقاومو حزب الله في سياق المواجهات مع العدو الصهيوني ومع التكفيريين الذين اسقطوا سوريا.

الوطنيون والمقاومون والناس لا يتذكرون اسماء وزراء حزب الله في الحكومات المتتالية، الحكومات التي طبقت سياسات اقتصادية ومالية افقرت الناس ونهبتهم، بل يتذكرون دائماً، وهذا ما سيسجله التاريخ ويكون مدعاة للافتخار والعزة، انه في بلادنا بوجد رجال، بالالاف، زرعوا اجسادهم في التراب دفاعا عن الكرامة والشرف والارض والوطن وفلسطين، وان قائدهم سار الى موته بنبلِ أشباه الانبياء، كما فعل غيفارا وفهد وفرج الله وعبد الخالق، ولم يترك فلسطين تُذبح وهو يتفرج غير مبالٍ.

ان استشهاد السيد هو خسارة وطنية وسياسية واخلاقية تتعدى التيار الذي انتمى اليه وقاده، والمشاركة في التشييع الذي ينظمه حزبه له ولرفيقه السيد هاشم صفي الدين تكتسب اهمية تتعدى فكرة الوفاء لرجال سقطوا في خندق المواجهة مع اعداء شعوبنا وبلداننا وامتنا، بمقدار جعل المناسبة استفتاء جماهيري حول المقاومة، وفي التأكيد ان لبنان لن يكون اسرائيلياً رغم انف صهاينة الداخل، وعلى امل ان تتحول المقاومة الى مشروع سياسي وطني يتخطى حدود الطائفة.

كثرٌ من الناس في الخارج لن تسمح لهم ظروفهم المشاركة في تشييع السيد ورفيقه، ولكنه بالرغم من بعد المسافات فان قلوبنا تشارك في التشييع والتأكيد على الوفاء للقضية التي سقط من اجلها السيد والالاف من المقاومين الابطال.

د. طنوس شلهوب

اقرأ المزيد
آخر الأخبار