قراءات سياسية فكرية استراتيجية

 

اخر الاخبار

ايار، فلسطين والأمل!

د. طنوس شلهوب

الأول من أيار هذا العام يحمل في طياته نبض فلسطين. هو عيد السواعد المنتجة والعقول المبدعة التي تصنع الحاضر وتؤسس للمستقبل، وهو عيد الوحدة النضالية للطبقة العاملة صاحبة المصلحة في انجاز التغيير الثوري بالتحالف مع الفلاحين وباقي شرائح الكادحين. واذا كان القرن العشرين قد تميز بكونه عصر الثورات التحررية نحو الاشتراكية، فان نهايته اتسمت بالانقلاب على التجربة الاشتراكية السوفياتية وتفكيك المعسكر الاشتراكي والاتحاد السوفياتي وهزيمة حركات التحرر الوطني وتراجع الحركة الاشتراكية والعمالية، وانقضاض الرأسمالية على المكتسبات التاريخية للطبقة العاملة، وتجويف النضال التاريخي للحركة النقابية المقاتلة، ونجاح الامبريالية في ادارة مجتمعات الفضاء ما بعد السوفياتي بواسطة “الثورات” الملونة، والتي عُممت آليات عملها من خلال منظمات الان جي اوز، والتي تعزز دورها كبديل عن المنظمات الجماهيرية الشعبية لقوى اليسار.
وعلى امتداد العقود الثلاثة الماضية (منذ تسعينات القرن الماضي) ترسخ نظام الهيمنة الامبريالية في العالم بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وللوهلة الاولى ساد الاعتقاد بأن الرأسمالية تمثل نهاية التاريخ.

ان التناقضات البنيوية للرأسمالية(كنظام اقتصادي اجتماعي يقوم على استغلال الاقلية لباقي المجتمع) هي بالضبط العناصر المادية الضرورية لنفي الرأسمالية لذاتها. هو قانون نفي النفي.

وفي اللحظة التاريخية، وبالتوازي مع ترسخ نظام الهيمنة الامبريالية، شهد الاقتصاد الصيني نمواً متصاعداً وبدأ في روسيا التمايز بين التبعية الاقتصادية المطلقة لمراكز الامبريالية وبين الوطنية السياسية الروسية، وبدأت تتبلور على الصعيد العالمي ارهاصات الاستقطابات المهددة لنظام الهيمنة العالمية بقيادة الامبريالية الاميركية.

ان نظام الهيمنة الامبريالية يقوم على ادوات متعددة. وهو يؤمن داخل مجتمعات العالم “الاول” مستوى مقبول من الرفاهية على حساب نهب شعوب العالم الثالث، وفي الخارج يعتمد على مجموعة عناصر : الانتشار العسكري عبر مئات القواعد، والهيمنة المالية والاقتصادية عبر الدولار وسياسات الخصخصة والاستدانة، والضغط الدبلوماسي، والنشاط الاستخباراتي، والزمر المحلية الحاكمة المشاركة في نهب شعوبها، وادوات الهيمنة الناعمة بما فيها منظمات الان جي اوز.

ان المواجهة العسكرية الكبرى التي انفجرت منذ عامين (مع تداعيتها المختلفة) بين دول الناتو مع روسيا شكلت مرحلة تصاعدية في التناقض داخل نظام الهيمنة نحو تفكيكه. وتمكنت الامبريالية الاميركية من تعبئة المراكز الاخرى (اوروبا، اليابان) لخوض المواجهة مع روسيا في ظل تأييد شعبي شبه كلي مترافق مع حملات اعلامية غير مسبوقة في شيطنة روسيا وتعميم حالة الروسوفوبيا وسط مختلف الشرائح الاجتماعية.

ان عملية طوفان الأقصى لم تقتصر تداعياتها على الجغرافيا الفلسطينية، بل توسعت لتشمل كل منطقة الشرق الأوسط في ظل انخراط فصائل محور المقاومة في المساندة والدعم للمقاومة الفلسطينية مقابل انخراط واسع لبلدان المراكز الامبريالية في دعم الكيان الصهيوني بشكل غير مسبوق.
ان الصمود الاسطوري للشعب الفلسطيني في معركة طوفان الأقصى وبمشاركة قوى محور المقاومة نجح في تعميق مأزق الكيان الصهيوني كقوة استعمارية اصبحت ليس فقط عاجزة عن ممارسة وظيفتها القمعية على شعوب المنطقة، انما ايضاً عاجزة عن حماية نفسها.
هذا العجز الصهيوني (بالرغم من دعم النظام الرسمي العربي بما في ذلك تواطؤ السلطة الفلسطينية) عن تحقيق الاهداف المعلنة دفع بهذا النظام الى ارتكاب المجازر وعمليات الابادة الجماعية بما يرقى الى جرائم حرب تتخطى بفظاعتها الجرائم النازية في الحرب العالمية الثانية.
امام هول هذه الوقائع، ومنذ عملية طوفان الأقصى، انكشفت عورات نظام الهيمنة داخل بلدان المركز، حيث التلاعب بالرأي العام والنفاق السياسي، وصارت المظاهرات الاسبوعية المتضامنة مع الشعب الفلسطيني تشكل حالة شعبية انعقدت عليها تناقضات اخرى، مثل اضطهاد السكان الاصليين والعنصرية تجاه السود، والتمييز العنصري ضد المهاجرين، والخ.
ان انتفاضة طلاب الجامعات في بلدان المركز الامبريالي تضامناً مع النضال الوطني للشعب الفلسطيني تشكل انعطافة تاريخية باتجاه خلخلة نظام الهيمنة الامبريالية، هذا النظام الذي يمثل مصالح رأس المال العالمي بعناصره الصناعية والتجارية والمالية (الثقل الرئيس في رأس المال المالي العالمي يعود لممثلي الحركة الصهيونية). والتحدي الذي تواجهه هذه التحركات الطلابية يتمثل في قدرتها على خلق اطرها وتطويرها باتجاه توسيع القاعدة الشعبية المعترضة ليس فقط على السياسات الخارجية الامبريالية (الداعمة لاسرائيل) انما والمتضررة من السياسات الداخلية في ظل زيادة ارقام التضخم وتراجع القدرة الشرائية لشرائح اجتماعية واسعة، مما يفترض العمل على تشكيل جبهات عريضة تشمل الطلاب والشباب والنقابات والاحزاب اليسارية (بغض النظر عن مدى نفوذها).
ان معركة العدالة الاجتماعية التي يرمز اليها الاول من ايار هي في مضمونها معركة اسقاط نظام الهيمنة الامبريالية وهي ايضا معركة التحرر الوطني للشعوب في بلدان العالم الثالث وفي طليعتها النضال الوطني التحرري الفلسطيني.
عاش الاول من ايار
عاش النضال الوطني الفلسطيني.

اقرأ المزيد
آخر الأخبار