قراءات سياسية فكرية استراتيجية

 

اخر الاخبار

الهجرة غير النظامية: تهديدات شاملة ومعاناة إنسانية أي حل لتونس ؟

لقد مرت الهجرة غير الشرعية عبر المتوسط من أفريقيا الي أوروبا بمراحل ثلاث خلال العقود الثلاثة الأخيرة التي عرفت تصاعدا لهذه الظاهرة:
المرحلة الاولي ( من أواخر الثمانينات الي غاية الألفية): كانت تتركز في غرب أفريقيا وأهم معابرها موريتانيا( نقطة تجمع) والمغرب نقطة العبور الي أسبانيا ومن ثم أوروبا. في هذه المرحلة كانت الأعداد لا تتجاوز مئات الي بضع آلاف في العام، معظم المهاجرين من منطقة غرب أفريقيا ( غينيا، سيراليون، ليبيريا، السنغال وبوركينافاسو) وبدرجة أقل من منطقة الساحل الإفريقي.
المرحلة الثانية: من 1999 – 2011
في هذه المرحلة تضاعف عدد المهاجرين وتزايدت أعدادهم، وتعددت مسارات العبور حيث شملت دولا جديدة هي الجزائر وتونس، في هذه المرحلة قفزت الاعداد الي 3000 – 20000 مهاجر سنويا. في هذه المرحلة بدأت قوارب الموت تلفت أنظار المجتمع الدولي، حيث تراوحت عدد الوفيات سنويا بين بضع مئات الي ما يزيد قليلا علي الألف.
المرحلة الثالثة : وهي التي بدأت من العام 2011 وحتي الآن: إنهيار الدولة الليبية وتشظي السلطة المركزية بها وقيام عندة كانتونات إقليمية لكل حكوماتها وبرلمانها وتشكيلاتها المسلحة، كان فرصة ذهبية لمهربي البشر، وبالفعل تزايدت الاعداد بشكل مخيف منذ العام 2011 وبلغت الذروة في العام 2015 بهجرة نصف مليون أفريقي عبر ليبيا الي أوروبا عبر قوارب الموت.
في العام 2015 – 2016 تحولت قضية الهجرة غير الشرعية الي هاجس أمني وديمغرافي للقارة العجوز، فتم تحويل الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل (فرونتكس)، التي أنشأت في العام 2005 لمراقبة الحدود في منطقة شنغن الأوروبية. بالتنسيق مع حرس الحدود في الدول الأعضاء في منطقة شنغن. الي مراقبة الحدود والسواحل، وأوكلت اليها مهمة منع تدفق المهاجرين عبر المتوسط الي أوروبا.
منذ العام 2011 تحولت الهجرة غير الشرعية الي صناعة متكلملة الأركان، يسيطر عليها بارونات الجريمة المنظمة في منطقة الساحل وليبيا ومالطا، تقدر عائدات بمليارات الدولارات سنويا بلغت الذروة في العامين 2015 – 2016 حيث تجاوزت العائدات عشرة مليارات دولار سنويا، يحصل أمراء الحرب في منطقة الساحل الممتدة علي مساحة تزيد علي خمسة آلاف كم، ويتراوح عددهم بين 80 الي 135 أمير حرب، لكل أمير حرب(قائد مليشيا) منطقة نفوذ تصل في بعض الأحيان الي 90 ألف كم²( أي أكثر قليلا من نصف مساحة تونس)، يحصل هؤلاء علي نسبة من عائدات هذه التجارة تتراوح بين 20 الي 27%، بينما يحصل أساطين الجريمة المنظمة الأوروبية المتمركزين في مالطا( وهم مكونين من صقالبة ومالطيين ويونانيين) علي ما يزيد علي 70% من عائدات هذه التجارة، بينما يحصل المهربين الليبيين والتوانسة علي نسبة تقل قليلا عن 3% من العائدات.
من العام 2011 والي غاية أكتوبر 2017 أنصبت المعالجة الأوروبية علي المقاربة الأمنية، وتعاملت الفرونتكس مع العديد من الوسطاء والفاعلين الليبيين، إلا أن غياب سلطة مركزية واحدة في ليبيا وتعدد مراكز صنع القرار في ليبيا بدد جهودها دون طائل، وعلي مدار ثلاث سنوات ( من 2015 الي نهاية العام 2017) خسرت الفرونتكس ما يزيد علي ستة مائة مليون يورو قدمتها لأمراء حرب ليبيين للعمل علي وقف الهجرة غير الشرعية عبر ليبيا الي أوروبا دون جدوي.
الجنوب الليبي الممتد علي آلاف الكليومترات من الحدود مع النيجر وتشاد والسودان والجزائر شكل الخاصرة الرخوة في مسار الهجرة غير الشرعية، فالإهمال والتهميش الذي عاني منه إقليم فزان(جنوب ليبيا)، من قبل الحكومات المتعاقبة في الشمال الليبي، وغياب أي نشاط إقاصادي بالاقليم، هو ما دفع بشباب إقليم فزان الي الإنخراط في الجريمة المنظمة التهريب( تهريب السلع والمخدرات)والهجرة غير الشرعية، إلا أن المقاربة التنموية التي إعتمدتها أوروبا في جنوب ليبيا بدءً من أكتوبر 2017 ساهم بشكل تدريجي من الحد من الهجرة غير الشرعية، بل إنه في العام 2022 بلغت أدني مستوي لها منذ 12 سنة، حيث لم يتجاوز العدد 714 مهاجر علي مدار العام مات ثلثهم في عرض البحر المتوسط غرقا.
منذ أن تمت السيطرة نسبيا علي التدفقات القادمة من ليبيا الي أوروبا، غير المهربون منذ مطلع العام 2018، وجهة الهجرة لجعلها تمر عبر تونس، ولا سيما أن ظروف عدم الاستقرار السياسي في تونس يعتبر فرصة ذهبية لهؤلاء المهربين،حاليا يتواجد ما يزيد علي ثلاث مائة ألف مهاجر غير شرعي أفريقي في ليبيا يتوقع أن يتدفقوا علي تونس خلال ما تبقي من هذا العام والعام 2024 للهجرة عبرها الي أوروبا.
بارونات الجريمة المنظمة في ليبيا وتونس يتلقون ملايين الدولارات من وراء الهجرة غير الشرعية، أصحاب القوارب يتلقون بين 35 الي 50 ألف يورو نظير الرحلة الواحدة ، أما الشاب الليبي أو التونسي المنخرط في أعمال الهجرة فيتلقون ما بين 2000 الي 3000 يورو نظير الرحلة الواحدة.
حيث تشير العديد من التقارير الغربية، الي ضلوع الفرونتكس في جرائم حرب، عبر تعمد إغراق المهاجرين في البحر، إما بتركهم يموتون دون تدخل، او الإقتراب بدرجة خطيرة دون تمهل من قوارب الهجرة المطاطية بزوارق وسفن كبيرة تعمل علي قلب القوارب رأس علي عقب جراء الموجات التي تحدثها تلك السفن وعدم التدخل لإنقاذ المهاجرين، وقد وثقت عدة منظمات حقوقية وقائع وحوادث مصورة تؤكد هذا الأمر.
بعد أن تمكنت إيطاليا من السيطرة على الوضع في ليبيا من خلال التعامل مباشرة مع المليشيات تحولت تدفقات المهاجرين إلى تونس وستكون بلادنا أمام موجات كبيرة نتيجة الظروف في افريقيا جنوب الصحراء فمثلا هناك 10 مليون من القوى العاملة في النيجر بدون عمل مما يعني أنهم مشروع مهاجرين غير نظاميين،وستكون تونس هي الهدف فقد شهدت ليبيا أضعف نسبة مهاجرين منذ 13 سنة أما الجزائر فهي تحافظ على نسق غير مقلق نظرا للحاجز الصحراوي والقوة الأمنية أيضا.
تونس غير قادرة على استيعاب الاعداد المنتظرة وهناك تهديدات خطيرة أمنية واجتماعية كما أن صورة البلاد اهتزت وبدأت قوتها المعنوية تتآكل في عدة مجالات.
هناك نقطة غاية في الخطورة لا يذكرها أحد وهي تدمير المكتسبات العمالية في تونس حيث تمكنت الحركة النقابية على امتداد عقود طويلة من مراكمة مكاسب كبيرة في القطاع العام والخاص خاصة وأن وضع تونس يختلف عن كل من الجزائر وليبيا فكثير من المهن لا يمتهنها الليبيين والجزائريين في بلدانهم على عكس تونس ،ولكن أمام تدني أجور العمال الأفارقة وسيطرتهم جراء ذلك على كثير من المهن التي تشكل دخل لمئات ألاف التونسيين سيضطر العمال التونسيين مع مرور الوقت وتحت ضغط الحاجة للعودة للعمل بأجور زهيدة وبدون أدنى حقوق مما سيشكل هدرا لكل المكتسبات والحقوق الاجتماعية للتونسيين.
الحل ؟
الحل هو في مقاربة شاملة اهم ما فيها هو التعاون بين دول المنبع والدول المتلقية أي بين أوروبا وأفريقيا جنوب الصحراء لأن تونس مجرد دولة عبور ،وهنا يجب مواجهة فرنسا خاصة التي عطلت محاولة منظمة الهجرة الدولية لعقد مؤتمر لإقناع الدول الأوروبية بالاستثمار في افريقيا،مثال غينيا كوناكري وغمبيا كانتا من أكثر الدول التي يأتي منها المهاجرين غير النظاميين الدولتين تراجعت فيهما النسب بشكل كبير وحتى نزل بشكل كامل جراء الاستثمارات الصينية الضخمة
إذن نقل المشكل كمشكل بين أوروبا وأفريقيا جنوب الصحراء حيث لا يجب أن نفكر ابدا لا في التوطين ولا في الاستقبال فاستقبال المهاجرين من إيطاليا أو أوروبا عموما هو مقدمة للتوطين لأن جل المهاجرين يتخلصون من أوراقهم الثبوتية ولن نجد من يستقبلهم.
تفاقم الهجرة غير النظامية وغير الإنسانية والذي كان منتظرا وحذرت منه كل التقارير الدولية منذ سنوات نظرا للوضع الذي تعيشه المنطقة وخاصة الدول الإفريقية جنوب الصحراء وفي ظل غياب مراكز البحث والإستشراف وإستنزاف قدرات الدولة المادية والمعنوية لسنوات طويلة جعلها مجالا رخوا لتجار البشر وبارونات التهجير والجريمة المنظمة والأجندات الدولية التي تستثمر في هكذا بيئة لتحقيق أهدافها الإستراتيجية وأمام التطورات على تونس أن لا تكتفي بالمبدأ العام وهو رفض التوطين أو إنشاء مراكز لجوء على أرضيها فهو غير كافي.
فتونس لا يجب أن تدفع ثمن جريمة الإستعمار والنهب الأوروبي لإفريقيا وإن القضية ليست بين تونس وإيطاليا والإتحاد الأوروبي فقط حتى يتم الضغط علينا وإبتزازنا وإنما بين أوروبا وإفريقيا وخاصة دول المنبع بالنسبة للمهاجرين غير النظاميين ولذلك فإن الحلول الجذرية تتعلق بدعم دول إفريقيا جنوب الصحراء من خلال الإستثمار لتثبيت سكانها والدعم الأمني والعسكري لحماية حدودها وليس بتحويل تونس إلى حرس حدود أو مركز لجوء لمهجرين ضحايا النهب والحروب.
وذلك وجب ضرورة تنقيح القانون عدد 7 لسنة 1968 والمؤرخ في 8 مارس 1968 والمتعلق بحالة الأجانب في البلاد التونسية، فهذا القانون تجاوزته الأحداث كغيره من القوانين جراء التطورات التي شهدتها قضية الهجرة في العالم وتطور التشريعات في الإتحاد الأوروبي وحتى في الدول الإفريقية.
كذلك تحتاج تونس هيئة وطنية رسمية تعنى بملف الهجرة وتمد مؤسسات الدولة بالدراسات والمعطيات والمقاربات الشاملة فما يحصل ليس هينا ليكون مجرد ملف أمني.

محسن النابتي الناطق الرسمي للتيار الشعبي بتونس

اقرأ المزيد
آخر الأخبار