رياض ملحم.
__________
منذ النصف الأول للقرن الخامس عشر بدأت الهيمنة على الطرق التجارية البحرية تنتقل من شرق المتوسط وشرق آسيا للغرب الأوروبي متمثلاً في البدء بالقوة البحرية البرتغالية فالإسبانية ثمّ لاحقاً البريطانية والفرنسية وأخيراً الأميركية. إذا كان التاريخ حسب ماوتسي تونغ واقع تقادم عليه الزمن فإنّه كذلك يشكّل منطلقاً لتفسير وفهم الصراع الجيوبوليتيكي المرتبط بالسيطرة على الطرق التجارية من ناحية ولتحليل بنية النظام الدولي من ناحية أخرى. يؤكّد لنا التاريخ أنّ اكتشاف ما يُسمّى ب العالم الجديد كان نتيجة بحث البرتغاليين والإسبانيين عن طرق بحرية بديلة لتلك التي يسيطر عليها المماليك والعثمانيون في المحيط الهندي والبحر الأحمر. أراد الأوروبيون في ذلك الوقت التخلّص من احتكار المماليك للطرق البحرية التي تجعلهم على تواصل دائم مع شرق آسيا ومنتجاته من توابل وحرير التي كانت بدورها تشكّل عبئاً على القوى الأوروبية بسبب الضرائب التي كان المماليك يفرضونها عليهم ولكن في الوقت ذاته كانت تلك المنتجات حاجة للأوروبيين كذلك. وبما أنّ المماليك الذين سيطروا على البحر الأحمر والمحيط الهندي قد قضوا على الحملات الصليبية في الشرق فإنّ ذلك جعلهم قوة عسكرية على الأوروبي أن يتجنّب الصراع التقليدي معها في البرّ والبحث عن بدائل استراتيجية تمكّنهم من التخلّص من احتكارهم لتجارة المحيط الهندي والبحر الأحمر، ثمّ كان كابوس سقوط القسطينينة بيد العثمانيين مسألة أخرى جعلت الأوروبيين يدركون حجم القوة الموجودة في شرق المتوسط. من هنا كانت رحلة البحث عن الهند مرتبطة بمحاولة الأوروبي لتغيير ما يمكن تسميته ب”النظام الدولي السائد” وتربّعه بعد ذلك عليه لقرون عديدة. في البدء كان الإنجاز الأوروبي الأول هو رحلات البرتغاليين بموازاة الساحل الغربي الإفريقي نحو جنوب القارة ثم لاحقاً تم اكتشاف رأس الرجاء الصالح ومن خلال هذا الممر المائي المهم حينها للبرتغاليين استطاعوا أن يصلوا للمحيط الهندي وبعدها للهند. شكّل هذا الاكتشاف البرتغالي منافسة عند الإسبانيين الذين أبحروا غرباً وعثروا على الجزء الجنوبي من القارة الأميركية ليستمروا بعدها في الرحلات بقيادة ماجلان الذي اكتشف المضيق الذي سُمّي على اسمه في جنوب القارة اللاتينية فعبروه صوب الهند. استطاع الأوروبيون اكتشاف طريقين يؤديان إلى الهند شرقاً وغرباً وعندها بدأت مهمّة التمسّك والاحتفاظ بالإنجازات الجديدة فدارت معارك عديدة بين بعض ممالك الهند بالتحالف مع العثمانيين و المماليك في مصر للقضاء على الأسطول البرتغالي ولكن بعد عدّة معارك استطاع البرتغاليون الانتصار على الأساطيل المملوكية والعثمانية والهندية ومكّنوا نفوذهم وسيطرتهم على المحيط الهندي وبدأت بنية النظام الدولي السائد تتغير لصالح القوى الأوروبية الغربية.
هذه الوقائع التاريخية كان لها وقعاً عظيماً على مفكّرين استراتيجيين وعلماء جيوبوليتيكيين أدركوا أهمية السيطرة على الطرق البحرية والبرية وعملوا على تأطير التاريخ والجغرافيا والسياسة ضمن نظريات مختلفة يتفق معظمها على أنّ السيطرة على البرّ الأوراسي والمنافذ البحرية المطلة على البحر الأحمر والمحيط الهندي هي مسألة وجود بالمعايير الإستراتيجية. لذلك لم تخرج استراتيجية غربية يوماً عن نظريات الجغرافيا السياسية حتّى يومنا هذا. وهذا ما يؤكّد أنّ شرق آسيا ووسطها وشرق المتوسط، بمنافذهم البحرية وطرقهم البرّية، يشكّلون أرضية خصبة لأي سيطرة ممكنة ولذلك لم يعد مسموح لأية قوة آسيوية أن تصعد ويكون لها “مجالها الحيوي” الذي تستطيع من خلاله الخروج للعالم ولعب دور في العلاقات الدولية. بهذا المعنى تصبح مقولة تونغ حول التاريخ باعتباره واقع تقادم عليه الزمن مقولة مفهومة ذلك أنّ التاريخ الذي يفسّر لنا الصراعات وينظّر لها أكاديمياً بنظريات لعبت دوراً أساسياً في رسم وتنفيذ العديد من سياسات الهيمنة على العالم، أصبح يتّخذ اليوم من الواقعية السياسية مبرّراً له من أجل توظيف التاريخ والجغرافيا في الهيمنة.
هذه اللمحة التاريخية ضرورية لفهم ما يجري من تحولات في صراعنا مع الغرب. ومن هنا تأتي أهمية ما يقوم به اليمنيون في البحر الأحمر ورأس الرجاء الصالح. يعبّر أنصار الله عن فهم حقيقي للتاريخ ولموقع اليمن أيضاً ومن هنا يمكن فهم الدور اليمني ليس فقط في وقوفه كحركة مقاومة إلى جانب القضية الأكثر عدالة في التاريخ وهي فلسطين وإنّما تنبع أهمية ما يقوم به اليمنيون من موقعين: موقع اليمن في التاريخ وموقع اليمن في الجغرافيا.
تكمن أهمية البحر الأحمر في أنّه يشكّل منفذ بحري استراتيجي مهم على المحيط الهندي الذي وكما أسلفنا يشكّل نقطة ارتكاز لأيّة قوّة مهيمنة على التجارة الدولية نظراً لأنّه يشاطئ لعديد من الدول التي تستطيع أنْ تلعب دوراً رياديّاً في التجارة الدولية إمّا كدول ترانزيت أو دول منتجة ومستوردة ولذلك لم يكن غريباً أنّ من يسيطر على المحيط الهندي يسيطر على التجارة الدولية ومن يسيطر على التجارة الدولية يحكم العالم وهذا ما كان يحدث للإمبراطوريات والدول التي لها حدود واسعة على البحر الأحمر والمحيط الهندي. وهذا ما يفسّر لماذا كانت اليمن مهمّة لمصر زمن المماليك ثمّ لاحقاً لعلي بك الكبير ومحمد علي باشا وأخيراً جمال عبد الناصر. فمصر دولة غير مشاطئة للمحيط الهندي رغم ساحلها الكبير على البحرين الأحمر والمتوسط. بينما اليمن فإنّها مدخل منه تدخل وتخرج السفن المتجهة للمحيط الهندي ومنه تعود للبحر الأحمر وهذا ما يفسّر شقّ قناة السويس وأهمّيتها التي تشهدها في التجارة الدولية. يدرك أنصار الله في اليمن لمحورية موقع بلادهم على خريطة طرق التجارة الدولية. وضمن هذا السياق كان العدوان على اليمن في السنين الماضية، فبعد أنْ تمكّنت الولايات المتحدة من تسيّد النظام الدولي، سيطرت على المنافذ والموانئ البحرية في الخليج العربي وبعض دول جنوب شرق آسيا لتعرقل صعود الصين من جهة ولتقضي على الدور الإيراني من جهة ثانية، ولا بدّ -حسب نظريات ماكيندر وبريجنسكي- من أنْ تمنع تشكيل قوة برية في أوراسيا التي يُعتبر وجودها بمثابة تهديد حقيقي للغرب. وقد تُرجم هذا المنع من خلال خلق بؤر متوترة في أوكرانيا لمنع روسيا من الإستفادة من موانئها على البحر الأسود، ولاحقاً محاولة السيطرة على سوريا لمنع روسيا من إطلالة على البحر المتوسط. لم يبقَ لإنهاء المشروع الأميركي الجغراسي المتمثل في منع توحيد أورسيا كقوة برية والإمساك بالطرق البحرية ومضائقها، سوى السيطرة على مضيق باب المندب جنوب اليمن. من المنظور الجيوسياسي فإنّ العلاقات الدولية لا تشكّل علاقة بين دول فقط إنّما بين موقعين جيوسياسيَين كذلك. بمعنى أوضح، إنّ الجغرافيا السياسية حتّى قبل تتظيمها كحقل دراسي، كانت ولا تزال المحرّك الأول للسياسة الدولية، فما لا تستطيع تحقيقه السياسة تحقّقه الحرب أو بشكل أدقّ تُعتبر الحرب من وجهة نظر واقعية الوجه الآخر للسياسة كما يقول كيسنجر. على هذا المستوى يشير الدكتور جمال واكيم في كتابه أوراسيا والغرب والهيمنة على الشرق الأوسط، إلى أنّ تزامن الاحتلال الأميركي لأفغانستان والعراق هو محاولة شدّ أواصر قطبيتها الواحدة من خلال تجسيد الرؤى النظرية الجيو-استراتيجية في السيطرة على البرّ الأوراسي والشرق الأوسط في الشقّ الأيمن منه(أفغانستان) والشقّ الأيسر منه(العراق)، بُغية خلق عمق إستراتيجي لها تحقّق من خلاله مرتكز من مرتكزات أمنها القومي..
ولكن هذا المشروع دونه عوائق، فتأسيس منظمة شنغهاي التي تضمّ روسيا والصين وإيران وعدد من دول وسط آسيا ومنظمة البريكس التي تضم -إضافةً إلى الدول المذكورة سلفاً- دولاً كالبرازيل والهند وجنوب إفريقيا وهما منظمتان تعنيان بالتجارة والأمن والإقتصاد والتنمية ومكافحة الإرهاب وبمعنى أوضح فهما من الأدوات الأساسية في مواجهة الهيمنة الأميركية على النظام الدولي، كان لهما الأثر الكبير في أنْ يسرّعا عملية تغيير النظام الدولي من القطبية الواحدة إلى تعددية قطبية، ولذلك يلفت نظرنا الدكتور واكيم إلى أهمّية مثل تلك الدول على المستوى الجيوبوليتيكي حينما يذكرنا بأنّ جنوب إفريقيا مثلاً هي من الدول الأساسية التي تطلّ على رأس الرجاء الصالح الذي كان نواةً أساسية للبرتغاليين في رحلتهم لاستعمار الشرق، وكذلك البرازيل التي تُعتبر قريبة من مضيق ماجلان الذي فتح الطريق لاسبانيا للوصول إلى آسيا،والهند التي تمتلك أكبر الموانئ على المحيط الهندي الذي هو الممر التجاري الأهم في التاريخ.. ضمن هذا السياق من الرؤى الإستراتيجية للعالم تبرز أهمية ما يقوم به اليمنيون، فهم حين يحاصرون السفن في البحر الأحمر الآتية والقادمة من/إلى الكيان المحتلّ، ويواجهون عدواناً طويلاً ومستمرّاً من الحلف الأميركي البريطاني وشركائهما، للدفاع ومشاركة بذل الدماء مع القضية الفلسيطينية، يعلنون بذلك مشاركتهم الصريحة في إعادة صياغة نظام دولي جديد، ومتماهين -بشكلٍ أو بآخر- مع المشروع الإستراتيجي الواحد الذي يهدف إلى تغيير بنية النظام الدولي لصالح التعددية إذ ليس ترفاً عسكرياً واستعراضاً ما أعلنه اليمنيون في رأس الرجاء الصالح ضدّ السفن الذاهبة للكيان، ذلك أنّكَ حينما تكون سبباً في تهديد و أذى وشلّ إقتصاد الإحتلال الاسرائيلي في أي مكان فأنتَ بلا أدنى شكّ قد ساعدت في خلخلة القطبية الأميركية، ولذلك فإنّ مشاطئة اليمن للبحر الأحمر ودور اليمن فيه يعبّران عن عودة تاريخية لا بدّ من متابعتها. تكاد تتّفق معظم التقييمات لمستقبل طريق الهند/أوروبا عبر الشرق الأوسط، بأنّ ليس فقط ما يجري في غزّة هو ما قضى على هذا المشروع إنّما التهديد اليمني لأي سفينة أميركية او اسرائيلية بالقصف كان من العوامل الإضافية والمهمّة في إخماد شعلة ذلك الطريق، بالرغم من أنّ ما تفعله اليمن هو سيرورة ل٧ أكتوبر ولكن من شأن ذلك أنْ يضعف المشروع الأميركي في آسيا عبر دفع طريق الحرير قدُماً بعد تحييد منافسه الهندي/الأوروبي، ما يؤدّي إلى توحيد أوراسيا برّياً، الأمر الذي لطالما أقلق هاجسَ الولايات المتّحدة منذ الكتابات الأولى لنخبتها الجيوسياسية. كلّ ذلك تلعبه اليمن كدور جوهري وجذريّ في صياغة بنية جديدة ومشاريع أكثر عدالةً للشعوب، كل ذلك يقوم به اليمنيون وهم يدافعون عن القضيّة الفلسطينية السامية ككناية عن إدراك حقيقي بأنّ إعادة تشكيل نظام دولي جديد يبدأ في فلسطين ولا يحصل بلا دماء.