لم تعد سيطرة الإدارة الأميركية على البطريرك المسكوني خافية على أحد، ولم يعد سرّا أن بطريركية القسطنطينية المسكونية تدين بشدة لحكومة الولايات المتحدة الأميركية. هذه العلاقة كرّسها البطريرك المسكوني المغفور له اثيناغوروس عندما كان ما يزال رئيسا لاساقفة أميركا للكنيسة الأرثوذكسية اليونانية. لقد كتب اثيناغوراس علنا في العام 1942 الى وكيل مكتب الخدمات الاستراتيجية الاميركي (OSS) Office of Strategic Services قائلا: “لدي 3 اساقفة و 300 كاهن وابرشية كبيرة واسعة الانتشار، كل شخص تحت أمري هو تحت أمرك، يمكنك ان تأمرهم بأي خدمة تحتاجها، لن يتم طرح أي أسئلة وسيتم تنفيذ توجيهاتك بأمانة”.
في العام 1947، تمت إعادة تسمية (OSS) لتصبح وكالة الإستخبارات المركزية أو (CIA) وبعد عام واحد، تم انتخاب أثيناغوراس بطريركًا مسكونيًا للقسطنطينية، او ما يطلق عليه الزعيم الروحي للأرثوذكسية الشرقية.
شجع البطريرك اثيناغوروس سياسة واشنطن الخارجية العسكرية، فقد روى القنصل الأميركي في إسطنبول محادثة له مع أثيناغوراس في العام 1951 فقال: “كعادته، تحدث (يقصد اثيناغوراس) بإسهاب عن اعتقاده بأن الولايات المتحدة يجب أن تبقى في الشرق الأدنى لعدة قرون من اجل إنجاز المهمة التي أوكلها إليها الله، إعطاء الحرية والرخاء والسعادة لجميع الناس!!!”.
هذه الإقتباسات مأخوذة من محاضرة ألقاها مؤرخ أرثوذكسي يُدعى ماثيو نامي في كلية هولي كروس الهيلينية، أي المدرسة اللاهوتية اليونانية في بوسطن. هذه ليست تزييفات خبيثة يروج لها الدعاة الروس، فالأرثوذكس اليونانيون فخورون جدًا بارتباطهم بالدولة الأميركية العميقة.
البطريرك المسكوني الحالي بارثلماوس مصنوع من نفس قماشة أثيناغوراس ويواصل السير على نفس نهجه الأميركي، وهو يودّ بشدة ان يصبح “بابا” الأرثوذكسية في تعارض تام مع القوانين الارثوذكسية المتبعة. لقد عمل بجهد ملفت على تعزيز سلطته الصارمة على الكنائس الأرثوذكسية اليونانية ونجح في ذلك ايما نجاح، ما قدم للاميركيين الغاية المنشودة التي يسعون اليها، الا وهي السيطرة من خلاله على الارثوذكسية وعبرها نشر ما تعتبره واشنطن القيم “الديمقراطية والليبرالية” في جميع انحاء العالم. هذه الديمقراطية والليبرالية التي رأينا مثلها في العراق وليبيا وافغانستان وفيتنام و80 دولة وأكثر اغتصبتها واعتدت عليها الولايات المتحدة الأميركية، ونرى هذه السياسة الليبرالية الاميركية الغربية اليوم بابهى تجلياتها في فلسطين حيث الأبادة الجماعية المتواصلة ضد شعب غزه يقابلها صمت مطبق وتجاهل مطلق من قبل الدول الإستعمارية الغربية والتي على رأسها الولايات المتحدة الأميركية، حتى لصارت كلمة ليبرالية غربية مرادفة لحرية القتل والتدمير والهيمنة والنزوح والفسق والمجون.
لقد شجعت الادارة الاميركية وخططت لتقسيم الكنيسة الأوكرانية بمساعدة من النظام الإنقلابي في كييف ومن البطريرك بارثلماوس مباشرة الذي منح عن غير صفة وحق الاستقلال الذاتي (طوموس) لبعض المتلبسين زورا لباس الكهنوت، واضطهد بالتعاون مع الرئيس الاوكراني السابق اليهودي بيوتر بورشينكو وايضا مع الرئيس الحالي من الطائفة اليهودية نفسها فلاديمير زيلينسكي الكنيسة الارثوذكسية الشرعية الوحيدة في اوكرانيا بقيادة غبطة المتروبوليت الجليل اونوفري، واستولوا على عدد من كنائسها واملاكها وضربوا مؤمنيها وكهنتها حتى اساقفتها نالهم الجزء العسير من العذابات والتعذيب والاعتقال والملاحقة وكل ذلك والبطريرك بارثلماوس يستقبل زيلينسكي ويصلي معه فيما ابناؤه الأرثوذكس في أوكرانيا يكابدون العذابات والاهوال. نعم وللاسف فان الهدف الذي توافق عليه بارثلماوس وزيلينسكي هو نيل رضى الإدارة الاميركية وتحقيق رغبات واشنطن في ضرب روسيا وكنيستها الأكبر في العالم الأرثوذكسي وتفتيتها في سياق ممنهج لتصفية القيم الروسية التقليدية وكل ما من شأنه ان يمزق الوحدة الروسية.
هذا الزيلينسكي كان قد زار بابا روما وقدم له ايقونة يظهر فيها المسيح اسودا دون ملامح على الطريقة الشيطانية، وهو اي زيلينسكي لا يؤمن بالمسيح اصلا، وبالرغم من ذلك يتعاون بارثلماوس معه ومع شياطين اخرين مشابهين له في الشرق والغرب لإبادة أرثوذكس أوكرانيا وروسيا وكل من لا يقدم له الطاعة العمياء. العديد من اساقفة العالم واليونان وقفوا ضد بارثلماوس ولعل اشهرهم الأسقف العلامة الارثوذكسي اليوناني الشهير كاليستوس وير الذي أدان البطريركية المسكونية لتدخلها في الكنيسة الأوكرانية اذ قال:
“رغم أنني مطران البطريركية المسكونية، إلا أنني لست سعيدًا على الإطلاق بالموقف الذي اتخذه البطريرك بارثلماوس مع كل احترامي لبطريركي، لا بد لي من القول بأنني أتفق مع وجهة النظر التي عبرت عنها بطريركية موسكو بأن أوكرانيا تنتمي إلى الكنيسة الروسية”.
الرئيس الاميركي الحالي ومنذ ان كان نائبا للرئيس الى اليوم يتدخل بصورة ناشطة بشؤون العالم الارثوذكسي ويشرف على التوجيهات المرسلة لبارثلماوس، كما ان وزير الخارجية الاميركي السابق مايك بومبيو وموظفي خارجيته عملوا بقوة لضرب الكنيسة الارثوذكسية الاوكرانية وكنائس اخرى في استونيا ولاتفيا وليتوانيا وكنيسة صربيا وجورجيا وبلغاريا الخ… وقد عبر بايدن وبومبيو والعديد من السياسيين الاميركيين الاخرين جهارا عن دعم حكومتهم لسياسة الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي المتمثلة في الاستيلاء على ممتلكات الكنيسة الارثوذكسية الشرعية في اوكرانيا.
في الحقيقة ان ما يهم واشنطن فعليا من خلال دعم بارثلماوس هو تقويض نفوذ موسكو داخل الأرثوذكسية العالمية ولو على حساب الارثوذكسية نفسها كما يجري حاليا، وهذا الأمر يلبي طموحات الكارهين لروسيا في ادارة السياسة الخارجية الاميركية. على نفس خطى البطريرك بارثلماوس وخطى اثيناغوراس يندفع رئيس أساقفة أميركا للكنيسة اليونانية المطران إلبيذوفوروس بالتعاون اللصيق مع الإدارة الأميركية ويقدم الدعم لها، وما حادثة “معمودية المثليين” سيئة السمعة المتعارضة مع التقاليد والقوانين الأرثوذكسية إلا دليلا على ذلك، اذ قام في العام 2022، بتعميد أبناء اثنين من الأميركيين اليونانيين الأثرياء، إيفانجيلو بوسيس وبيتر دونداس (تم الحمل بالأطفال من خلال تأجير الأرحام) وتمت المعمودية في فولياجميني، إحدى ضواحي أثينا. أثار هذا عاصفة من الاحتجاجات في العالم الأرثوذكسي وذلك لسببين. أولاً، من الخطأ تعميد طفل إذا كانت فرصة تربيته على تعاليم الكنيسة ضئيلة أو معدومة. يلتزم الوالدان تجاه طفلهما بالإيمان المسيحي دون إعطائهم الأدوات اللازمة للوفاء بهذا الالتزام. ثانيًا، يجب على رجال الدين الزائرين (بما في ذلك الأساقفة) الحصول على إذن من المطران المحلي قبل الاحتفال علنًا بالأسرار المقدسة ضمن ولايتهم القضائية. في هذه الحالة، المطران إلبيذوفوروس طلب الإذن بتعميد طفلي زوجين أميركيين وحصل على الإذن من دون ان يخبر المطران انطونيوس راعي الابرشية المذكورة ان الوالدين كانا زوجين مثليين.
لقد أدان المجمع المقدس لكنيسة اليونان إلبيدوفوروس وكذلك فعل رهبان جبل آثوس، لكنه لم يبال وكأنه اراد ان يعطي العالم الأرثوذكسي فكرة عن كيفية قيامه بالأشياء بمجرد أن يصبح بطريركا مسكونيا طالما هو يحظى بدعم السلطات والادارة الأميركية، فلاهم له بما يفكر اساقفة العالم الأرثوذكسي ومؤمنيه.
نزعة الغرور هذه التي ينشرها ويتغنى فيها كل المتعاونين مع الاميركيين وحتى وان كانوا من رجال الدين ستعمل وللاسف الشديد ليس فقط على مواصلة سياسة الشقاق والتقسيم داخل الكنيسة الارثوذكسية، بل وتدمير الاسس التي حافظ عليها الاسبقون منذ الفي عام حتى اليوم، ليس لشيء الا ارضاء لطموح وهمي وتنفيذا للاوامر المغرضة للمشرفين القدماء الجدد في الإدارة والأجهزة الأميركية.
د. اسكندر كفوري