هل يتم تطهير المشرق من سكانه الأصليين، السوريون الأوائل ؟
سكان المشرق الأوائل مهددون بالزوال .. والمسيحية في خطر الانتهاء في العالم
أخطأ دوغين وأصاب دوفيلبان وسقط الاثنان في الفخ الأمريكي
المخطط الممنهج للتطهير العرقي و”الشرق الأوسط الجديد” بعد سقوط سوريا
هل التطهير العرقي من أخلاقيات الدول العظمى؟؟
لم يكن دوغين مقنعاً في مقابلته وفي حديثه الأخير وهو الذي يسمى عقل بوتين، فقد تحدث بواقعية سياسية تفتقد بشدة إلى رؤية وعقيدة روسيا وثوابتها وتمسكها بموقعها الاستراتيجي وقضاياها الرئيسية، لاسيما بعد أن حصل بوتين على ما يتمناه في حربه مع أوكرانيا من الولايات المتحدة الأميركية في مقابل أثمان أخرى حتماً دفعتها روسيا، فجاءت تصريحات دوغين مستكينة لسياسة الأمرالواقع ومبررة لواقع حكم القوة في العالم بديلاً عن الحجج الإنسانية والدبلوماسية ضارباً بعرض الحائط مبادئ حقوق الإنسان والشرعة الدولية معتبراً أنها حجج سياسية انتهى عصرها وأصبح العالم مقايضات وتوزيع ثروات على حساب الشعوب والمجتمعات نافياً عنهم أبسط حقوقهم وهو حقهم في الحياة عندما قيًم أن التطهير العرقي في فلسطين هو “أمر مقبول ولا يتعلق بالأخلاقيات السياسية للدول العظمى”. ولكن ماذا عن التطهير العرقي في كامل المنطقة ؟!!
عادة من يتحدث بالواقعية السياسية هوالطرف الأضعف المجبرعلى اختيار أفضل ما عنده من خيارات وحلول والرضوخ لحكم القوي، أو من قايض ثمناً لانتصاره وللحفاظ على موقعه بتسليم قضاياه الكبرى في اتفاق سياسي سيبقى شاهداً للتاريخ. وفي الواقع لم ننتظر هذا من منظر الرئيس بوتين القائد الذي توسمنا في قيادته خيراً وتوازناً جديداً في العالم .
فيما صرح دوفيلبان، رئيس وزراء فرنسا الأسبق، والذي لم تخطئ بوصلته يوماً، ومنذ خطابه الشهير الذي لم ولن أنساه والذي ألقاه في مجلس الأمن عام 2003 حول الحرب على العراق والذي دفعت فرنسا ثمنه كبيراً فيما بعد، وبعد المشهد المسرحي مباشرة الذي صُوّر في البيت الأبيض بين ترامب وزيلينسكي والذي أهان الاتحاد الأوروبي ليغازل موسكو، على أن الولايات المتحدة الأميركية لم تعد حليفة للاتحاد الأوروبي. وأتساءل فيما لو وقفت أوروبا بجانب موقف فرنسا المشرف آنذاك في حرب العراق لكانت حمت العراق والمنطقة من هذا التدمير الشامل وحفظت كرامة أوروبا للتاريخ قبل انهيارها اليوم بعد انهيار قيمها العظيمة أمام شعوبها وشعوبنا معاً.
مع العلم أن زيلينسكي هو الممثل الصغير الذي أتى به الأمريكان ليكون في مواجهة قيصر روسيا الامبراطورية العظمى ومحاولة تصغيرها أمام شخصية “هزيلة” يقف وراءها الاتحاد الأوروبي وتحركها الولايات المتحدة الأميركية. فهل نجحت أمريكا في استفزاز بوتين وتحييد روسيا عن موقعها الاستراتيجي في المتوسط لتتخلى عن قواعدها في سوريا وعن دورها الاستراتيجي في حماية مصالحها الحيوية وفي الدفاع عن عقيدتها وامتدادها التاريخي في المشرق ؟! ، وساومتها مع أوكرانيا ضامنة أن أوكرانيا لن تنضم للناتو؟!، إلا أنه من الواضح أنه لن يكون هناك ناتو أصلاً ولن يكون ربما أوكرانيا. فأي ثمن دفعت روسيا لتتخلى عن عقيدتها، وعن الشرق.
نخشى أن تكون روسيا قد أضاعت البوصلة كما أضاعها قبلها الاتحاد الأوروبي
إذا كانت روسيا تتعاطف مع الشعب الفلسطيني ولكنها لن تقاتل من أجل الدفاع عن فلسطين “فهي ليست معركتها”، وأن “السياسة اليوم لم تعد تعتمد على القضايا الإنسانية” وأن “التطهير العرقي وارد عند الدول العظمى” وأنها ستنسحب من سوريا بحجة أنها ليست أولوية معتبرة أن الدول الإسلامية تخاذلت في الدفاع عن غزة فحكماً روسيا إما أضاعت البوصلة أو أجبرت للخروج من الشرق الأوسط الجديد مسلًمة المنطقة للصهيونية العالمية فتحججت بالواقعية السياسية ضاربة بعرض الحائط عقيدتها الجيوسياسية ولكن الأهم عقيدتها الدينية الأورثوذكسية والعقيدة الثقافية والتي ترتبط فيها الدولة بالكنيسة ارتباطاً وثيقاً والتي تحفظ فيها روسيا قيمها الدينية والاجتماعية والأسرية في مواجهة الغرب الليبرالي.
كما أخطأت أوروبا تماماً خطأها التاريخي حين تحالفت مع الصهيونية العالمية والولايات المتحدة الأمريكية لشن حرب على هذا الشرق وتقسيمه بدءاً من سايكس بيكو، وانتهاءاً بالمشاركة في مخطط تفكيك وتدمير الشرق مهد الديانات والحضارات وإسقاط الدولة العلمانية الوحيدة في الجوهر والتي كانت لا تزال تحتضن السوريين الأوائل والمسيحيين المشرقيين حاملي إرث وثقافة الشرق، هذه الثقافة التي نشرت القيم الإنسانية فاستنار بها العالم، مسقطة بذلك قيم الكنيسة الكاثوليكية التي صنعت أوروبا وكانت الركيزة الأساسية في بناء ثقافتها وقانونها وفكرها الغربي. وإلى اليوم لايزال الفاتيكان يواجه مخاطر الانهيارالاجتماعي في الغرب ويتحمل مسؤوليته الأخلاقية والقيمية في الدفاع عن القضايا الإنسانية منطلقاً من عقيدته الكنسية التي تحمي المجتمعات بدءاً من حماية العائلة.
ولولم يكن لهذه القيم الإنسانية أساساً في المجتمعات الشرقية والغربية لما كان هذا اللقاء التاريخي ذو البعد السياسي الديني بين بابا الفاتيكان فرنسيس والبطريرك كيريل في عام 2016 في كوبا والذي كان يتوج العصر في صحوة تاريخية حول مكانة ودور الكنيسة في العالم الحديث وفي إعادة تصويب القيم الإنسانية أمام ما وصلت إليه المجتمعات من انهيار قيمها ومن تفكيك للعائلة أساس تماسك المجتمعات، ودور الكنيسة في العلاقات الدولية وموقفها من الصراعات الجيوسياسية ولعل أهم الأبعاد السياسية الذي ناقشها هذا الاجتماع هو التقارب الروسي الأوروبي رغم الخلافات ودور الكنيسة الشرقية والغربية معاً في حماية المسيحيين في الشرق لاسيما في العراق وسوريا، حيث أعطى هذا اللقاء الشرعية للدور الروسي في المنطقة.
ولولا هذه العقيدة الإنسانية المسيحية في الشرق والغرب معاً لما بقيت المجتمعات متماسكة بفضل إيمانها.
اعتذز منك يا سيد دوغين، إن روسيا يجب ألا أن تتعاطف مع الفلسطينيين فحسب بل يجب أن تاتي بجيوشها لتدافع عن عقيدتها الروسية أولاً، عن كنيستها الأم التي بدأت في فلسطين السورية أرض السيد المسيح المقدسة مهد الحضارات والقيم، وعن بعدها الاستراتيجي في سورية، فعندما تدافعون عن سوريا تدافعون عن أمنكم القومي والعقيدي والاقليمي والوطني، أما حماية شعب فلسطين وسوريا والمنطقة برمتها من التطهير العرقي فهو واجب إنساني وأخلاقي وسياسي للدول العظمى التي تحترم قيمها لتضع حدأً لانهيارالمنظومة القيمية في العالم، وواجب كل دولة ذات سيادة وليست فقط مسؤولية الدول الإسلامية. بل من الخطأ الاستراتيجي الكبير إرجاء الدفاع عن فلسطين للدول الإسلامية في مواجهة تهويد الأرض، فالدفاع عن أبناء فلسطين وعن أرض فلسطين لايمكن أن يكون من المبدأ الديني والتعصب الديني فهذا خطأ فادح للتاريخ، لا يمكن أن نواجه مخطط احتلال الأرض باسم الدين من منطق ديني آخر ونضع المسؤولية على الدول الإسلامية لتحرير الأقصى وإلا فالأجدر والأولى أن تجتمع الكنائس المسيحية في العالم في الشرق والغرب معاً لتحريرها باعتبارها أرض السيد المسيح. فالدول لا تبنى على أساس الدين.
إن استخفاف الدول العظمى وفقدان التنبه بخطر التطهير العرقي والديني بحق شعوب المنطقة في فلسطين وسوريا ولبنان وسابقاً في العراق ليس جديراً بان يسمى قوة عظمى في هذا العالم، فالدول التي لا تدافع عن عقيدتها ومبادئها واحترامها لتاريخها لتفرض قوتها في ضبط نظام هذا العالم فهي لا يمكن إلا أن تكون كائناً في شريعة الغاب التي ستفترسها يوماً قبل أن يسقط العالم بأسره.
الأمر هنا مختلف تماماً وليس فقط تطهير عرقي عابر، إن فلسطين ليست فقط أرض المسيح ومهد المسيحية في العالم وليست موطئ الأنبياء والقديسين فقط هي امتداد أرض الحضارات من آلاف السنين، هي جزء من سوريا الطبيعية ومن هذا الشرق الذي احتضن أقدم الحضارات والإرث التاريخي وجذور الديانات السماوية، فحلب أقدم مدينة مأهولة في التاريخ عمرها 12000عام، ودمشق هي أقدم عاصمة مأهولة في التاريخ وعمرها 9000 عام. فسكان هذا الشرق حملوا هذا الموروث الثقافي والتراكم الحضاري والقيم الإنسانية لآلاف السنين قبل اليهودية والمسيحية والإسلام، وصهروا في ثقافتهم كل الشعوب التي جاءت إلى هذه الأرض الغنية، ومن دمشق انتشرت المسيحية في العالم ومن دمشق أيضاً انتشر الإسلام الذي احتضنه الشرق دون إقصاء الآخر، لا بل في هذا الشرق انصهرت الأديان والأعراق والثقافات وشكلت ثقافة جمعية تراكمية غنية ساهمت في ازدهار العالم العربي والغربي، ولذلك فشعوب هذه الأرض هم السوريون الأوائل الذين يحملون موروث الحضارة في جيناتهم هذه الحضارة التي استنار بها العالم.
هم يتعرضون اليوم للتطهير العرقي في غزة والتهجير والقتل في جنوب لبنان والتنكيل والمجازر والتهجير في الساحل في سوريا بعد تهجيرهم في العراق بالترغيب والترهيب، لتفريغ هذا الشرق من سكانه الأصليين تمهيداً لإنشاء “الشرق الأوسط الجديد” وتغيير هويته وتشويه حضارته وأديانه الثلاث من خلال دعم الفكر الإرهابي التكفيري الذي يقتل باسم الله الإسلامي وبفكر صهيوني يمحي الشعب الفلسطيني باسم الله اليهودي والغرب الذي يدعو المسييحين للهجرة تحت عنوان حماية “الأقليات” باسم الله المسيحي. والله منهم بريء.
هذا المشرق هو امتدادكم العضوي والتاريخي والحضاري أنتم أهل الشرق والغرب معاً، والمشرقيون وحدهم يحملون إرث الإنسانية جمعاء في نسيج اجتماعي واحد، ولا يضمن حمايتهم إلا دول مدنية دساتيرها تترفع عن التمييز الديني والطائفي فالدول لا تبنى على الدين وإنما على القانون والعدالة الإنسانية.
فقد قال اندريه باروه “إن لكل مثقف في هذا العالم وطنان وطنه الأم وسورية”
فمن من قادة العالم يحمل هذه الثقافة عليه أن يضع حداً لهذه المهزلة الحاصلة بالعالم.
والعالم يفرح اليوم بسقوط دولة مدنية لم تحم مسيحيي سوريا فحسب وإنما المسيحية في العالم أجمع ولم تنشر الإسلام المعتدل فقط بل تعلم العالم معنى الإسلام الحقيقي، ليضع بديلها إمارة دينية لا بل فصائل إرهابية تحكم باسم الدين والإسلام منها بريء لينفذوا مخططهم في تفريغ هذا الشرق من سكانه الأوائل ويفككوا مجتمعه الحامل لتراثه بعد أن صمتت “الدول العظمى” عن التطهير العرقي في فلسطين وفي العراق لعشرات السنوات.
هل تعلمون لماذا ندافع نحن عن فلسطين ولماذا دافعت الكثير من الدول والشعوب الحرة عن فلسطين ليس لأنها إسلامية وليس لأنها مسيحية بل لأنها أرض أبنائها السوريين الأوائل امتدادكم الحضاري حين صمت قادة العالم عن مخطط التطهير العرقي الذي حصل بحق أبناء هذه الأرض حاملي ثقافة وقيم الإنسانية.
ندافع نحن عن فلسطين لأننا ندافع عن أنفسنا وبقائنا،لأننا ندافع عن سيادة الدول وعن حق الشعوب في العيش على أرضها وتقرير مصيرها وحقها في الحياة، ندافع عن الأديان السماوية جمعاء بعيداً عن تشويهها وعن استغلالها في السياسة، ندافع عن سيادة القانون وعن الشرعية الدولية بمقابل انهيارالقيم في هذا العالم الذي سيطرت عليه الشهوة والسلطة والمال. نحن الشعوب والمجتمعات الحرة ندافع عن الإنسانية وكرامة الإنسان أينما كان حتى عن شعوبكم فالإنسانية لا تتجزأ.
أما انتم فعندما تقبلون بالتطهير العرقي لشعب المشرق السوري، سكان العالم الأوائل وحاملي إرثها التاريخي وامتدادكم العقيدي والثقافي، أنتم تنهون دولكم وتهينون شعوبكم. أنتم سلمتم الأرض إلى من سيبيعكم كما باع غيركم وتخطؤون في غير ذلك في التفكير، لتختموا على مخطط الشرق الأوسط الجديد بعد تطهيرالأرض من سكانها الأصليين الذين لا يدافعوا عن بقائهم فحسب بل يدافعوا عن بقائكم وبقاء البشرية جمعاء.
يبدو أننا بحاجة لإعادة تصويب علم السياسة في العالم وصياغة مفاهيم جديدة لتقديمها لقادة عالم جدد لم يفهموا فعل التاريخ في الشعوب ودور المجتمعات في السياسات وفي مسائل الربح والخسارة وفي القضايا الاستراتيجية الكبرى.
هل تعلمون أن المسيحية التي صنعت شعوبكم بقيمها هي ثقافة وقيم سوريا التاريخية التي عمرها آلاف السنين والمسيح جاء مبشراً بهذه الثقافة الأم، وأن المسيحية في العالم هي فقط انتشار لثقافة سوريا الأم. هل تعلمون أن الإسلام انتشر من سوريا بعد أن صهرته بثقافتها ثقافة السلام واحترام الآخر وليس قتله. وهل تعلمون أن يهود سورية الأوائل والذين تم إرغامهم على الهجرة من المنطقة بقرار دولي في ثمانينيات القرن الماضي هم الأكثر رفضاً لسياسات التطهير العرقي والقتل باسم الدين والأكثر إيماناً بأن الدول لا تبنى على أساس الدين وإلغاء الآخر وإنما على الحياة المشتركة التي كانت ثقافة سورية لآلاف السنين.
وأنتم تهجرون هؤلاء السكان لتأتوا بالمتعصبين والمتطرفين من كل أنحاء العالم وتسهلوا مرورهم للقتل باسم الدين لابل صادقتم على مجيئهم وأعطيتمونهم الشرعية ليبيدوا ما تبقى من السوريين الأوائل الذين أغنوا المتوسط بحضارتهم وصناعاتهم وفنونهم، فركبوا عالم البحار إلى المتوسط زمن الفينيقيين، السوريون الذين بنوا روما وحضارة إيطاليا أمثال ابولودورو الدمشقي وساهموا في توسع تجارة المتوسط والتبادل التجاري والثقافي في الامبراطورية الرومانية والبيزنطية ونشر المسيحية، الثقافة السورية، وفكرها وفنونها وعلومها في العالم الغربي. هم السوريون الأوائل الذين اعتمدت عليهم الدولة الأموية وساهمت في نشر الثقافة والفنون والعلوم السورية الأصيلة في العالم الإسلامي آنذاك. وهم من بنوا الأندلس حضارة اسبانيا والتي أبدعت في فنها وصناعتها للجمال والعمارة والفكر لأنها فقط حضارة سورية. منها ورثت الدولة العثمانية حضارتها وتجارتها وصناعتها ولاتزال في جشع وطمع النهب تلهث وراء المزيد. سوريا أرض المسيح هي التي جعلت من قياصرة روسيا مخلصاً للإنسانية ففعلت في تاريخ روسيا وشرقيتها. أما اليوم فقد أبدع السوريون في كل الدول التي هاجروا أو لجأوا إليها ربما تستطيع ألمانيا اليوم أن تخبرالجميع عن السوريين الأوائل فأهم أطباء ألمانيا هم من أصل سوري، فالموروث الأصيل يفعل في حضارة الشعوب.
اليوم أصبح البقاء للأقوى !!! أبهذه اللغة والمنطق تُصنع الدول العظمى؟؟!!!
يبدو أن ثقافة الكاوبوي الضحلة قد سيطرت على موروثاتكم العميقة وباعتها مقابل ثمن النفط والغاز والمعادن النادرة. أنتم جميعاً تدمرون الإنسانية بفعلتكم وتسلمون شعب سورية العريق اليوم للقتل والذبح كما سلم يهوذا المسيح صانع حضاراتكم وقيمكم.
نخجل اليوم وعلى الإنسانية كلها أن تخجل أنكم أوصلتم إرهابيين مسجلين على قوائم الإرهاب لحكم أعرق وأقدم المدن تاريخاً وحضارة، أي شعوب أنتم جاهلة بتاريخها وإنسانيتها ؟؟؟!!!
تحالفتم جميعاً لتسقطوا سوريا العظمى، سوريا المقدسة، سوريا فلسطين ولبنان، سوريا القدس وبيروت ودمشق وحلب ويافا وامتدادها …
لم أنسَ ساركوزي وبلير عندما دعيا مسيحيي سوريا للاحتماء بالغرب في بداية الحرب على سوريا عام 2011 وهم لم يكونوا قادرين على حماية مسيحيي أوروبا ذاتها وهذا باعتراف بابا الفاتيكان ذاته، لا بل سمّوا أيضاً من يمثل السوريين ممن عاش عمره في الغرب وليس في سوريا. حينها استفزني خطابهم الطائفي العنصري ومعاييرهم المزدوجة فقررت مواجهة هذا المنطق الذي لا يحترمنا، فنحن سوريون قبل أن نكون مسيحيين بالآف السنين ونحن ننتمي إلى هذه الأرض وليس إلى الدين أو الطائفة، وثقافتنا المسيحية التي نشرناها نحن السوريون في العالم هي ثقافة سوريا الأصيلة. فدخلت البرلمان عام 2012، أنا السورية المستقلة والمسيحية من دمشق عاصمة التاريخ لأقول وبالفم الملآن “نحن السوريون نحن من يتحدث باسم السوريين وليس أنتم، يا من ينادي بالديمقراطية والحرية ويقرر عنا ويصادر صوتنا نحن السوريين ويسمي من يمثلنا”، دخلت لأدافع من هذا المنبر الشرعي من الداخل عن مفهوم “الدولة”، الضامن الوحيد لبقاء شعبها، أمام من يريد تدميرها مثل ما دمر العراق قبلها. لأدافع عن هذه الأرض التي ننتمي لها ونحمل ثقافتها، دخلت لأدافع عن انتمائي وبقائي ووجودي ليس لأني مسيحية وإنما لأني سورية عمري آلاف السنين من الحضارة التي لم تفهموها إلى الآن. فالمسألة بالنسبة لي كانت مسألة بقاء ومسألة وجود.
أما أنتم فمع الأسف لم تعرفوا تاريخكم وستدفع أوروبة ثمناً باهظاً لمواقفها وسياساتها. ماذا ربحت فرنسا بعد أن تخلت عن مصالحها التاريخية ونفوذها في سورية، وماذا ربحت إيطاليا بعد ما خسرت جزء من تجارتها العضوية مع سورية والمتوسط وماذا ربحت اسبانيا من مقاطعتها لامتدادها التاريخي وماذا ستربح روسيا في تسليمها دمشق.
نعم صدق دوفيلبان حين قال “الولايات المتحدة لم تعد حليفة أوروبا” أنا أقول لكم أن اوروبا اليوم لم تعد تنتمي لأوروبا التي تعرف امتدادها العضوي في المتوسط، ولم تحم ثقافتها ومجتمعاتها وتجارتها وقيمها الغربية التي ناضلت من أجلها، فأين المانيا ومصانعها وعظمتها الصناعية اليوم؟! ألم يكن من الأفضل لها أن تتعامل مع روسيا وتأخذ غازها ونفطها من امتدادها العضوي الاجتماعي والاقتصادي، ولكن استحوذت الولايات المتحدة الأمريكية على قرارها السياسي فمنعتها وجعلتها تدفع أضعاف ما كان يمكن أن تدفعه لسنين، لأن العداء لروسيا أكل رؤوس الأوروبيين واليوم يقول لكم ترامب اذهبوا فأنا سأصبح حليف روسيا التي منعتكم من التحالف معها سابقاً، لا بل وشيطنتها في عقولكم.
خطاب الكراهية هذا نفسه هوالذي بخ السم في عقولكم لتتحالفوا ضد “الشيطان” فلم تكن حربكم على النظام بقدر ما كانت على الدولة السورية، ولم تعرفوا أبعاد انهيارها فالدولة المدنية هي التي سقطت وأسقطت معها ضمان بقائنا وحماية نسيجنا الاجتماعي الأول، امتدادكم العضوي أيضاً، الذي حمل ثقافة وحضارة الإنسانية في جيناته وفي موروثه وفي صروحه التاريخية ورموزه الدينية ومقدساته، والتي هي ملكٌ للإنسانية جمعاء.
وعندما كنا دافع عن الدولة ككيان ضامن لمجتمعاتنا، فهو لأننا ندرك أنها أساس بقائنا أمام جهلكم في سياسة منطقتنا وشعبها وتاريخها ووجهلكم في امتدادكم الحضاري وبعدكم الثقافي فيها ومصلحتكم العضوية التي ترتبط مع مصالحها وأمنكم الوطني والإقليمي الذي يرتبط مع توازن النفوذ فيها. ولكن كل من ساهم وشارك وتاجر في بيع الشرق مهد الحضارات لمشروع رخيص مهما بلغت ثرواته سيلفظه التاريخ. والازدهار لايبنى على الأحقاد والحروب والنفاق.
هل من أخلاقيات الدول العظمى يا سيد دوغين طعن حلفائها في الظهر!! عندما كانت أوروبا تحتقن بالكراهية تجاه روسيا شكلت الولايات المتحدة الناتو ليكون ذراعها العسكري لتغيير الشرق الأوسط ولتشكل قوة بمواجهة قوتكم في الشرق كما كانت تستفيد من أصوات الدول الأوروبية في الأمم المتحدة ومجلس الأمن لتضمن شرعية حروبها. وعندما انتهت من حروبها وأسقطت سوريا كمحور رئيس لهذا الشرق أدارت ظهرها لحلفائها الأوروبيين لتتحالف مع روسيا اليوم دون أن تضمن لحلفائها السابقين ربما حصصهم لا بل حمّلتهم وزر الأموال الطائلة التي دفعتها لتحمي أوكرانيا. فلم يعد من داع لا للناتو ولا للأمم المتحدة ولذلك لن يكون هناك أموال تمنح لها، فالكل أكل الطعم فماذا أنتم فاعلون!!
الدول العظمى لا تفعل هذا بحلفائها الاستراتيجيين لأن الثوابت الاستراتيجية لا تتغير، ولكن السياسات الرخيصة هي التي تبدل ألوانها وأثوابها وتحالفاتها حسب مصالحها دون أن تكترث لفعل التاريخ ولحضارة الشعوب وكرامة الإنسانية. وليس مستغرباً من بعض “قادة” هذا العالم المعاصر ما يفعلونه علناً على مسرح التاريخ فتفنن كثيرون في تصنيع الإرهاب وتسليحه وتمويله وتدريبه وهذا ما صرحت به علناً على الإعلام هيلاري كلينتون سابقاً وبعدها عام 2020 أكد السيناتور ريتشارد بلاك بشكل فاضح ان “الولايات المتحدة الأمريكية بدأت بالتحالف مع القاعدة وداعش في 2011 ليكونوا جيشاً بالوكالة لهم في سوريا لإسقاط التظام بالإضافة إلى تجويع الشعب السوري وتجميده حتى الموت”، لا بل أن بعض الدول الأوروبيه صادقت على عملهم في القتل والإجرام جهاراً حين صرح وزير الخارجية الفرنسي لوران فابوس عام 2013 فقال لجبهة النصرة “إنهم يقومون بعمل جيد”، واليوم تحالف الجميع ليأتوا بهم لحكم أعرق الدول تاريخاً وحضارة وقتل شعبها الأصيل.
نعم يمكن فهم التقارب الأميركي الروسي من مبدأ الوعي بحل القضايا الجيوسياسية في العالم كقوتين كبيرتين مسؤولتين عن الأمن والسلم الدوليين بالشراكة مع غيرهم من الدول العظمى لاسيما وأننا نشهد هذا الصعود الواعي لمحور الشرق في إطار تحالف البريكس وفي إطار منظمة شنغهاي، كما يمكن أن نفهم أي تحالفات جديدة لتوافق المصالح بين القطبين الشرقي والغربي، ولكن لايمكن أن نفهم أن النصر يكون بمصافحة الأمريكي لعرض القوة على حساب سلام الشعوب، والجميع يعرف أن الولايات المتحدة الأمريكية لا حليف لها إلا مصالحها على حساب الشعوب والكرامة الإنسانية، فلا أعلم إن كانت لغة بطش القوة ولغة الخداع والإرهاب وسياسة التحريض والكراهية وسياسة الأمر الواقع هي لغة الدول العظمى، فمن أدار ظهره لحلفائه اليوم ليصافحكم سيدير ظهره لكم غداً ليصافح من يدفع له أكثر.
مع الأسف إن سياسة الولايات المتحدة الأمريكية مع حلفائها هي جاهلة في التاريخ والحضارات ولا تعلم ماذا يعني فعل التاريخ في المصالح الاستراتيجية ولا تكترث لطبيعة الجغرافيا وعضوية العلاقات ولا لقيمة المجتمعات وتطورها وقيمة كل ذلك في علم السياسة كفاعل رئيسي. وتعتقد أنه يمكنها أن تصمم وتصنع العالم على هواها، حتى النظام العالمي الرأسمالي الذي تقوده هو نظام فاشي لا يأبه بصلحة المجتمعات ولا في شروط عيشها السليمة والمستدامة على كرتها الأرضية، وهي بذلك لا تدرك أن من يخالف الطبيعة تثور عليه الطبيعة. ومع هذه المحدودية في البصيرة ورسم السياسات رغم كل مراكز الدراسات وكل الأموال الطائلة لا يمكنهم أن يغيروا طبيعة الأشياء وأي مخطط قسري لتشكيل شرق أوسط جديد سيكون بداية لانهيار النظام العالمي كله فمن لا تاريخ له لا يعرف ماذا يعني فعل التاريخ في المجتمعات.
وقد قلناها مرارا منذ عام 2011 ونعيدها، إن ما يهدد مشرقنا سيهدد المتوسط والعالم والسلم والأمن الدوليين، فمن صنع وحوشاً من الإرهاب لن يستطيع إنهاءها ، دعمتم وسلحتم ودربتم مجموعات باسم الدين لإسقاط سوريا ومن سوريا سيبدأ انهيار أنظمتكم، فقد فقدتم كل أرصدتكم لدى شعوبكم.
إن عقل قادة الدول العظمى يمكنه أن يبني عظمة الإنسانية وليس عظمة الولايات المتحدة الأمريكية التي تبني دولتها بالحروب على حساب قتل الشعوب ونهب مواردها. الدول العظمى تعمل من أجل شعوبها وشعوب العالم ضد الظلم والاستبداد محترمة عقائدها لإحلال السلام لكل الشعوب في العالم فأخلاقيات السياسات العظمى لا تتجزأ.
ونحن ننظر بحترام وإيمان إلى الدول العظمى التي تقف مع الجانب المشرف من التاريخ، وروسيا منهم باحترامها لعقيدتها المقدسة التي لاتزال تذكّرها بمسؤوليتها التاريخية تجاه شعبها وتاريخها العريق وتجاه العالم أجمع، لاسيما بعد ان انحرف الغرب عن مساره التاريخي فأضلّ البوصلة وفقد ثقة شعوبه. أما من يريد أن يحمي مسيحية الشرق فعليه أن يتعلم حقاً أن الدول المدنية والعلمانية التي تحمي الأديان السماوية من كل تشويه هي فقط الضامن الوحيد لاستمرار مجتمعاتها وحضاراتها وعقائدها.
إلى روسيا الامبراطورية الأورثوذكسية وإلى الفاتيكان الذي ينادي بأوروبا الكاثوليكية وإلى من يحمل قيماً عريقة في الولايات المتحدة الأمريكية هل تعرفون ماذا يحصل في سوريا اليوم ؟! هل تطلعون على مخطط التطهير العرقي الذي بدأ في غزة ثم لبنان والآن في سوريا. هل هذه أضرار جانبية ؟!
ماذا لو تحالفتم اليوم معاً الشرق والغرب تاركين وراءكم أحقاد الشعوب وتعصباتها وجبال الكراهية ليس فقط من اجل إنقاذ الانسانية وإنما من أجل كرامة شعوبكم أمام التاريخ فإحلال السلام لا يكون إلا بالشراكة والاحترام المتبادل واحترام القيم الإنسانية.
ونحن اليوم في لحظة فاصلة في التاريخ وفي عالم على حافة الانهيار وهذا يتطلب إعادة الحسابات وإعادة الاصطفافات للوقوف مع الجانب المشرف من التاريخ لحفظ الإنسانية والقيم والموارد الطبيعية لخدمة البشرية جمعاء.
لن يستوي العالم إلا إذا عاد يهود سورية إلى أرضهم ودافعوا عن أصولهم كسوريين ينتمون إلى هذه الأرض ودافعوا عن نسيجهم الاجتماعي الذي جاؤوا منه وليس من عقيدة صهونية تدمر العالم اليوم وتعطي الحق بالتطهير العرقي والديني لشعب هذه الأرض وتبيح الجريمة ضد الإنسانية.
لن يستوي العالم إلا إذا عاد إسلام سورية المعتدل الذي صهرته هذه الأرض في ثقافتها وحضارتها ومنها انتشر وتوسع في العالم، هذا الإسلام الذي يدافع عن الإنسان ويتحدث بالمسامحة والمحبة وليس الإسلام الجهادي الذي يستبيح الآخر ويحرض على القتل ويعطي الحق بسبي النساء وقتل الأطفال باسم الدين.
لن يستوي العالم بأسره والعالم المسيحي إلا إذا حميتم هذا الشرق أرض الديانات السماوية والسوريون الأوائل وليس باسم الدين بل باسم الثقافة والقيم التي تحملونها في مورثاتكم وفي تاريخكم وعقائدكم السياسية فالدول المتحضرة والعظمى تعمل بمستواها الحضاري في العالم وبدونها ستتحولون إلى جثث هامدة بعد أن تتقاتلون على حصصكم من معادن ونفط وغاز هذه الأرض والتي هي ملك لشعوبها ولازدهار العالم.
لايستوي العالم إلا بقادة جدد، قادة يرسمون التاريخ ويعرفون دروسه جيداً ، قادة جدد يبنون نظام العالم الجديد
فهل يستطيع القيصر أن يرفع مجد روسيا والشرق وهل يمكن أن يعود دوفيلبان ليعيد مجد وتاريخ فرنسا بعد أن خرجت فرنسا وأوروبا من دورها التاريخي.
اليوم تصيب الصين بوصلتها والولايات المتحدة الامريكية هي في أضعف أوقاتها قوة ومصداقية أمام العالم، فالدول العظمى لا تحول العالم إلى مجازر وحروب.
فميزان العالم الجديد ونظامه الجديد سيرسم بدماء السوريين ولمن له أذان فليسمع
ومن يخالف الطبيعة ستلفظه الطبيعة …