قراءات سياسية فكرية استراتيجية

 

اخر الاخبار

البيئة الحاضنة للبيئة الحاضنة

تردد في لبنان على مدى العقود الأربعة الأخيرة مصطلح “البيئة الحاضنة للمقاومة”، والمقصود عموماً هو الجزء من المجتمع اللبناني الذي يؤيد ويدعم المقاومة، وعلى وجه الخصوص، عموم الشيعة في لبنان، وعلى أقل تقدير أغلبيتهم الساحقة.
نحن هنا لا نناقش فكرة للكيان الصهيوني المغتصب لكامل فلسطين وأجزاء من لبنان وسوريا، وربما من مصر والأردن، فأغلبية اللبنانيين بمختلف مكوناتهم الدينية والسياسية، باستثناء قلة قليلة منهم، تجمع على أن هذا الكيان هو العدو، وان مقاومته وتحرير الأراضي العربية المغتصبة، هو واجب، وطني، وقومي، وديني.
هذه المقاومة وفي لبنان تحديداً، بدأت مع نكبة اغتصاب فلسطين، وربما قبل ذلك، مع بداية الاستيطان اليهودي في شمال فلسطين، وكانت هذه المقاومة عابرة لكل الطوائف، وانخرط فيها المسلمون والمسيحيون بكل مذاهبهم وتياراتهم السياسية، وأطلقت عليها مسمّيات متعددة كان آخرها اسم “المقاومة الوطنية اللبنانية”. في الثمانينات من القرن الماضي، حصلت تحولات جذرية على المسرح الدولي انتهت بضمور الحرب الباردة بين القطبين السوفياتي والأميركي، وانتهت بتفكك الإتحاد السوفياتي، وانحسار حركة اليسار العالمي، وهيمنة الولايات المتحدة على العالم، مما أضعف المقاومات المسلحة في كل أرجاء العالم ومنها المقاومة الوطنية في لبنان.
تزامناً مع تلك التحولات، برزت في العالم الإسلامي صحوة دينية، ترافقت مع انتشار الفكر الديني في معظم البلدان العربية والإسلامية ومنها بالطبع لبنان؛ توِّجت هذه الصحوة بانتصار الثورة الإسلامية في إيران وتأسيس الجمهورية الإسلامية هناك.
برزت “المقاومة الإسلامية في لبنان” والتي تمثلت بتنظيم “حزب الله”؛ وبعدما ضعُفت المقاومة الوطنية اللبنانية العسكرية وآلت الى الزوال، أصبحت المقاومة الإسلامية الوريث شبه الوحيد للمقاومات الوطنية التي انحصرت بأشكال أخرى، منها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية ومقاطعة المنتوجات وغير ذلك، وهناك من يقول بأن كل من سوريا وإيران عملتا بالترغيب والترهيب على جعل المقاومة الإسلامية في لبنان صاحبة الوكالة الحصرية لمجابهة العدو، إلا ما ندر.
شيئاً فشيئاً، أصبح الشيعة هم المقاومون شبه الحصريون للكيان الغاصب، وتحولت قراهم في الجنوب والبقاع وباقي المحافظات، كذلك احياؤهم في بيروت وبقية المدن اللبنانية، منابت ومعاقل للمقاومة الإسلامية، ولم تنجح تجربة “سرايا المقاومة اللبنانية” في إضفاء الصبغة الوطنية أو اللبنانية الشاملة على هذه المقاومة.
مع تطور الصراع العربي الصهيوني، سلك العديد من الدول العربية مسلك التطبيع مع إسرائيل، بمن فيهم السلطة الفلسطينية ومصر والأردن، كذلك اختارت سوريا تجنب المشاركة في المقاومة المسلحة. ترافق ذلك مع تراجع ملحوظ في جذوة الشعور القومي العربي وانحسار الرغبة وحتى التفكير بمقاومة إسرائيل، ودخلت ما تسمّى ب”الجماهير العربية” في سُبات او في حالة من التخدير، باستثناء بعض الحركات الإسلامية ومنها: حماس في فلسطين، أنصار الله في اليمن، والحشد الشعبي في العراق. لم يكن الشعب اللبناني بمعزل عن هذا التوجه، باستثناء الطائفة الشيعية، والتي وجدت نفسها وكأنها تغرد خارج السرب، او تسبح عكس تيّار الشعوب العربية والإسلامية في المنطقة.
مع اندلاع عملية “طوفان الأقصى” في غزة فلسطين، وانخراط المقاومة الإسلامية اللبنانية في الدعم، واستمرار هذا القتال لأكثر من سنة، انجرّت المقاومة الإسلامية في لبنان الى مجابهة واسعة مع العدو، فصبّت إسرائيل حقدها وإجرامها على المقاومة وبيئتها الحاضنة، وبين ليلة وضحاها، ترك معظم الشيعة من أهل الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت وقسم من أهالي البقاع بيوتهم، ونزحوا الى المناطق ذات الأغلبية غير الشيعية.
هنا يبرز السؤال البديهي: من هي البيئة الحاضنة التي احتضنت البيئة الحاضنة؟
في عملية مسح اجتماعي وتقصي حقائق، نخلص الى النتائج التالية:
– قسم توجه الى أقاربهم وأنسبائهم في الطوائف والمذاهب الأخرى، من السنّة، والدروز، والمسيحيين، وبعض الأجانب من غير اللبنانيين.
– قسم توجه الى أصدقائهم ومعارفهم في الطوائف والمذاهب الأخرى.
– قسم توجه الى القرى والأحياء غير الشيعية.
– قسم توجه الى المدارس والمباني الحكومية في المناطق غير الشيعية، كما توجه البعض الى مبانٍ غير حكومية مثل المؤسسات والمصانع والمطاعم وحتى الملاهي وعلب الليل.
– قسم توجه الى سوريا والعراق.
– قسم التحق بأفراد العائلة في المهجر، او سافر للإقامة خارج لبنان.
بالخلاصة، ما هي أهم الدروس المستخلصة في لبنان مما حصل، والتي علينا تفحصها والتعمق فيها للوصول الى بناء وطن قوي ومتين، ويرتكز على أسس صلبة تبشر بمستقبل واعد.
إن علاقات المصاهرة والتزاوج بين كافة الطوائف والمذاهب في لبنان، تشكل إحدى الدعائم الأساسية في بناء وطن متماسك، ومن هنا تأتي الحاجة الى قوانين جديدة للأحوال الشخصية تساهم في هذا التوجه، وهنا يقع جزء من المسؤولية على رجال الدين، فعليهم ان يشجعوا على تنوع المصاهرات وإيجاد المخارج والفتاوى التي تدعم هذا التوجه.
إن تمتين الروابط والعلاقات بين كل المكونات الدينية في المجتمع اللبناني، هي ضرورة أساسية للتماسك المجتمعي، وهذا لن يحصل إلا بتقوية الخطاب اللاديني واللامذهبي، والابتعاد عن كل أشكال التحريض الديني والمذهبي، وخاصة المستتر منها في الغرف المغلقة واللقاءات الضيقة، ودور العبادة والأطر الحزبية والطائفية، والبلدية والمجتمعية، وغيرها.
تقوية العلاقات بين أبناء المناطق والقرى، وهذا يحتم التفتيش عن صيغ بديلة للبلديات الصغيرة والعاجزة عن القيام بالمشاريع التنموية والتي تتطلب ميزانيات كبيرة، وهذا يقودنا الى مشروع إقامة بلديات كبيرة، بحيث تضم كل واحدة منها عدة قرى، على غرار اتحاد البلديات، على ان نعمل ما أمكن في البلديات المستحدثة، على ان تتكوّن من قرى وبلدات ذات تنوع طائفي ومذهبي الى أبعد الحدود.
تقوية الحس الوطني لكل كل مواطن بالحفاظ على كل الأملاك العامة من الجامعات والمدارس والطرقات والمستشفيات والأنهار والغابات والحدائق العامة والشواطئ، والبنى التحتية للكهرباء والمياه وشبكات الهاتف والصرف الصحي وغير ذلك؛ وهذا واجب الأهل والمدرسة ورجل الدين، والمسؤول المدني، والعسكري، والبلديات، والجمعيات الأهلية.
وكونه من شبه المستحيل إحداث تغيير بنيوي في الهوية الدينية لسكان القرى والبلدات اللبنانية، إلا اننا نستطيع من خلال القوانين والبلديات والجمعيات الأهلية، التشجيع على الدمج السكاني والإقلاع عن وضع العراقيل والمحظورات في وجه المواطنين اللبنانيين سواء كان ذلك علنيًا او مخفيًا، ليتمكنوا من البناء والسكن في أي منطقة لبنانية، وهذا يساهم في التخفيف من التجمعات ذات اللون الطائفي او المذهبي الواحد، وخصوصاً الأحياء في بيروت والمدن الكبرى، وبالطبع فإن وجود قوانين غير دينية للأحوال الشخصية، سيشجع على التخفيف من الغيتوات المذهبية والطائفية.
تقوية العلاقات السياسية مع كل الدول الشقيقة، وخاصة مع سوريا والعراق وكل دول الجوار العربي، كذلك تمتين العلاقات مع كل الدول الصديقة في العالم، وتجنب المواقف العدائية والمستفزة والتي تجلب الضرر على اللبنانيين في الخارج، على ان لا يتعارض ذلك مع حرية الفكر وإبداء الرأي السياسي ضمن الضوابط القانونية والأخلاقية؛ فالانتشار اللبناني في المعمورة قديم العهد، ولأن لبنان بلد يعتمد بشكل كبير على مداخيل أبنائه في المهجر، وثروته الأساسية تكمن في إنسانه المتعلم، فلا قدرة له في الداخل على إيجاد فرص عمل لكل المتعلمين من أبنائه.
أصبح من المعيب حقاً، ان نبقي على نظام الانتخاب الحالي، المرتكز على التوزيع الطائفي، وان يفتش كل مواطن على مكان صندوق الاقتراع طبقاً لطائفته ومذهبه، فلبنان هو البلد الوحيد في العالم الذي لم يجرِ أي إحصاء سكاني لمدة قاربت القرن من الزمن. لقد حان الوقت لإجراء إحصاء جديد غير مرتكز على الأسس الطائفية، وحان الوقت لنضع كل سجلات النفوس الحالية في الأرشيف، ونضع سجلات حديثة ترتكز على مكان السكن، وان يستطيع المواطن اللبناني أن يقترع في أي مكان يريد، وأصبح ذلك سهلا مع تطور تقنية المعلومات، وهذه هي الركيزة الأساسية للوصول الى نظام انتخابي لا طائفي، يستطيع معه كل لبناني ان يختار نوابه من كل لبنان بغض النظر عن الطائفة والمذهب. فلا خلاص للبنان ولا أمل له بالتحول الى دولة عصرية حديثة متطورة، إلا بنظام سياسي لا أثر فيه للطائفية والمذهبية، وهذا عمل شاق طويل يتطلب البدء من المدارس، وصولاً الى الدستور والقوانين.
خلاصة القول، ليس فقط للشيعة في لبنان ولكن لكل الطوائف المذاهب، اقلعوا عن التقوقع والانغلاق، وانفتحوا على بعضكم البعض، افتحوا نوافذكم للشمس، وكلمة خاصة لرجال الدين، أقلعوا وللأبد عن نبش التاريخ المختلَف عليه، والحديث عن الخلافات الدينية والفقهية، واتركوا ذلك لأهل الاختصاص والنخب الفكرية، واكتفوا بقراءة الصفحات المشرقة فيه، نريد منكم جرأة في الفتوى والإرشاد والتي تقرّب بين الأديان والمذاهب، وإكمال النهج الذي سلكه أمثال الامام الصدر، والسيد فضل الله والشيخ شمس الدين والمطران خضر والمطران حداد والشيخ العلايلي وسواهم. البيئة الحاضنة لكل طائفة في لبنان هي بقية الطوائف، هذا ليس كلاماً طوباويّا، بل حصيلة تجربة النصف قرن الأخير من الحروب والأزمات؛ وسنبقى نحلم بوطن لا يعود فيه للهوية الدينية دور مهم في النظام السياسي والعلاقات المجتمعية والجغرافية المناطقية.

علي طباجه
طالب دكتوراه في التاريخ – الجامعة اللبنانية

اقرأ المزيد
آخر الأخبار