قراءات سياسية فكرية استراتيجية

 

اخر الاخبار

التكامل الاقليمي بات شرطاً لازماً لاعادة بناء الصرح القومي العربي

نقاش مع المفكرين الاستاذ جميل مطر والزميل د. يوسف الحسن حول الهوية والحضارة... والمرحلة الجديدة من التاريخ البشري.

نتفق تماما مع الاستاذ جميل مطر والصديق العزيز الدكتور يوسف الحسن، على أن الاولوية بالفعل هي لمعالجة كارثة ما كان يسميه الراحل الكبير جورج قرم ” انفجار المشرق”. وهو انفجار مريع حقاً ، يضرب في آن هوية وبنيان وتاريخ ومصير الشعب العربي، ومعه حتى مفهوم الانتماء العروبي الجامع.
نتفق ايضا على ان احد المداخل الرئيسة لهذه الاولوية، هي القيام بثورة فكرية عروبية، تجيب على أسئلة وجودية حقيقية، قبل ان تطرح الحلول والمخارج:
– ما مسؤولية الأنظمة القومية العربية التي استلمت السلطة، خاصة في سورية والعراق وليبيا واليمن والسودان، في عدم حل مشكلة الهويات ما قبل القومية وما قبل الدولتية، وفي تحقيق الاندماج الوطني الضروري لاستيلاد الاندماج القومي العربي( كما يشدد المفكر العربي د. عبد الإله بلقزيز).
– ما مدى الدور الذي لعبته أنظمة السلطة الأمنية والاستخبارية في هذه الدول، في تعزيز هذا الانفجار المشرقي، ومعه تبديد فرص الحلول المستندة الى الديمقراطية والحريات الليبرالية وحقوق الانسان.، عبر تحوّلها الى شبه طبقة اجتماعية- اقتصادية مستقلة.
– وأخيرا، الم ترتكب الأنظمة القومية خطأ فادحاً حين اندرجت في لعبة الكراسي الموسيقية الاميركية، المستندة الى ضرب قوى المثلث الذهبي بعضها ببعض، أساسا عبر تفجير المجابهات بين القوميات العربية والفارسية والتركية( و الكردية )؟
– وايضا، ما مسؤولية الأنظمة الخليجية وبعض حركات الاسلام السياسي في “تفجير المشرق”؟ .
-كل هذه العوامل تفرض بالفعل وضع الاولوية لاعادة النظر في تجربة التحرر القومي العربي، من دون جلد الذات، ومن دون التغاضي عن ايجابياتها التحريرية والتحديثية( خاصة في طبعتها الناصرية) ، قبل العمل لاعادة بناء صرح البيت العربي. لا بل هذه المراجعة شرط واجب لإعادة البناء.

لا تناقض
الآن، وبعد قول كل شيء حول الاعتراف بهذه الاولوية العربية الحاسمة، والتي يتبين من خلالها انه ليس هناك في الواقع تباين بين ما يطرحه المفكرون القوميون العرب وما يسير عليه منتدى التكامل الاقليمي، نسمح لأنفسنا بالقول ان ما يقترحه هذا المنتدى من تعاون( ومن ثم تكامل) بين أطراف المثلث الذهبي واخوتنا الكرد، لا يتناقض مع هذا المنحى. لا بل يصب في الواقع في مصلحته المباشرة.
كيف؟
١- لقد افاض الاستاذ مطر في توضيح المخاطر الضخمة التي فرضها الدخول العنيف لإسرائيل الى عرين النظام الاقليمي العربي، والذي يقترب الان من إعلان قيام النظام الاقليمي الاسرائيلي( عبر الإفصاح عن مشروع اسرائيل الكبرى).
لكنه لم يلتفت الى ان هذا النظام الجديد المفترض، يشكل تهديدا حقيقيا للأمنين القوميين التركي والايراني، إضافة الى تهديد المصير العربي برمته.
كان الامر سيكون غير ذلك، لو ان هناك في اسرائيل قوى غير تلمودية وغير صهيونية فاشية متطرفة ترفض اي اعتراف وتعايش مع ” العوييم”، وتبدي استعداداً بالتالي لتقاسم ثلاثي للسلطة مع تركيا وإيران. اي بكلمات اوضح: لإقامة نظام إقليمي شرق اوسطي جديد، يتساوى فيه دور اسرائيل مع دوري تركيا وإيران. على رفاة النظام العربي.
لكن الصورة( ولله الحمد) ليست على هذا اطلاقا. إذ تؤكد التطورات الراهنة بين اسرائيل وايران في الخليج، وبين اسرائيل وتركيا في سورية والعراق، ان تل ابيب ( كما أكدت فورين افيرز) غير قادرة على إقامة نظام إقليمي لاسباب ديموغرافية واقتصادية .. والاهم وإيديولوجية.
والان، ومع قرب انتهاء المجابهة بين ايران واسرائيل، سييصبح الصراع حول النظام الاقليمي حتما بين اسرائيل وبين أطراف المثلث الذهبي: مصر وتركيا وايران، وربما السعودية.
ونحن اذا ما توثقنا من هذه الفرضية، سنكتشف فورا ان إحد المداخل الكبرى والاستراتيجية لاعادة بناء الصرح العربي، هو الانخراط بالتحديد في هذا الصراع الجديد الى جانب تركيا وإيران ( اساسا عبر البوابة المصرية وربما السعودية ). هنا سيكون التقاطع كاملا بين اولوية البناء العربي وبين هدف التكامل الاقليمي المشرقي المتوسطي.
٢- ثمة ايضا هدف تكتيكي مباشر في دعوة المنتدى الى التعاون الاقليمي بين أطراف المثلث الحضاري. يتمثل في السؤال: هل يعتقدن احد انه بالامكان حقا إنقاذ سورية من التفكك والانهيار النهائي. من دون تعاون عربي وتركي وإيراني ( وكردي)؟. وهل بالإمكان تجنيب العراق مصيرا مماثلا، من دون قمة عربية- ايرانية- تركية سريعة؟ وكذا الامر في ليبيا واليمن وغيرهما؟
ثم: هل بعتقدن احد ان تركيا وإيران، وكل العالم الاسلامي، سيقبلون ان يبتلع التلمود العنصري الجامح أرضا إسلامية- مسيحية مقدسة، وتاريخية هكذا وبكل بساطة؟ واذا كانت اسرائيل باتت تشكل الان خطرا على كل يهود العالم، كما يحذر الان العديد من الكتاب اليهود، فهل ستكون تركيا وإيران مستثنيتان من مجابهة هذا الخطر الذي يمس مباشرة شعبيهما الاسلامي؟
٣- أخيرا، ثمة مسألة لا يجب أن تغيب عن اي تحليل ، وهي ان العولمة التكنو- رأسمالية ( والصهيونية جزء أساسي من قاعدتها المالية) ، باتت تشكل تهديدا ماحقا للهويات والقيم في كل دول ومناطق العالم. وهي تسعى الان( وتنجح) في التلاعب بكل الهويات القومية والدينية والاصولية في إطار ما اسماه المفكر الاميركي بنجامين باربر ” عالم هوية ماكوورلد” الذي يمسخ الانسان الى مجرد آلة استهلاكية، ويذرر المجتمعات، ويدمر الديمقراطية والحريات.
في خضم هذه المرحلة التاريخية الكبرى الجديدة، والتي قد تشكل قطيعة حقيقية مع تاريخ بشري عمره ١٠ آلاف سنة. ينبلج سؤال كبير: في ضوء تهاوي قدرة الدولة – الأمة( القومية) ووقوع الاديان على انواعها تحت سطوة المال– التكنولوجيا:
من هي الهويات القادرة على إنقاذ شعوبها ( ورفاههم) من هذا الهجوم الكاسح للعولمة التكنو- رأسمالية؟.

لا نرى نحن في المنتدى سوى هوية واحدة قادرة على ذلك، هي الهوية الحضارية والتاريخية لأقليمنا المشرقي المتوسطي التي أعطت البشرية لأول مرة في التاريخ معنى ان تكون انسانا ( فجر الضمير في مصر ووادي النيل)، وان تكون مواطنا خارج شريعة الغاب(ولادة القانون في بلاد ما بين النهرين) ، وجذور الفلسفة الاغريقية والرواقية( الفيتيقيون والكنعانيون)، وصرخة التوحيد الكوني الاولى في التاريخ، من اخناتون الى موسى والمسبح ومحمد.
هذا التراث الهائل، الذي يشكل عن حق” الهوية السرية” لكل مواطني أقليم المشرق المتوسطي، هو الان السد الوحيد والنهائي امام الاجتياحات القاتلة للعولمة التكنو- رأسمالية( والصهيونية)…. لا بل هو. (في حال نجح مفكرونا ومثقفونا في بناء ” الماضي الجديد” لهذه الهوية الحضارية المتجاوزة للصراعات الفرعية والفئوية القومية والدينية والطائفية والعشائرية)، فأنها ستتحول إلى سلاح عالمي للمساهمة في إنقاذ معنى الإنسان والوجود، في خضم ” المعركة النهائية” التي بدأت تخوضها البشرية فعليا الان بين المادية الميكانيكية المطلقة، وبين قيم الضمير والحب ووحدة الوجود وكل الكائنات. بكلمة: بين البقاء او الانقراض.
والمدخل الى هكذا هوية حضارية عالمية هو المثلث الذهبي الذي شكّل كل تاريخ وثقافات وحضارة هذا الاقليم الحضاري حقا … والعظيم حقا.

اقرأ المزيد
آخر الأخبار