قراءات سياسية فكرية استراتيجية

 

اخر الاخبار

لماذا اتخذت قيادات أحزاب شيوعية مواقف معادية لثورات بلادها ضد الامبريالية وهل سيقع الحزب الشيوعي الفنزويلي في نفس الغلط؟

في العام 2019، وبعد أسابيع قليلة من فوز الرئيس نيكولاس مادورو بولاية رئاسية جديدة في فنزويلا، أعلن خوان غوايدو نفسه رئيسا للبلاد بدعم من المعرضة المدعومة من قبل الولايات المتحدة وعن استراتيجية للإطاحة بمادورو والنظام البوليفاري الذي يمثله. فشل غوايدو في غايته على الرغم من الدعم الذي تلقاه من العواصم الغربية وعلى رأسها واشنطن. وبنتيجة هذا لفشل تشرذمت المعارضة الليبرالية الى عدد كبير من المجموعات ما يطرح تساؤلات حول قدرتها على مواجهة الرئيس نيكولاس مادورو وحكومته البوليفارية في الانتخابات الرئاسية المرتقبة في العام 2024 والتشريعية في العام 2025.

وقد استفاد الرئيس نيكولاس مادورو من تراجع الضغوط الاميركية والغربية على حكومته، خصوصا بعد اندلاع الحرب الأوكرانية وتوجه العواصم الغربية لخطب ود كاراكاس للحصول على نفطها، لشن حملة لمكافحة الفساد داخل حزبه وجهاز الدولة أدت الى استقالة اكثر من 60 رئيس بلدية كبرى في البلاد اضافة الى عدد كبير من المسؤولين الكبار على رأسهم وزير النفط طارق العيسمي.

في ظل هذه التطورات حصل تحول ملفت في موقف الحزب الشيوعي الفنزويلي الذي اعلن أنه لن يدعم الرئيس مادورو في الانتخابات المقبلة بذريعة دعمه للنقابات العمالية لتي تطالب بزيادة اجورها وبذريعة تلكؤ مادورو بمكافحة الفساد، علما أن الحزب الشيوعي كان قد أدان سجن ليونر أسواهي، الرئيس السابق لمصنع الورق المقوى للمملوك للدولة، بتهم فساد وطالب بتحقيق مستقل بانتحاره بعد أيام قليلة من سجنه.

وقد جاء هذا في الوقت الذي تكررت فيه الاشتباكات بين ممثلي الحزب الشيوعي في الجمعية الوطنية وعلى رأسهم خورخي رودريجيز وممثلي الحزب الاشتراكي الموحد الحاكم وصولا الى قيام قيادة الحزب الشيوعي الفنزويلي باتصالات مع ممثلي المعرضة المدعومة من الولايات المتحدة وجماعات المجتمع المدني التي تمولها لتنسيق الجهود ضد مادورو في الانتخابات الرئاسية والتشريعية المقبلة. بنتيجة هذه الاتصالات تمرد عدد كبير من قواعد الحزب الشيوعي الذين اعتبروا أنهم مهما كانت لانتقادات لحكومة الرئيس مادورو فإنه لا يجب أن يصل الحد الى التواصل مع أعوان الولايات المتحدة من أحزاب واوليغارشية فنزويلية كانت تسيطر على مقدرات البلاد قبل فوز الرئيس الراحل هوغو تشافيز بانتخابات العام 1999 بالرئاسة وكفه يد هؤلاء عن مقدرات البلاد. وهذ ما دفع بهؤلاء الى لتقدم بشكوى لدى الغرفة الدستورية بمحكمة العدل العليا نتج عنه عزل قيادة الحزب الشيوعي وتعيين قيادة بديلة.

 

دور قيادة الحزب الشيوعي البوليفي في افشال غيفارا

هذه ليست المرة الأولى التي تندفع فيها قيادة لحزب شيوعي في خصومتها مع قيادات معادية للامبريالية الأميركية الى حد الوقوف مع جماعات مدعومة من وشنطن ضد هذه القيادات. فمن أبرز الأمثلة على ذلك هو دور قيادة الحزب الشيوعي البوليفي خلال الستينات في الوقوف ضد تشي غيفارا وصولا الى ابلاغ السلطات البوليفية التي كانت تلاحقه عن مكانه.

فعندما وصل تشي غيفارا إلى بوليفيا عام 1966 لاطلاق الثورة هناك تواصل مع ماريو مونجي، الأمين العام للحزب الشيوعي البوليفي. وقد لعب ماريو مونجي، دوراً في تسهيل اتصالات غيفارا مع منظمات يسارية عدة في بوليفيا. وقد عقد غيفارا ومونجي عدة اجتماعات خلال فترة وجود غيفارا في بوليفيا. وناقشوا الاستراتيجيات وتبادلوا المعلومات وتعاونا في تنسيق انشطتهم.

على الرغم من تعاونهما الا ان غيفارا ومونجي اختلفا حول السبيل لاحداث تغيير في بوليفيا. فلقد كانت رؤية غيفارا الثورية أكثر راديكالية من نهج الحزب الشيوعي البوليفي الذي كان يسعى للوصول الى السلطة عبر الانتخابات. وقد حاول مونجي ان يطرح نفسه زعيما مطلق لقيادة حركة التغيير وهو ما رفضه غيفارا، ما جعل مونجي يهدد قواعد الحزب الشيوعي البوليفي بالفصل وكوادر الحزب المتفرغة بقطع رواتبهم ان هم تعاونوا مع غيفارا. حتى أنه وصل الحد بمونجي الى ابلاغ السلطات البوليفية المدعومة من واشنطن عن موقع غيفارا ما مكن هذه السلطات من محاصرة غيفارا واسره وتصفيته في العام 1967. بعد ذلك نأى مونجي بنفسه عن إرث غيفارا الثوري وانتقد علناً تكتيكاته وأدان الكفاح المسلح معتبرا ان لسبيل لى التغيير لا يتم الا عبر الانتخابات. وهذا المنطقة تبنته الكثير من قيادات االاحزاب الشيوعية حول العالم واصفة نهج غيفارا بأنه نهج “مغامر.”

 

القادة الشيوعيون الجزائريون قبل الثورة

واذا انتقلنا الى العالم العربي فإننا نجد ان الحزب الشيوعي الجزائري خلال الثلاثينات والاربعينات كان ملتزما بالنضال السياسي والدفاع عن الحريات الديمقراطية في اطار الوحدة مع فرنسا. وعلى الرغم من جهوده بالتواصل مع القوميين الجزائريين الا ان موقفه القاضي بالتمسك بالوحدة مع فرنسا والنضال بالتعاون مع الحزب الشيوعي الفرنسي بالإضافة الى ادانته لتظاهرات الجزائريين في يوم 8 مايو 1945 عند انتهاء الحرب العالمية الثانية للمطالبة بالاستقلال جعلت الحزب الشيوعي الجزائري يخسر الكثير من مصداقيته وجعل عضويته لا تتعدى 15 الف عضو في أوائل الخمسينات. وقد جرت محاولات لاقامة جبهة جزائرية موحدة بين الحزب الشيوعي الجزائري والعلماء والجماعات القومية وعلى رأسها جماعة مصالي الحاج الا ان هذه الجهود باءت بالفشل بسبب الخلاف على الاستراتيجية لتي يجب ان تعتمد في مواجهة الاستعمار الفرنسي. وكان الحزب الشيوعي يرفض اعتماد النضال المسلح ويفضل البقاء على علاقات طيبة مع فرنسا التي كانت تحكمها حكومة اشتراكية.

وعند اندلاع الثورة الجزائرية عارضت قيادة الحزب الشيوعي الجزائري هذه الثورة معتبرة انها لا يمكن ان تنتصر “خصوصا انها مدعومة من نظام رجعي” (أي جمال عبد الناصر في مصر والذي كان قد واجه محاولة انقلاب قادها الشيوعيون في العام 1954 في ما سمي بتمرد سلاح الفرسان او المدرعات).

وقد فاجأت الهجمات التي قامت بها جبهة التحرير الوطني الجزائرية في تشرين ثاني نوفمبر 1954 الحزب الشيوعي الجزائري. وبضغط من أعضائه الأوروبيين الذين كانوا يفضلون النضال السلمي فإن الحزب اصدر بيانا في 2 تشرين ثاني 1954 يدين العنف. هذا خلق شرخا بين قيادة الحزب وقاعدته التي بدأت تتعاون مع جبهة التحرير الجزائرية. هذا أدى ايضا الى عدم وثوق قيادة جبهة التحرير الجزائرية بقيادة الحزب الشيوعي ما اثر على التعاون بين الاثنين. وبعد انتصار الثورة الجزائرية في العام 1962 بدأت قيادة الحزب الشيوعي الجزائري بحملة تحريض ضد الثورة أدت الى حظر الحزب نهائيا في العام 1965.

 

القادة الشيوعيون الفلسطينيون خلال النكبة

ننتقل الى الحزب الشيوعي الفلسطيني وموقفه من الحركة الصهيونية. فلقد كان هذا الحزب قد تأسس في العشرينات من القرن الماضي وضم في صفوفه اعضاء عربا ويهودا في الوقت الذي كان الكثير من الشيوعيين اليهود في العالم لا يزالون يتمسكون بميولهم الصهيونية ولا يرون فيها تعارضا مع انتمائهم الشيوعي. ولقد اعتبرت قيادة الحزب الشيوعي الفلسطيني ممثلة باميل حبيبي وتوفيق طوبي ان تأسيس الكيان الصهيوني سيؤدي الى تقدم المنطقة العربية المحكومة بأنظمة رجعية. وكانت بذلك متأثرة بموقف الحزب الشيوعي السوفياتي الذي كان داعما لتأسيس الكيان الصهيوني. وفي نص نشر في صحيفة هآرتس الصهيونية قبل أعوام قليلة فإنه يشيد “بنضال قادة عرب” من أجل تأسيس إسرائيل. ويشير النص الى انه في الاربعينات والخمسينات كان هناك وقت عندما كان يمكن تسمية قادة اليسار ب “محاربي الحرية الإسرائيلية”. في تلك الأيام، كان اليسار العربي يقاتل من أجل استقلال إسرائيل ولم يكن معارضًا لـ “دولة يهودية”.

وفي اب أغسطس 1948، قبل إعادة توحيد (الحزب الشيوعي الإسرائيلي)، عقد الشيوعيون العرب اجتماعًا في حيفا. ألقى إميل حبيبي، أحد مؤسسي الرابطة الوطنية للتحرير في فلسطين والذي كان لاحقًا عضوًا في الحزب الشيوعي الاسرائيلي الموحد، خطابًا هناك. ونشرت مجلة كل الشعب، مجلة الحزب الشيوعي الاسرائيلي، مقتطفات من خطابه الذي قال فيه: “ستقاتل الرابطة من أجل أن تصبح الجماهير العربية في إسرائيل عنصرًا ديمقراطيًا يواجه، جنبًا إلى جنب مع القوى الديمقراطية اليهودية، لإنجاز القرار الصادر عن الأمم المتحدة بالكامل. يعتمد سلام واستقلال الدولة اليهودية والعربية القائم على التفاهم اليهودي العربي.”

 

وقد جرت الاحتفالية الجماهيرية في تجمع أكتوبر 1948 في سينما ماي في حيفا. وقد نقلت صحيفة دافار حديثاً لحبيبي، الذي دعا إلى “طرد الجيش العراقي المحتل من أرض إسرائيل” وأعلن أن الحزب الشيوعي سيقاتل “لحماية استقلال دولة إسرائيل.”

 

وفي خطابه في التجمع أكد مئير فيلنر، واحد ممن وقّع إعلان استقلال إسرائيل، مساهمة “الغالبية العظمى من رفقاءنا اليهود والعرب في القتال في صفوف جيش الدفاع الإسرائيلي. وقد قُتل العديد من رفقائنا وأُصيبوا في المعركة حيث قدموا مثالاً لمحاربي الحرية الشجعان والأمناء.”

كما استشهد بمساهمة الحزب الشيوعي في جذب المساعدات الدولية “لحرب استقلال دولة إسرائيل”، مشيرًا إلى أنه “كما ترغب الجماهير العربية في رؤية دولة إسرائيل تنتصر على الغزاة، ترغب الجماهير اليهودية في إفشال مؤامرة الإمبريالية لإضافة الجزء العربي من أرض إسرائيل الى الأردن.”

 

وقد تم الإفصاح عن مساهمة أعضاء الحزب في استقلال إسرائيل في سؤال برلماني من النائب فيلنر في عام 1949 موجه إلى رئيس الوزراء ووزير الدفاع ديفيد بن جوريون بعد إصدار أوامر ضبط واعتقال من قِبل حاكم الجيش ضد عضوين في الحزب وهما رمزي خوري، أمين الحزب في الجليل الغربي، ونديم موسى. وذكرت صحيفة “الحمشمار” أن فيلنر ذكر في سؤاله البرلماني أن هذين العضوين في الحزب “قد نشطا على رأس المقاومة العربية في الجليل الغربي ضد عصابات فوزي القاوقجي فلماذا يتم اعتقالهما”؟

 

وخلال جلسة المناقشة في الكنيست في يناير 1950 بشأن قانون خدمة الدفاع، كان موقف قيادة الحزب الشيوعي لافتا. ووفقًا لصحيفة “معاريف”: “لمع نجم توفيق طوبي بموقفه الصارم حيث كان يهاجم نمر حواري ويدين عودته الى إسرائيل لانه كان على رأس منظمة تعمل ضد اسرائيل.” وقد ذكر طوبي بخطاب سابق لحواري في غزة، حيث وجه كلامه الى المفتي قائلا: “تحت رايتك يا مفتي، سندخل تل أبيب ونلقي اليهود في البحر.” وطالب النائب طوبي بمحاكمة حواري كـ “مجرم حرب.”

 

وفي ما يلي خطاب لتوفيق طوبي كان قد ألقاه في باريس في شهر مايو 1949 بمناسبة الاحتفال بالذكرى السنوية الأولى لإعلان قيام دولة الكيان والذي نشر في مجلة الحزب الشيوعي “كول هعام”

 

توفيق طوبي

احتفالنا باستقلال إسرائيل

”الرفاق الأعزاء،

أشكركم من أعماق قلبي لإتاحة الفرصة أمامي للاحتفال هنا هذا المساء، في هذا المهرجان الشعبي الكبير، مثلما فعل أبناء بلدي في الوطن بالذكرى السنوية الأولى لإقامة دولة إسرائيل.

إنّ احتفالنا بإقامة دولة إسرائيل هو احتفال بانتصار مبدأ حقّ تقرير المصير للشعب اليهودي في أرض إسرائيل. إنّنا نحتفل بذكرى الهزيمة التي مُني بها الاستعمار إثر فشل الحملة العدوانية لجيوش الحكّام العرب الرجعيّين، وبقدر لا يقلّ عن ذلك فإنّنا نحتفل بفتح الباب للفُرص الجديدة للشعب اليهودي ليشكّل عاملًا للتقدّم في الشرق الأوسط، بواسطة بناء بلاده كدولة ديمقراطية شعبية حقيقية.

وفي الوقت الذي نحتفل فيه فإنّنا سنتذكّر باعتزاز ذكرى الحرب البطولية للشعب اليهودي من أجل استقلال إسرائيل، وذكرى كلّ أولئك الذين ضحّوا بحياتهم في الحرب ضدّ الإمبريالية والتدخّلات الإمبريالية. كما لا يمكننا أن نكون صادقين مع أنفسنا إن لم نذكر في هذه اللحظات أولئك الأصدقاء الذين وقفوا بجانب الشعب في إسرائيل في الساعات العصيبة خلال كفاحه للاستقلال. ببالغ الشكر والاعتزاز نتطلّع هذه الأيام إلى الاتحاد السوڤييتي والدول الديمقراطية الشعبية، الذين لم يرتدعوا عن تقديم يد العون في حرب استقلال إسرائيل، سياسيًّا وماديًّا. لن ننسى أبدًا أنّ الاتحاد السوڤييتي كان الداعم الأكثر مثابرة وصدقًا في حربنا للاستقلال.

إنّ كفاح الديمقراطيّين العرب، في فلسطين والبلاد العربية، ومقاومتهم لحرب الحكومات العربية الرجعية ضدّ دولة إسرائيل الفتيّة، وحقيقة مشاركتهم بكلّ ما يمتلكون من قوّة في حرب الاستقلال على الرغم من الإرهاب والتهديد – سيُنظر إليه بإعتزاز بوصفه جزءًا من عون ومساهمة الديمقراطيّين في أنحاء العالم في حرب استقلال إسرائيل.”

“نحن القوى الديمقراطية في إسرائيل، ونحن نحتفل بيوم استقلال إسرائيل، سنصون الاستقلال إذا كُنا اليوم نتناسى الإشارة إلى المخاطر الكبرى التي تتربّص باستقلال دولتنا.”

 

مصدر: ”كول هاعام“، 19/5/1949

 

خلاصة

في ما تقدم استعرضنا تجارب لقيادات احزاب شيوعية أخطأت تقدير الموقف السياسي واصطدمت بحركات ثورية وطنية معادية للاستعمار والامبريالية بنتيجة انطلاق قيادات هذه الأحزاب من تجارب بيروقراطية حزبية معزولة عن فهم الواقع ومن فهم دوغمائي وفي كثير من الأحيان يوروسنتري جعلها تسقط أفكارا مسبقة تتنافى مع واقع مجتمعاتها ما انعكس سلبا على دور الاحزاب الشيوعية في البلدان التي ذكرناها وساهم في بعض الأحيان في افشال هذه الثورات وحركات التحرر خصوصا في ما جرى في بوليفيا مع تشي غيفارا وفي ما جرى في فلسطين المحتلة. فهل تتعظ قيادة الحزب الشيوعي الفنزويلي من هذه التجارب وتعمل على حصر الخلاف مع الحكم البوليفاري بما لا يتيح للامبريالية الأميركية الاستفادة منه لاستعادة هيمنتها على فنزويلا؟

اقرأ المزيد
آخر الأخبار