قراءات سياسية فكرية استراتيجية

 

اخر الاخبار

هل تتجه الهند للتحالف مع الغرب ضد روسيا والصين؟

خلال العقد الاخير، وبعدما وصل حزب بهاراتيا جاناتا الى السلطة في الهند، بدأت نيودلهي تعيد تموضعها على الساحة الدولية في موقع النقيض لكل السياسات التي اعتمدتها في ظل الحقبة الطويلة من حكم حزب المؤتمر. فبنتيجة تبني بهاراتيا جاناتا لمفهوم قومية هندوسية، فإنه بدأ بالاصطدام بالمسلمين الهنود في الداخل وتصعيد لهجة الخطاب العدائي ضد باكستان من جهة أخرى. بل إن هذه الاجندة القومية الهندوسية دفعته لأن ينقل الهند من موقع الدولة الصديقة للعرب الى الحليف الرئيسي للكيان الصهيوني في منطقة جنوب اسيا.

بالتوازي مع ذلك، فإن تبني حزب بهاراتيا جاناتا لخطاب قومي هندوسي متشدد جعله ينتقل بالهند من موقع الشريك للصين في منظمة البريكس، الى موقع الخصم اللدود لها في منطقة جنوب اسيا ما دفع به الى التقارب مع الولايات المتحدة لتشكيل حلف ضد بكين لمنعها من الوصول الى المحيط الهندي.

ويبدو ان حزب بهاراتيا جاناتا يندفع الى ابعد من ذلك للابتعاد تدريجيا عن موسكو، بعد ثمانية عقود من العلاقات الوثيقة بين الهند وروسيا والتي تعود الى زمن الاتحاد السوفياتي. فعلى الرغم من حرص موسكو على مراعاة نيودلهي حتى في ظل التوتر بين الهند والصين، الا ان الجزب القومي الهندوسي يبدو مصمما على الانتقال بنيودلهي كليا الى المعسكر الغربي. ومن مؤشرات ذلك بدء الهند بتخفيف علاقاتها العسكرية مع الهند.

ووفقا لمراقبين جيوسياسيين فإنه يبدو أن مرحلة طويلة من التعاون العسكري الوثيق بين الهند وروسيا يشارف على نهايته. ففي الأول من يوليو/تموز ٢٠٢٥، دشنت البحرية الهندية رسمياً سفينة “آي إن إس تامال”، لكنها اعلنت ان هذه ستكون آخر سفينة حربية لها بُنيت في حوض بناء سفن روسي، مما يشكل نهاية مرحلة طويلة من تدفق الفولاذ الذي بنته موسكو إلى المياه الهندية.

وستتولى آي إن إس تامال الآن دوريات في بحر العرب، علما أنها سفينة خفيفة متعددة الأدوار، وضخمة. لكن السفينة الحربية هذه ستمثل أيضًا نهاية حقبة كانت فيها روسيا الشريك العسكري الأكثر موثوقية للهند. فلقد قررت الهند بناء جميع سفنها البحرية الرئيسية بنفسها من الان فصاعدا.

قد يفسر البعض ذلك على انه يصب في باب الاعتماد بحرياا على الذات لولا انه سيشمل ايضا منظومات عسكرية اخرى. والجدير ذكره ان روسيا تقوم بتطوير منظومة الدفاع الجوي اس – 400 التي اشترت الهند منها خمس وحدات، وصلت منها ثلاث وحدات، على ان يتم تسليم الوحدتين الاخريين في العام المقبل. الا ان هذه الصفقة لن تتبعها صفقات اخرى.

قد يكون هذا احد الاسباب التي دفعت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الى التحضر لزيارة الهند. فبعض المراقبين افاد بأن بوتين ينوي خلال زيارته المرتقبة تقديم عدة عروض لبيع الهند طائرات حربية من طراز سو – 57 ومنظومة الدفاع الجوي اس – 500 وتأجير غواصات نووية اضافة الى صواريخ كاليبر بعيدة المدى. الا ان المؤشرات الاولى من الهند لم تفد باهتمام النخب الحاكمة بهذه الصفقات.

والجدير ذكره أن الهند انسحبت بالفعل من صفقة إنتاج مروحيات مشتركة مع روسيا فيما لم يُحرز أي تقدم يُذكر بعد عرض روسيا استئجار غواصة نووية أخرى. ورغم التكهنات التي أعقبت المواجهة العسكرية الأخيرة بين الهند وباكستان – حيث كان أداء نظام إس-400 استثنائيًا – لم يُحرز أي تقدم يُذكر في شراء وحدات إس-400 إضافية أو تحديثه إلى إس-500.

في المقابل فإن الهند تزيد من وتيرة شرائها لمنظومات تسليح اسرائيلية وغربية. ومنذ عام 2018، حصلت الشركات الأميركية وحدها على عقود دفاعية من نيودلهي بقيمة نحو 20 مليار دولار. وعلى سبيل المقارنة، ففي عام ٢٠٠٩، شكّلت الأسلحة الروسية ٧٦٪ من إجمالي واردات الهند الدفاعية. في عام ٢٠٢٤، سينخفض هذا الرقم إلى ٣٦٪. انخفاض حاد، وهو الأدنى منذ أكثر من ستة عقود.

ومن المتوقع ان ينعكس هذا على التعاون غير العسكري بين موسكو ونيودلهي اذ ان هنالك مؤشرات على سعي الهند لتخفيض اعتمادها في مجال الطاقة على روسيا وذلك بنتيجة الضغوط الاميركية. والجدير ذكره ان الهند تعتبر ثاني أكبر مشترٍ للطاقة من روسيا، حيث أنفقت أكثر من 4.2 مليار يورو – 72% منها على النفط الخام، وهذا يثير حنق واشنطن، ما جعل السيناتور ليندسي غراهام يقدم مؤخرًا مشروع قانون لفرض عقوبات على الدول التي تواصل التعامل التجاري واسع النطاق مع موسكو، في تهديد مبطن للهند. فهل يساهم هذا في ابتعاد الهند نهائيا عن موسكو وانضوائها في صف المعسكر الغربي ضد القوى الاوراسية؟

المصدر: الامة

اقرأ المزيد
آخر الأخبار