منذ تأسيسه العام ٢٠١٨ بمبادرة نبيلة من شخصيات عربية وتركية وإيرانية وكردية بارزة، في الاقليم، لم يتوقف منتدى التكامل الاقليمي عن التحذير من مخاطر غياب التعاون والتكامل في المنطقة، ولم يتردد في مواصلة الدعوة الى انطلاق العمل التكاملي بين الأمم الاربع المشكلة لاقليمنا المشرقي التوسطي، تحقيقا لجملة أهداف:
١- وقف الحروب الاهلية المدمرة في الاقليم المستعرة ( بحفز أميركي- اسرائيلي) منذ عقود عدة، مما كلف شعوب المنطقة ملايين القتلى والجرحى، وعشرات ملايين اخرى من المهحرين، واكثر من ٣٠ تريليون دولار خسائر مادية بفعل الحروب والنفقات العسكرية التي صنفتها الأمم المتحدة على انها الاعلى في العالم..
٢- العمل لحفز نخب الأمم الاربع( ومعهم كل طوائف وإثنيات المنطقة ) على بلورة مشروع حضاري – استراتيجي تكاملي ومشترك، على غرار كل التكتلات الاقليمية التي باتت تسود العالم في عصر العولمة، للنهوض بالاقليم اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، واستعادة دوره الكبير في التاريخ بكونه موطن جل الحضارات وكل الاديان السماوية .
٣- اعادة بناء الهوية الحضارية المشرقية المتوسطية التي كانت على مدار ستة آلاف سنة ” اللحمة الحضارية السرية” التي جعلت كل ثقافات الاقليم العديدة بمثابة حلقات في سلسلة واحدة، منحت البشرية أثمن إنجازاتها وهي مفهوم الضمير، وقيم العدالة، والعالمية الحقة، وتقديس امنا الطبيعة، والدعوة الى الاخوة الانسانية ووحدة الوجود وكل الكائنات.
مثل هذه الهوية هي وحدها القادرة الان على حماية حضارتنا المشرقية ومجتمعاتنا المدنية من مخاطر “التمزق الكبير ” (وفق تعبير فرنسيس فوموياما) الذي سيتسبب به اخطر حدث في تاريخ الانسان وهو الثورة التكنولوجية الرابعة.
٤- وأخيرا، بذل منتدى التكامل الاقليمي على مدى طيلة السنوات الاخيرة جهودا متصلة لنحذير الأمم الاربع من الكارثة البيئية الزاحفة، خاصة بعد ان صنّفت هيئات دولية عدة منطقتنا على انها الاقليم الذي يتربع على راس الأقاليم العالمية المهددة بالانهيار بفعل مضاعفات تغير المناخ.
وهنا، كانت الرسالة اليتيمة التي ركز عليها المنتدى لنخب المنطقة هي انه من دون التكامل الاقليمي بين كل بلدان الاقليم، لن يكون هناك نجاة لاحد من الكارثة البيئية التي بدأت الان تصبح في امر اليوم.
وللأسف. صحّت كل توقعات المنتدى. كما سيتضح من التقارير التالية التي تشرت مؤخرا حول الكارثة البيئية في المنطقة وحول مخاطر غياب التنسيق والتكامل الاقليميين لمجابهتها.
دعت مصر مؤخراز الدول الإسلامية إلى وضع «رؤية مشتركة» لمواجهة «ندرة المياه»، وقالت وزارة الموارد المائية والري المصرية، إن 60 في المائة من دول «منظمة التعاون الإسلامي» تقع ضمن المناطق الجافة، مما يستدعي التعاون والتنسيق لتحقيق التكامل.
وأكد وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم، أن «مواجهة تحدي ندرة المياه ، يتطلب وجود رؤية مشتركة وعملاً دؤوباً قائماً على التعاون والتكامل بين الدول».
وأوضح وفق إفادة رسمية، أن «مصر تؤكد أهمية نهج الترابط بين المياه والغذاء والطاقة والنظم البيئية بوصفه مدخلاً متكاملاً لتحقيق الأمن المائي والغذائي، إذ إن التعامل مع هذه القطاعات كمنظومة مترابطة يفتح المجال أمام مسارات جديدة للتكامل الإقليمي والاستدامة، ويُعزز فرص التكيف مع تغير المناخ».
وأشار وزير الري المصري إلى أن الإحصائيات تشير إلى أن «نحو 60 في المائة من الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي تقع ضمن المناطق الجافة أو شبه الجافة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تعاني 29 دولة إسلامية من الإجهاد المائي، ٠منها 18 دولة وصلت إلى مستوى الإجهاد الحرج وفقاً لمنظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة».
وتُظهر بيانات البنك الدولي أن العالم العربي يضم نحو 6 في المائة من سكان العالم، لكنه لا يمتلك سوى 1 في المائة من موارد المياه العذبة المتجددة، ويبلغ متوسط نصيب الفرد من المياه في المنطقة أقل من 1000 متر مكعب سنوياً، بينما ينخفض في بعض الدول مثل الأردن وقطر والبحرين والكويت إلى أقل من 100 متر مكعب للفرد سنوياً، وفق وزارة الري المصرية.
وفي رأي المستشار الأسبق لوزير الري المصري، خبير المياه الدكتور ضياء الدين القوصي، فإن العمل على وضع «رؤية مشتركة» لمواجهة ندرة المياه بين الدول الإسلامية، يجب أن يبدأ بـ«توصيف الوضع المائي والمناخي».
وقال لـصخيفة «الشرق الأوسط» إن «توصيف الوضع أن معظم دول منظمة التعاون الإسلامي ومنطقة الخليج تقع في مناطق جافة بدرجة حرارة مرتفعة، ومعدلات الأمطار فيها خفيفة، ومخزون المياه الجوفية مستنزف، كما أن معظم نشاط هذه الدول يعتمد على الزراعة التي تستنزف نحو 80 في المائة من موارد المياه، فيما يخصص 10 في المائة للشرب، ومثلها للصناعة».
ويرى القوصي «ضرورة وضع رؤية مشتركة بين هذه الدول تقوم على فكرة التكامل، حيث توجد دول مثل السودان لديها وفرة في المياه ويمكنها أن تكون (سلة غذائية) للمنطقة، وأيضاً ماليزيا وإندونيسيا لديها وفرة في الأمطار، في مقابل ذلك تمتلك السعودية إمكانات تكنولوجية متقدمة في محطات تحلية مياه البحر، فيما تمتلك مصر خبرة كبيرة في محطات معالجة مياه الصرف الزراعي والصحي».
وحسب القوصي، فإن «تحقيق التكامل ممكن من الناحية الفنية، لكنه يحتاج إلى إرادة سياسية وتوافق بين هذه الدول، خصوصاً أنه يجب أن يعاد ترتيب استخدام المياه، فلم يعد مقبولاً أن تستنزف زراعة بعض المحاصيل معظم الموارد المائية، في حين أنه يمكن زراعة محاصيل أخرى تستهلك كميات أقل من المياه وتحقق عائداً مادياً يشتري كل الاحتياجات من المحاصيل الأخرى».
ودعا سويلم إلى «تبنّى مبدأ البصمة المائية أداةً لتقييم كمية المياه المستخدمة في إنتاج المنتجات الزراعية والصناعية، بهدف تحسين الكفاءة وتوجيه السياسات نحو محاصيل أقل استهلاكاً للمياه وأكثر جدوى اقتصادياً»، مؤكداً «أهمية العمل المشترك في مجال تحلية المياه لأغراض الزراعة باستخدام الطاقة المتجددة، كأحد الحلول المستقبلية الواعدة لتأمين احتياجاتنا المائية والغذائية، مع ضرورة تعزيز البحث العلمي والابتكار لخفض تكاليف التحلية وتحقيق جدواها الاقتصادية والبيئية».
وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن استمرار الوضع الراهن في إدارة المياه قد يُكلف منطقة الشرق الأوسط ما بين 6 و14 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2050، وهي وفق وزير الري المصري «خسائر تفوق بكثير المتوسط العالمي المتوقع البالغ أقل من 1 في المائة، ويرتبط ذلك بضعف الاستثمار في البنية التحتية للمياه والتأثر المتزايد بآثار تغير المناخ الذي يؤدي إلى تفاقم ظواهر الجفاف والفيضانات في المناطق القاحلة»، مؤكداً أن «بيانات البنك الدولي تُظهر أن 83 في المائة من المياه المستخدمة في منطقتنا تُستخدم في الزراعة مقارنةً بمتوسط عالمي يبلغ 70 في المائة، مما يعكس الأهمية الحيوية للري في تأمين الأمن الغذائي».
وترى أستاذة العلوم السياسية في الجامعة الأميركية بالقاهرة الدكتورة نهى بكر، أن توافر الإرادة السياسية ضرورة لوضع وإنجاح أي تصور للتعاون المائي بين الدول الإسلامية والعربية، وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «تحقيق الإرادة السياسية يمكن أن يتم من خلال التشبيك السياسي بين المنظمات الرسمية مثل منظمة التعاون الإسلامي، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأفريقي»، وحسب بكر فإن «نجاح أي رؤية مشتركة مرهون بتعزيز فكرة العمل الجماعي بين الدول من خلال توافق سياسي يقوم على الاحتياج المتبادل لإيجاد حلول لقضية المياه».