قراءات سياسية فكرية استراتيجية

 

اخر الاخبار

المسرحية… الحرب!

من طبائع سلوك البشر ان يُسقطوا فهمهم للواقع المادي بتناقضاته المتعددة والشائكة، ونظرتهم ومواقفهم من الاحداث والصراعات على هذا الواقع، ليحل انعكاس هذا الواقع في الوعي بديلاً عنه، وهكذا ينتفي الواقع بالتصورات عنه، وفي هذا النفي للواقع تأخذ الفكرة مكانه، وتنقطع عنه لتبدو قائمة بذاتها، مما يشكل الشرط الموضوعي لطغيان المثالية الفلسفية على المادية. وكما يشير لينين في تقديمه الماركسي المبدع لنظرية المعرفة، فانه مهما لامس هذا الانعكاس الواقع نفسه، فانه يبقى عاجزاً عن الاحاطة بكل تفاصيله وتعقيداته، وبالتالي، كلما كان الواقع اكثر تعقيداً فان القدرة على تفكيك تناقضاته ترتبط بالادوات المفتاحية والبنية الفكرية التي تتصدى له، ومهما قاربنا الواقع، فانه يستحيل نفيه المطلق، لانه كلما ازدادت معرفتنا به توسعت مساحة الحدود بين المعرفة والمجهول، وهذا ما يجعل من المعرفة عملية مفتوحة لامتناهية.
ولقد قدمت النظرية الماركسية منهاجاً خلاقاً لفهم الصراعات الاجتماعية وتفسير التاريخ البشري في سياق الوظيفة التي حملّها ماركس للفلسفة، الا وهي التغيير الثوري للعالم، وتمثل هذا المنهاج بالمادية التاريخية. إن الفهم المادي للتاريخ يستنبط القوانين التي تحكم التطور الاجتماعي، وبخلاف كل التفسيرات السابقة التي نظرت الى التاريخ البشري كأحداث جرت بالصدفة صنعتها ارادة الملوك والاباطرة، فان قوانين التطور التاريخي يحددها الصراع الاجتماعي بما هو صراع طبقي يجري بين الطبقة المهيمنة وباقي المجتمع، وليس بالضرورة ان يتمظهر بشكله الطبقي النقي، انما غالباً ما يتمظهر على شكل صراعات عرقية، او أثنية، او دينية، او حروب صغرى وكبرى بين امبراطوريات او امارات او اقطاعيات او بلدان، او ثورات وانقلابات ومؤمرات والخ، وكل ذلك كان يترافق مع نشوء امبراطوريات وبلدان واضمحلال اخرى في التشكيلات الاجتماعية الاقتصادية المتعاقبة التي شهدها التطور البشري.

ان المادية التاريخية لا تقدم اجابات جاهزة في تفسير كل ما نشهده من ظواهر اجتماعية، وهي كمنهج تفترض من الثوريين “الماركسيين” القيام بجهد نظري مقترن بممارسة سياسية لفهم المتغيرات والمستجدات على الصعيد الاجتماعي ولتحديد الموقع الذي يجب الانحياز اليه في النضال من اجل الاشتراكية.

واذا كنا متفقين بان المرحلة التاريخية التي نعيش فيها هي الامبريالية (كأعلى مراحل الرأسمالية) فان اول ما ينبغي تحديده هو ما هي سمة الصراع الذي تشهده منطقتنا العربية. وبالرغم من التحولات التي شهدتها منطقتنا بنتيجة الهزائم التي منيت بها فصائل حركة التحرر الوطني العربية، فان التحدي الاساسي الذي تواجهه شعوبنا يتمثل بمواجهة المشروع الصهيوني كأحدى الادوات الأكثر توحشاً للهيمنة الامبريالية.

ان اعتبار المشروع الصهيوني بمثابة رأس حربة للهيمنة الامبريالية كان من اساسيات الموقف السياسي لطيف واسع من القوى القومية والماركسية والوطنية العربية منذ خمسينات القرن الماضي، بعد النكبة وانشاء الكيان، وانكشاف دوره كنقطة ارتكاز للامبريالية في المنطقة. ويبدو ان التذكير بهذه المسألة اليوم هو ضروري لفضح كل الذين تخلوا اليوم عن هذا الموقف لمصلحة الترويج لفكرة المهادنة مع الكيان باعتبار ان اكلاف مواجهته باهظة، والبديل هو الترويج للحلول السلمية والنضال “الدبلوماسي” والخ.
وفي ظروف المواجهة الملموسة، فان الانتصار الحاسم على هذا المشروع، كونه من العقبات الرئيسة امام استقلال شعوبنا وتنمية مجتمعاتنا والافادة من ثرواتنا، لا يمكن ان يتم الا بظروف تراجع قوة الغرب الامبريالي، وهذا مرتبط بنتائج المواجهة الكبرى، (في هذه المرحلة من التاريخ)، لتشكيل عالم متعدد القطبية (حتى لو كان رأسمالياً). وبالتالي، فان كل طرح من باب “الوطنية اللبنانية” (لبنان اولاً) ونحن ما خصنا، هو موقف يصب في طاحونة المشروع الصهيوني، لان المواجهة التي تخوضها المقاومة اليوم في فلسطين ولبنان وباقي ساحات الاسناد، وبدعم ثابت من ايران، سيرتبط بنتائجها مصير المنطقة وجزئياً الصورة التي سيتشكل وفقها العالم لسنوات قادمة.
ان هذا الفهم لطبيعة الصراع، وللتناقض الرئيسي في هذه المرحلة من النضال الوطني التحرري، يستدعي الحسم في الانحياز الى الموقع الصحيح من التاريخ، الى محور المقاومة، بغض النظر عن التمايز الكبير على الصعيد الايديولوجي بين فصائل هذا المحور، وما يجري في فلسطين من قتال موحد ضد الوحش الصهيوني يجمع الفصائل الفلسطينية مختلفة الروافد الايديولوجية والسياسية والفكرية، لان الاولوية الان هي لمنع التحالف الصهيوامبريالي من تحقيق اهدافه، هو نموذج لوحدة المواجهة. وبهذا الصدد، فانه ومن مصلحة قوى المقاومة في فلسطين ولبنان ان لا تكون الدولة التي تدعمها بكل الاشكال المتاحة، ان لا تكون ضعيفة، وان لا تكون مستباحة من قبل الوحوش الامبريالية. وهنا، ينبغي الاشارة الى انه من حق ايران عدم الانزلاق الى حرب مجانية طالما انها ليست مضطرة لذلك، فالحرب على مستوى المنطقة ليست من مصلحة شعوب المنطقة، وخوض الشعبين الفلسطيني واللبناني للقتال المباشر، ودفعهما لاثمان باهظة ليس لمحبتهما للحرب، بل لاضطرارهما لمواجهة الة القتل والتدمير الصهيونية دفاعا عن حق الشعب الفلسطيني بتقرير المصير، وفي مواجهة العدوانية الصهيونية واطماعها التوسعية.
ان سطحية فهم جوهر الصراع عند البعض، او الانحياز للخيار الاميركي والخليجي، يدفع للقول بان المواجهة بين الكيان الغاصب وايران هي مسرحية، في وقت تثبت فصائل المقاومة وايران في سياق المواجهة القائمة (وهي ليست فقط عسكرية، انما وسياسية، اقتصادية، امنية، استخباراتية، دبلوماسية) ان اذرعة الاخطبوط الصهيوني المدعوم بكل ادوات القوة غربياً اصبحت ضعيفة، وانه بالمقاومة، وبالمقاومة فقط، يمكن قطع اذرع هذا الاخطبوط.
تحية لكل المقاومين، في غزة والضفة والجنوب واليمن والعراق وايران، وبفضل دماء رجال المقاومة ستنتصر اشلاء الاطفال والنساء على نازيي العصر الصهاينة ورعاتهم الغربيين.

د. طنوس شلهوب

اقرأ المزيد
آخر الأخبار