هذا ليس مقالًا، هذا بيان على عجل يحمل روح الحقبة الثورية… هو البيان الأخير قبل تنفيذ العملية. قبل المواجهة وقبل أن يتحول الكلام إلى فعل. هذا النص لا يصلح للتداول في صالونات النخبة، ولا في بعبدا ايضا. يَحكي عم رجُل، وعن واحد وأربعين عام من الاعتقال الخطأ، والمحاكمة الخطأ والحكم الخطأ في المكان الخطأ.
هذا المقال عن رجل كان يجب أن يكون حرّ منذ زمن… عن رجل اسمه جورج إبراهيم عبد الله، وكل من لا يعرف هذا الاسم، عليه أن يراجع انتماءه.
في فرنسا يقرأون “أميلي نوتومب”، ويذرفون الدموع على هيروشيما، ينظمون معارض فنية عن معاناة الآخرين، ويوقعون عرائض بلهاء من أجل سلاحف مهددة بالانقراض. لكن قل لهم إن هناك سجين سياسي تجاوزت سنوات محكوميته أربعة عقود… ينظرون إليك كما لو كنت تُزعج النظام العام والآداب العامة أيضا… ينظرون إليك نظرة عدم تصديق، أو أسوأ: نظرة عدم اكتراث. ربما لا يصدقون، لكن لا فرق.
فرنسا التي صنعت الثورة، ترتعد من رجل ثائر يقول “لا”… فرنسا تُشبه هذا المناضل العجوز الذي فقد كل شيء، وصار يبتعد عن كل من يقترب منه، لأنهم يُشبهون الأيام التي لم يعد يحتملها في قلبه…
أربعة عقود وجورج لم يركع قال بها كل يوم “لا”. فرنسا تعتبر ذلك تهديد إرهابي. أن تقول “لا” للاستعمار هو تهديد أمني. تباً اذاً لدولة تعاقب على كلمة واحدة.
جائزة نوبل للسلام أصبحت تُمنح لمن يُتقن تدمير الحياة.. كل من صافحوا القتلة، تمّ منحهم الجائزة. إلا الأحرار مثل جورج… فقط لأنهم قالوا “لا”. حتى ترامب.. نعم، ترامب أيضا يُريد نوبل. ألم يُغذي حرب غزة بكافة أنواع القنابل والصواريخ العمياء؟ ألم يُجرب كافة أسلحة الدمار العشوائي؟ الم يُلقِ الـ “توماك هوك” مثل من يرمي وجبة طعام فاسدة في المزبلة؟ عشرات منها جرى ضربها وهو يضحك، ترامب وامثاله اعتادوا القاء القنابل مثل القاء النِكات.. يضحك ويمرر يده على غرته الشقراء.. قبله أوباما، بائع الأمل الكاذب الذي وقّع على مئات الغارات: اجل، أوباما رئيس حائز على نوبل للسلام.
لا شيء يفضح المعايير الأخلاقية للعالم مثل منح نوبل لمن فرض واقع العنف، نتنياهو وأحمد الشرع مثلا؟؟ جزاران محترفان، بلغَا قمة المجد بكمية الخراب التي خلفاها وراءهما. سأبوح لكم بما سيحدث، لا تستبعدوا ترشيحهما ومنحهما الجائزة. لما لا؟؟ تخيلوا جزاران يبتسمان تحت لافتة مكتوب عليها “من أجل السلام”، والحمامة البيضاء فوق رأسيهما… مذبوحة طبعا. ريشها الأبيض مشبع بدم كثيف، ومتخثر، تتخبط بجناحين مكسورتين وعيناها مقلوبتان إلى الداخل، روحها تخرج من عنقها المكسور والمائل، تزفر وتتقيأ دمها…والجرح المفتوح ينزف، خط من الدم ينساب منها، كثيفا، كثيفا، كأنه يسيل من قلب حيّ قُطّع وهو ينبض… تخيلوا.
لكن من يهتم للحمامة؟ الجميع يصفق للأقوياء… وللأغبياء أيضا.
لنعد الى جورج، بطلنا الذي رفض الانبطاح. هو آخر السجناء في ساحة الشرف الأممية، من غيفارا إلى مانديلا، الى موميا أبو جمال.. كلّ المناضلين مروا بالسجون، قضوا عشرات السنين وزهرة شبابهم واُبعدوا عن عائلاتهم ولم يروا أبنائهم يكبرون، لكن جورج استوطن السجن. عاش في الزنزانة وحوّلها الى مكان للمقاومة. شاهد الأجيال تُولد وتموت خلف القضبان، وظل وحده ثابت. ثلاثة أجيال ولدت وجورج في الزنزانة يستقرئ وضعنا المذرى.. ولم ينحنِ.
حين تم اعتقال جورج إبراهيم عبدالله كانت الأحزاب الشيوعية مازالت ترفع المطرقة والمنجل… ثم سقط جدار برلين، وسقطت معه أوهام كثيرة واتجه اليسار في أوروبا نحو التحديث… أما جورج فبقي في زنزانته يرفع شارة النصر.
اليسار العالمي أعاد اختراع نفسه كمصطلح نظيف عبر يسار حقوق الإنسان، ويسار البيئية المستدامة ويسار الـ NGO وصار يطالب بتجميل الوحش ومسائلته لا القضاء عليه. سقط العراق والانتفاضة الثانية بهتت وكتائب شهداء الأقصى ذبلت … وجورج لا يزال في الزنزانة، وحده، لا يملك حساب على وسائل التواصل الاجتماعي، لكن من قال انه يحتاجها؟
الربيع العربي انفجر ثم سقط كجثة … اليسار تاه بين دعم الشعوب والخوف من الفوضى، صَمَتَ أمام المجازر وادعي الحياد… أربعون عاما تغيّر فيها كل شيء… إلا جورج.
في أي مكان من العالم لكان جورج جرى انتخابه رئيسا… لكن في لبنان رئيس القصر لم يستقبل عائلة جورج. الرئيس منشغل بنفسه… فخامة العار يملك الوقت كله لترتيب مهرجانات الصيف.
سيخرج جورج من سجنه، لكنه لم يخرج من مرمى التصويب. قد تكون الزنزانة انتهت، نعم، لكن القناص ما زال في مكانه يترصد. والإسرائيلي لم يطوِ هذا الطلب الذي يبدأ بـ” ُيمنع الإفراج عنه.”
23 سنة ضغطت فيها إسرائيل على فرنسا من اجل ابقاءه في المعتقل. العهر الإسرائيلي يقصف بيروت ودمشق ويفتعل إبادة في غزة ثم يطالب باريس بإستمرار اعتقال من يقاوم القصف. جورج، مثل باسل الأعرج، مثل زكريا الزبيدي مثل ناصر أبو حميد، مثل سمير القنطار، مثل أبو علي مصطفى… كلّهم يخرجون من السجون، أو لا يخرجون، ليبقوا في دائرة التصويب.
لكن أيها العدو المحتل انظر الي جيدا واسمع. فهذا الصوت لا يحمل لك أي سلام، هذا الصوت يبشرك بنبوءة الخراب الذي صنعت. اقرأه كما تُقرأ الأحكام، واقرأه جيدا: “نحن لا نُهزم عندما ننتصر، ننتصر وعندما نُستشهد ننتصر ” …
أيها العدو، هل تريد ان اعيدها عليك بلهجة أخرى؟ لا حاجة للصراخ، فقط انصت لتفهم: نحن في الوطن لا نختار نهاياتنا. نحن لا نموت حين نتقدّم في العمر، بسبب الشيخوخة أو المرض، لا نموت في أسرتنا… نحن نموت على لوائح اغتيالكم.… نموت لأننا قلنا “لا” في لحظة ممنوعة.
اسألوا إسرائيل لماذا تخاف من رجل تجاوز السبعين؟ الجواب بسيط: لأن بقاءه حياً، حراً، يُعيد تعريف من نحن… ومن هم.
المناضل جورج، أيقونة العشق الثوري … هو الحبيب الذي انتظرناه ولم يأتِ، لأنه لم يغادر زنزانته.
هل تعرف يا جورج أن نساء الوطن مفتونات بك وصِرن يحلمن برجل يشبهك. ما عُدنا نبحث عن فارس على حصان أبيض؛ نساء الوطن يبحثن عنك، وأنت تمشي بثقل سنوات الاعتقال، وبهيبة من لم يخن القضية. أنت يا جورج العريس الذي يلبس كوفية وسوار من حديد، ويملك قلب شجاع من نار، قلب لا يهدأ.
قل لنا يا جورج ما هو سحرك؟ وأنت لا تملك إلا حريتك وكرامتك التي لم تهن. النساء على وسائل التواصل يرسلن لك قلوبهن ويطلبن عناق، ونظرة أو وردة قطفتها من زنزانتك… لا تنسَ أن تجلب لنا هذه الورود، أرجوك.
لا يردن خاتم ولا سلسال، يردن منك كلمة واحدة، فكل ما فيك يُغني عن الذهب: إسمك، صمتك، وقوفك.
أي سرّ هذا الذي جعلك تمضي في الزمن، بينما كل الزمن انحنى؟ أي هدوء فيك أربك الضوضاء؟ أي قوة تلك التي جعلتك تصمد؟ كل ما فيك يبدو بسيط، لكنه يجلدنا. كل ما فيك يُديننا، يدين فرنسا، يدين العرب، يدين اليسار.
أما زال فيكم من يصغي؟ جورج لا يحتاج الى نوبل. هو نفسه جائزة … جورج هو اللازمان الذي يخدش كل زمن، ويقف في وجه الحاضر العربي المذبوح، هو بطلنا الذي لا ينهزم لأنه لا ينتمي إلى معادلة الانكسار ولا يساوم.
نعم جورج إبراهيم عبد الله لا يُمكن فَهمِهِ، يمكنك فقط أن تخجل منه.
المصدر: الرأي اليوم
الكاتب: لينا طبال