د. طنوس شلهوب
الكلام الذي نُقل عن رئيس الجمهورية جوزف عون اثناء استقباله الوفد الايراني الذي شارك في تشييع السيد حسن (طبعاً ليس عند رئيس الجمهورية الرغبة بالمشاركة في تشييع قائد سيدخل اسمه في سجل الخالدين) لُخص بعبارة ان “لبنان تعب من حروب الاخرين على ارضه”. الرئيس لم يأتِ بهذه الجملة من عنديات افكاره. وهنا لا بد من الاشارة الى ان رئيس الجمهورية، وبما يملكه من صلاحيات دستورية، فان اكثر ما يُتاح له القيام به (وهذا ما يفعله) هو استقبال الزوار والقاء الخطب وتوزيع النصائح الداعية الى المحبة وعدم الخضوع لرغبات السياسيين (على اساس انه لا شأن له بالسياسة!!) والتخلي عن الفساد، وكذا.. ، يُضاف الى ذلك الاطلالات المتكررة للسيدة الاولى وهي بكامل اناقتها من توقيع مصممي ازياء عالميين (من دون ان تنسوا انها جنوبية وتحب الجنوب) .
بالعودة الى الفكرة التي تختزل ما يجري في لبنان على أنه حروب الاخرين على ارضه، هي الى جانب افكار أخرى عديدة اعتاد اتحافنا بها رهطٌ من السياسيين ورجال الدين والاعلاميين و”كبار الخبراء الاستراتيجيين” (من مختلف الالوان الطائفية) مثل انه بالدبلوماسية نخيف الصهاينة ونردعهم، وانه لولا المقاومة لما اعتدت اسرائيل علينا، وان سيادتنا نصونها بالحياد والخ. كل هذه “الافكار” تكمن جذورها في مبدأ قوة لبنان في ضعفه، المقولة التي شكلت المتراس الايديولوجي لقوى اليمين اللبناني لفترة طويلة منذ الستينات عندما انقسم لبنان الى اثنين :
الاول، لبنان اصحاب المصارف وكبار التجار والسماسرة الرأسماليين الذين كانت لهم اليد الطولى في السلطة وعملوا ليكون لبنان هذا على مقاس مصالحهم المرتبطة بالغرب واميركا والبترودولار الخليجي (مع انهم كانوا في الاوساط الشعبية يسخرون من العرب والعروبة والخليجيين على اساس انهم فينيقيين)، ولم يكتفوا بالتنصل من تحمل ولو جزء صغير من المسؤولية تجاه الاعتداءات الاسرائيلية المتكررة على الجنوب والجنوبيين وتجاه القضية الفلسطينية، بل انخرطوا في عنف مسلح (طبعا من خارج الدولة) ضد الثورة الفلسطينية وقوى اليسار وجروا البلاد في مشروع انتحاري الى الحرب الاهلية وارتكبوا المجازر وتسببوا للناس بالويلات والمآسي والموت والدمار والتهجير والهجرة.
والثاني، لبنان العمال والفلاحين وصغار الكسبة والموظفين والكادحين الذين حلموا وناضلوا لكي يتسع لبنان لهم، ويحظون بجزء مما يحققه الاثرياء من ازدهار وبحبوحة ورخاء، ولأنهم الناس الباحثين عن الكرامة ساندوا الشعب الفلسطيني ودافعوا عن جنوبهم عندما تخلت السلطة عن واجباتها، وقدموا الغالي والنفيس في كل المعارك التي فُرضت عليهم، وسقط منهم الالاف بما فيهم قادة مثل معروف سعد، وكمال جنبلاط واخرين.
ما زال اللبنانيون منقسمين الى هذين اللبنانين الاثنين: ليس مهما ان تخلى حزب وليد جنبلاط عن اللبنان الذي استشهد من اجله كمال جنبلاط ، وليس مهما ان قوة غير يسارية (طائفية) تقاتل اليوم في الخندق الامامي في مواجهة مشروع الهيمنة الصهيوامبريالية، فاليسار ليس انتماء ثابت في الزمان ومع كل الظروف، وفي ظروف النضال التحرري الوطني يتحدد اليسار على قاعدة من يقاتل في خندق التحرر الوطني، ولقد شهد تاريخ حركات التحرر نماذج عديدة لانخراط قوى سياسية من طبقات اجتماعية وانتماءات عرقية ودينية وولاءات سياسية مختلفة (عمال، فلاحين، برجوازية صغيرة وبرجوازية وطنية) في النضال الوطني، وعلى سبيل المثال، فان الشيوعيين الصينيين الذي كانوا تعرضوا لمجازر على يد الكومنتانغ، تحالفوا معهم لاحقاً من العام ١٩٣٨ حتى العام ١٩٤٥ في مواجهة الاحتلال الياباني للصين، وبعد التحرير خاضوا معهم المعارك وانتصروا عليهم وهرب الكومنتانغ الى تايوان.
ليس جديداً او غريباً ان ينحاز رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ومعظم رجالات السياسة والمال والاعلام والدين الى لبنان الاول، المعادي لفكرة التحرر الوطني، المرتبط بمراكز الامبريالية والخاضع لها ولادواتها السياسية والمالية والدبلوماسية والامنية، والمراهن على التطبيع، لان معيار هؤلاء هو النجاة بمصالحهم، خصوصاً اولئك الممولين من خزائن البترودولار الخليجي، في حين ان الناس الحالمين بوطن الكرامة والحرية والعيش الكريم بقياس لبنان الثاني عليهم ان يدركوا ان المعركة هي في بداياتها، وانه على المقاومين من الروافد الدينية والشيوعية والقومية ان يعملوا على صياغة برنامج الحد الادنى، والذي يربط مهام تحرير الارض بتحرير الانسان ويجمع كل اشكال النضال السلمية (في الداخل) والمسلحة (ضد العدو الصهيوني) دفاعاً عن وطننا وشعبنا.
وكما كنا نردد في المظاهرات في بداية السبعينات: رصوا الصفوف، رصوا الصفوف، درب النضال طويل طويل..