البعد الجغرافي
لبنان بلد صغير في الشرق الأوسط ويمتد على طول الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط ويبلغ طوله ثلاثة أضعاف عرضه تقريبًا. من الشمال إلى الجنوب، يصبح عرض تضاريسها أضيق. كانت تضاريس لبنان الجبلية وقربه من البحر وموقعه الاستراتيجي على مفترق طرق في العالم ما شكل عوامل حاسمة في تشكيل تاريخه.
تبلغ مساحة لبنان 10452 كيلومتر مربع (4036 ميل مربع). البلد مستطيل الشكل تقريبًا، يصبح أضيق باتجاه الجنوب وأوسع في الشمال. أوسع عرض له هو 88 كيلومترًا (55 ميلًا)، وأضيق عرض هو 32 كيلومترًا (20 ميلًا)؛ متوسط العرض حوالي 56 كيلومترًا (35 ميلًا)
نظرًا لأن لبنان يمتد إلى الشمال الغربي من الصفيحة العربية، فإنه يتم في بعض الأحيان ضمه جيوسياسيًا الى دول ذات تقارب تكتوني متجاور مثل سوريا واليمن وعمان وقطر والبحرين والكويت والعراق والمملكة العربية السعودية والأردن وسيناء المصرية وفلسطين المحتلة والإمارات العربية المتحدة.
تتأثر الجغرافيا الطبيعية للبنان بالنظم الطبيعية التي تمتد خارج البلاد. وبالتالي، فإن وادي البقاع هو جزء من نظام الصدع العظيم، الذي يمتد من جنوب تركيا إلى موزمبيق في إفريقيا. مثل أي بلد جبلي، فإن الجغرافيا الطبيعية للبنان معقدة. وتختلف أشكال الأرض والمناخ والتربة والغطاء النباتي بشكل ملحوظ ضمن مسافات صغيرة. كما أن هناك تغيرات حادة في عناصر أخرى من البيئة، من التربة الجيدة إلى التربة الفقيرة، حيث يتحرك المرء عبر الجبال اللبنانية
من السمات الرئيسية للطبوغرافيا اللبنانية تناوب الأراضي المنخفضة والمرتفعات التي تسير بشكل عام بالتوازي مع الاتجاه من الشمال إلى الجنوب. هناك أربعة شرائط طولية بين البحر الأبيض المتوسط وسوريا: الشريط الساحلي (أو السهل البحري)، وغرب لبنان، والهضبة الوسطى، وشرق لبنان.
يمتد الشريط الساحلي الضيق للغاية على طول شاطئ شرق البحر الأبيض المتوسط. الساحل، المحاط بين البحر والجبل، هو الأوسع في الشمال بالقرب من طرابلس، حيث يبلغ عرضه 6.5 كيلومترات (4.0 ميل) فقط. على بعد بضع كيلومترات جنوبًا في جونية، يلي السهل الذي يبلغ عرضه 1.5 كيلومترًا التلال التي ترتفع بشكل حاد إلى 750 مترًا على بعد 6.5 كيلومتر من البحر. بالنسبة للجزء الأكبر فإن الساحل صخري مع عدم وجود مصب عميق أو خليج أو ميناء طبيعي. وفي منطقة السهل يتم انتاج الفواكه والخضروات.
المنطقة الرئيسية الثانية هي جبال لبنان أو جبل لبنان. وهي الأعلى والأكثر وعورة وفرضًا من بين كل سلسلة الجبال البحرية والهضاب البحرية التي تبدأ بجبال النور في شمال سوريا وتنتهي بجبال سيناء الشاهقة. يشكل الهيكل الجبلي الحاجز الأول للتواصل بين البحر الأبيض المتوسط والمناطق النائية الشرقية للبنان.
سلسلة الجبال هي وحدة محددة بوضوح لها حدود طبيعية من الجوانب الأربعة. في الشمال يفصلها نهر الكبير (“النهر الكبير”) عن جبال العلويين في سوريا. وفي الجنوب يحده نهر القاسمية ويبلغ طوله 169 كيلومترًا. يتراوح عرضه من حوالي 56.5 كيلومتر (35.1 ميل) بالقرب من طرابلس إلى 9.5 كيلومتر (5.9 ميل) في الطرف الجنوبي. ترتفع إلى مرتفعات جبال الألب جنوب شرق طرابلس. ويبلغ ارتفاع القرنة السوداء 3360 مترًا، وهو أعلى نقطة في جبل في لبنان. من بين القمم الأخرى التي ترتفع شرق بيروت، جبل صنين (2695 مترًا. بالقرب من نهايتها الجنوبية، تتفرع جبال لبنان إلى الغرب لتشكل جبال الشوف.
المنطقة الجغرافية الثالثة هي وادي البقاع. هذه المرتفعات الوسطى بين جبال لبنان وجبال لبنان الشرقية يبلغ طولها حوالي 177 كيلومترًا وعرضها 9.6 إلى 16 كيلومترًا ويبلغ متوسط ارتفاعها 762 مترًا. من الناحية الجيولوجية فإن البقاع هو الجزء الأوسط من منخفض يمتد شمالًا إلى المنعطف الغربي لنهر العاصي في سوريا وجنوبًا إلى الأردن عبر عربة إلى العقبة، الذراع الشرقي للبحر الأحمر. البقاع هي المنطقة الزراعية الرئيسية في البلاد وكانت بمثابة مخزن الحبوب الروماني سوريا.
أما المنطقة الرابعة فهي سلسلة جبال لبنان الشرقية وتنطلق من جنوب حمص وتمتد بالتوازي مع جبال لبنان الغربية وتنتهي عند الجولان. ويتخلل هذه السلسلة وادي بردى الذي يقسم السلسلة إلى قسمين ويربط البقاع بدمشق. وفي شمال السلسلة، هنالك عدد قليل من القرى على المنحدرات الغربية، وتبلغ السلسلة أقصى ارتفاع لها في الجنوب عند جبل حرمون أو جبل الشيخ ويبلغ ارتفاع قمته 2860 مترا.
البعد التاريخي
بعد خروج الصليبيين من منطقة الساحل الشامي في أواخر القرن الثالث عشر، ظهرت عدة مرافىء ناشطة في منطقة شرق المتوسط كان أبرزها مرفأ طرابلس، الذي أضحى هو صلة الوصل بين المدن الشامية الشمالية مثل حمص وحماه وحلب مع شرق المتوسط، ومرفأ صيدا أو عكا اللذين تنافسا على أن يكونا صلة الوصل بين مدينة دمشق وشرقي المتوسط. وهذا سيشكل عاملا من عوامل ظهور نخب تجارية في دمشق على علاقة وطيدة بالنخب التجارية الصيداوية أو العكاوية، وإلى إقامة تحالف وثيق بين النخب التجارية الحلبية والنخب التجارية الطرابلسية.
مع إعطاء الامتيازات من قبل العثمانيين للفرنسيين في القرن السادس عشر، فإن حركة تجارة كثيفة ستنشأ بين فرنسا وحلب، يضاف اليها حركة تبشير ستؤدي إلى انشاء علاقة وطيدة بين عائلات حلبية ارثوذوكسية ستتحول الى الكاثوليكية وبين رأس المال الفرنسي.
في أواخر القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر بدأت زراعة التوت وإنتاج الحرير في الجزء الجنوبي من جبل لبنان على أن يتم تصديره إلى فرنسا. وكانت الامتيازات في الإنتاج والتصدير الى فرنسا قد أعطيت الى الاديرة الكاثوليكية والمارونية ما أدى إلى حركة نزوح كثيفة الى جنوب جبل لبنان يحث كانت طبيعة الأرض تسمح بالتوسع أكثر في الإنتاج الزراعي، وهذا ترافق مع توسع ملكية الاديرة الكاثوليكية والمارونية في جبل لبنان.
ترافق ذلك مع اعتماد فرنسا لمرفأ صيدا كأحد المرافئ الرئيسية لتصدير انتاج جنوبي جبل لبنان من الحرير الى فرنسا، وهذا يفسر لماذا أقامت فرنسا قنصلية لها في صيدا بدءا من النصف الثاني من القرن السابع عشر. وقد ساهم ذلك في نشوء اقتصاد في جبل لبنان تديره الاديرة الكاثوليكية والمارونية لصالح فرنسا، مع نشوء عائلات تجارية مرتبطة برأس المال الفرنسي في كل من حلب وصيدا.
مع حلول القرن التاسع عشر كان رأس المال الفرنسي يبحث لنفسه عن مركو في شرق المتوسط يكون بعيدا عن مزاحمة العائلات التجارية المتمركزة في صيدا وطرابلس والمرتبطة بالولاء للنطاق العثماني، فكان القرار باعتماد بيروت كمركز لرأس المال الفرنسي في الشرق بحكم قرب المدينة التي كانت لا تتجاوز مساحتها كيلومترا واحدا ولا يتجاوز عدد سكانها بضعة الاف، من عمق المناطق التي باتت تشكل ثقلا مارونيا بالدرجة الأولى وكاثوليكيا بالدرجة الثانية. وهذا يفسر توسع ملكية الروم الكاثوليك في المدينة إضافة الى توسع حضور الموارنة فيها.
مع نشوء الرأسمالية الحديثة في بريطانيا وفرنسا بالدرجة الأولى، فإن بيروت ستصبح البوابة التي سيعبر منها الرأسمال الأوروبي الحديث الى الشرق، وسيترافق ذلك مع ظهور فروع من العائلات البورجوازية التجارية ستتحول الى القطاع المالي مع ظهور أولى بيوتات المال، وسيكون ذلك من قبل عائلات بورجوازية شامية وحلبية سيأتي فروع منها الى بيروت ليديروا أعمال العائلة بالترابط مع العائلة الأصل في حلب ودمشق. وهذا يفسر انتقال بعض أبناء عائلات عسيلي وصحناوي وفتال وخباز وغيرها من حلب الى بيروت.
هذه الصيغة الاقتصادية ستؤثر على بنية اقتصاد لبنان في المستقبل والذي سيكون معتمدا على بيوتات مالية بيروتية مرتبطة بالمصلحة مع البورجوازية الشامية والحلبية. إضافة الى نشوء اقتصاد ريفي متمحور حول الأديرة الكاثوليكية والمارونية سيشكل عمادا لظهور النفوذ السياسي للمؤسسة الدينية المارونية التي ستعرف بالمارونية السياسية والتي ستشكل المثال الذي ستحتذيه الطوائف اللبنانية الأخرى وخصوصا الدروز والسنة والشيعية في دمج نفسها سياسيا في لبنان الكبير بعد العام 1920.
البعد السياسي
بنتيجة التحولات التاريخية على مدى ثلاثة قرون سابقة لانشاء الدولة اللبنانية بحدودها الحالية بعد العام 1920، فإننا يمكن أن نخلص الى أن هنالك دور كبير ومحوري للمؤسسات الطائفية اللبنانية بصفتها ممثلة لمجتمعات الريف في منطقة جبل لبنان. يضاف الى ذلك وجود علاقة وطيدة بين البورجوازية اللبنانية التي يغلب عليها الطابع الرأسمالية المالية المرتبطة بالرأسمال الفرنسي بالدرجة الأولى ثم الغربي بعد العام 1952 والبورجوازية الشامية التي لا تزال تشكل مركز الثقل الأساسي في شبكة المصالح التي تسيطر على الدولة والتي يعبر عنها بالدولة العميقة.
هذا يفسر الترابط العميق بين السياسة اللبنانية والسياسية السورية خلال مرحلة الانتداب الفرنسي على البلدين بين العامين 1920 و1943، ثم خلال مرحلة ما بعد الاستقلال في سورية ولبنان حتى العام 1970 حيث شكل لبنان قاعدة تنطلق منها جميع الانقلابات التي حصلت في سورية.
وقد يكون سر الاستقرار الذي نعمت فيه سورية خلال حكم الرئيس السروي الراحل حافظ الأسد بين عامي 1970 و2000 عائدا إلى تواجد القوات السورية في لبنان بين عامي 1976 و2000، اذ أمن هذا الحضور للنظام في سورية خاصرته الرخوة في لبنان. كذلك فإن هذا الحضور كان يحفظ مصالح البورجوازيتين الشامية واللبنانية البيروتية عبر تأمين تواصل خط الترنزيت المنطلق من بيروت عبر دمشق الى العمق العربي. كما أن هذا الحضور كان يعطي افضلية لسورية لتأمين خاصرتها الرخوة في لبنان في مواجهة إسرائيل خصوصا أن لبنان تحول الى ساحة صراع دولية وإقليمية بعد العام 1975 ساهم في إطالة أمد الحرب الاهلية في هذا البلد حتى العام 1990.
وأبلغ مثال على الترابط الوثيق بين البورجوازيتين اللبنانية والشامية هو في علاقة التحالف الوثيق التي قامت في مرحلة الطائف بعد العام 1990 بين رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، الذي كان يمثل مصالح البورجوازية المالية اللبنانية المرتبطة بالرأسمال الفرنسي من ناحية وبالبترودولار من ناحية أخرى، مع الثلاثي عبد الحليم خدام حكمت الشهابي غازي كنعان الذي بات يمثل في النظام السوري مصالح البورجوازية السورية. في المقابل فإن الجناح الذي كان يمثل مصالح الامن القومي المتمثلة بأجهزة الاستخبارات والجيش، مثل اللواء محمد ناصيف ووزير الدفاع مصطفى طلاس كانوا ينظرون بعين الريبة الى هذا التحالف.
هنالك بعد اخر للحرب الاهلية اللبنانية وهو بعد الصراع العربي الإسرائيلي بالدرجة الأولى بين سورية من جهة والكيان الصهيوني من جهة أخرى. فلقد شكلت الحرب الاهلية اللبنانية بين الطوائف خطرا علىالامن القومي لسورية. فسورية، كما لبنان، تتشكل من عدة طوائف تجمعها قومية واحدة هي العربية، مع وجود مجموعات غير عربية تشكل عشرة بالمئة من السكان. لذلك فإن سورية اعتبرت أن الحرب الاهلية اللبنانية تزعزع استقرار سورية ويمكن ان تشكل صاعق تفجير للمجتمع السوري.
ما فاقم من المخاوف السورية هو أن إسرائيل تدخلت في الصراع، علما أن الأخيرة تتشكل من قوميات متعددة يجمعها دين واحد. لذلك فإن إسرائيل حاولت التحالف مع زعماء طوائف لبنانيين وهو ما اثار حفيظة سورية. ويأتي هذا في اطال الصراع بين تل ابيب ودمشق على نفس منطقة التأثير
Sphere of Influence
البعد الجيوسياسي الراهن.
بعد وفاة الرئيس حافظ الأسد، وفي ظل التحولات الجيوسياسية الدولية والإقليمية نتيجة تداعيات الحرب الأميركية على الإرهاب وتحسبها لخروج قوى دولية منافسة لها، فإن الولايات المتحدة طرحت مشروعا للتغيير الجيوسياسي في الشرق الأوسط، وخصوصا في منطقة المشرق العربي.
وقفت سورية معارضة لهذا المشروع الأميركي فوقفت ضد الغزو الأميركي للعراق وضد العدوان الإسرائيلي على لبنان في العام 2006 ما جعلها عرضة للمعاقبة الأميركية عبر دعم واشنطن للجماعات المسلحة في سورية، إضافة الى دخول قواتها الى مناطق في شمال شرق سورية.
مع استقرار الوضع في سورية الى حد بعيد خصوصا بعد نزول القوات الروسية في شمال سورية واستعادة دمشق لسيطرتها على معظم الأراضي باستثناء شمال شرق سورية، فإن واشنطن بدأت العمل على التعويض عن خسارتها هذه بالتركيز على وضع لبنان والعراق تحت نفوذها. هذا يفسر دعم واشنطن للتحركات الشعبية في كلي البلدين بعد تشرين أول أكتوبر 2019. ويفسر البعض فرض الولايات المتحدة لعقوبات على القطاع المصرفي اللبناني كمحاولة لتوجيه ضربة للرأسمال السوري الذي لجأ الى لبنان بعد اندلاع الازمة السورية.
والمرجح أن تعمل واشنطن على محاولة تدعيم وضعها في لبنان لانها تعي ان هذا البلد يشكل مدخلا الى سورية التي أصبحت واقعة بدرجة كبيرة تحت النفوذ الروسي، في الوقت الذي تصنف واشنطن والناتو موسكو على أنها العدو الرئيسي لها.