قراءات سياسية فكرية استراتيجية

استراتيجية البقاء الصهيوني: تفكيك المجتمعات العربية من الداخل

ما تشهده محافظة السويداء ليس مجرد تمرد محلي أو غضب شعبي عابر. بل هو مشهد مكثف من المأساة السورية الكبرى: شعب محاصر بين الجوع والطائفية، ومجتمع يُدفَع إلى الحافة لإعادة إنتاج خرائط جديدة تخدم مشاريع خارجية.
لقد تحولت السويداء، كما مناطق سورية أخرى، إلى ساحة ابتزاز سياسي وعسكري، تُحرَّك فيها القوى الطائفية والعصابات المسلحة والقيادات الوراثية، لترسم مشهدًا قاتمًا عنوانه: “أقليات مستنزفة…وأكثرية ممزقة.”
إنه مشهد متكرّر من حرب طويلة لم تعد تُخاض على “النظام” أو “الإصلاح”، بل على بنية وطن ومجتمع، وعلى إمكان قيام دولة موحّدة في هذا الشرق العربي. ما يجري ليس حربًا أهلية فحسب، بل فصلٌ دموي من صراعٍ أشمل: الصراع العربي – الصهيوني، الذي لم ينتهِ يومًا، بل أُعيد إنتاجه بأشكال داخلية تُدار من الخارج، بعد أن أصبحت المقاومة تهديدًا وجوديًا للكيان الصهيوني.

تفكيك الأمة لبناء “دولة الأقلية الكبرى” جوهر الصراع
منذ وعد بلفور وحتى اليوم، لم يتغير جوهر المشروع الصهيوني: زرع كيان استعماري غريب يقوم على تفوق إثني – ديني، في قلب منطقة متعددة الهويات والثقافات. ولأجل أن تستقر “إسرائيل”، لا بد من تفكيك ما حولها: تفجير المجتمعات الوطنية من الداخل، وتأجيج النزاعات الطائفية، وتحويل الأقليات إلى ضحايا ومتهمين في آنٍ معًا.
وفي سوريا، كما في العراق ولبنان، تُستخدم الأقليات كأوراق ضغط في لعبة إقليمية ودولية، يُراد من خلالها فرض واقع سياسي جديد عنوانه: أن تحكم أقلية مسلّحة ومحمية خارجيًا أكثرية منهكة وممزّقة.
مشاريع مثل “الإدارة الذاتية” أو “الكونفدرالية الطائفية” أو حتى “اللامركزية الموسّعة”، ليست مجرد خيارات إدارية، بل أدوات ناعمة لتفكيك الدولة وتكريس الولاءات الضيقة، وفق خريطة أُعدّت منذ زمن في غرف واشنطن وتل أبيب.

الدم السوري سلعة في أسواق الخرائط الجديدة
عندما يُمعن أبناء الوطن والأمة في تمزيق بعضهم بعضًا، تتحول الحروب إلى مورد إستراتيجي لإعادة رسم الخرائط. تُباع الدماء السورية في أسواق النفط والسياسة، وتُستخدم الجماجم كحجارة في بناء “الشرق الأوسط الجديد”، حيث تُكرَّس “إسرائيل” كنموذج للدولة الوحيدة المستقرة، لأنها تقوم على “وحدة دينية” مزعومة، مقابل شعوب مكسّرة ومبعثرة طائفيًا.
إن هذا “الاستقرار” الصهيوني المزعوم، لا يقوم إلا على بحر من الدم العربي، وتحديدًا دماء الفقراء والطبقات الشعبية، في سوريا ولبنان وفلسطين وسواها. وكلما زاد نزيف الدم، رُسمت حدود جديدة، وقُدمت “إسرائيل” كمرجع سياسي وعسكري واقتصادي في المنطقة.

زعماء الطوائف…حرّاس الانقسام لا الشعب
في قلب هذا المشهد، تظهر القيادات الطائفية الدرزية كحلقة أساسية في سلسلة التحكم بالشعوب.
وما يفعله جنبلاط وأرسلان ووهاب ليس سوى تكرار للعبة قديمة – جديدة: توزيع أدوار لتكريس الطائفة كإقطاع سياسي، ومنع أي تحوّل وطني أو طبقي داخلها. تختلف الشعارات، تتباين الخطابات، لكن النتيجة واحدة: احتكار التمثيل وتوريث الزعامة، وتحويل الطائفة إلى رهينة.
وفي السويداء، كما في غيرها من المناطق، يُراد للدروز أن يبقوا تحت سطوة أمراء الحرب، ممن يبدّلون مواقعهم بين الولاء للنظام أو المعارضة أو القوى الخارجية، بحسب المصالح. لكنهم في النهاية، كما غيرهم من الزعامات الطائفية في لبنان والعراق، ليسوا سوى أدوات للاستعمار الجديد، مهما تزيّن خطابهم بشعارات المقاومة أو السيادة.

الخلاص يبدأ من فلسطين، والكرامة تُصنع بوحدة الشعوب
العدو ليس غامضًا ولا بعيدًا… رأس الأفعى واضح: الكيان الصهيوني الغاصب في قلب فلسطين.
ومشاريع التفتيت من حوله ليست إلا أذرعًا له، تحرس استقراره وتُبقينا في خراب دائم.
فلسطين ليست فقط بوصلتنا، بل هي مفتاح الخلاص الجماعي، والممر الإجباري لكل تحرر حقيقي.
وما يجري في السويداء والساحل السوري اليوم لا ينفصل عن هذا المخطط الأشمل لتفتيت المجتمعات من الداخل، وهو ما واجهته – بخصوصيات وسياقات مختلفة – مدن عربية أخرى تعاني من الحصار الطبقي والانهيار الاجتماعي والتوظيف الطائفي، من البصرة إلى صيدا إلى طرابلس، كلٌّ بحسب موقعه ووظيفته في الخريطة الإقليمية الجديدة.
إن المقاومة ليست حكراً على سلاح أو فئة، بل خيار شعبي تاريخي، يبدأ بوحدة الشعوب وتوجيه الصراع إلى حيث يجب: إلى صدر العدو.
وحدها وحدة الشعوب العربية في وجه الاحتلال والاستعمار والرجعية، تُعيد توجيه البوصلة إلى فلسطين، وتُحوّل الخرائط المسمومة إلى جبهات مواجهة، وتفتح أفق التحرر والانتصار

الكاتب:أحمد الشهال

اقرأ المزيد
آخر الأخبار