أحداث كبيرة ومتسارعة تجري على الأراضي الأميركية، منها ما يسمع به ومنها ما لا يسمح بنشره والإعلان عنه. لكن مما لا شك فيه، هناك مشاكل كبيرة كثيرة ومعقدة تجتاح كل القطاعات الأميركية.
منها ما يحمل تأثيرات جيو استراتيجية عالمية بدأت بإحداث تغييرات في الكثير من موازين القوى العالمية، ومنها ما هو متعلق بمؤشرات إقتصادية عالمية مرتبطة بالناتج المحلي الإجمالي للدول وأحجام الإستثمار والتجارة العالمية، ومنها ما له علاقة بتفلت الهيمنة الأميركية عن العديد من دول العالم التي بدأت تشكل منتدياتها وتجمعاتها السياسية والإقتصادية الخاصة.
هذا الأمر دفع بواشنطن إلى تصعيد مقاييس العنف والإجتياحات العسكرية والأمنية والسياسية، ولا سيما الثقافية – الإجتماعية منها وبشكل علني ومكشوف على غير عاداتها السابقة، أضف إلى كل هذا ما يمكن أن يحمله المستقبل من هزائم مباشرة للسياسة الأميركية في أوكرانيا وأوروبا كما في غزه والشرق الأوسط على غرار الهزيمة التي منيت بها في فيتنام مثالا.
ومن الشؤون العالمية الأخرى التي يمكن ان تؤثر على السياسة الأميركية ويمكن ان تترك بصماتها تراجعا أميركيا واضحا:
– تفلت الدول من قبضتها ورفضها للانسياق الأعمى وراءها، إن كان في أوروبا أو أميركا اللاتينية وحتى الشمالية وفي الشرق الأوسط والعالمين الأفريقي والأسيوي.
– تنامي القدرات التنافسية الإقتصادية لدول عديدة وخاصة لتجمع البريكس والتقدم الإقتصادي الصيني المضطرد بشكل خاص.
وفي النواحي الإقتصادية الداخلية الأميركية يلحظ في السنوات الأخيرة تراجعا في المستويات الإنتاجية ونقل الكثير من مجمعات الصناعات الضخمة إلى دول أخرى.
– زيادة العجز في الموازنة الفدرالية وتضخم الديون الداخلية.
– إتساع الهوة بين الطبقات وفوارق هائلة في توزع الثروات وخاصة بعد ظهور طبقة الأوليغارشيين الجدد الذين تجاوزت ثروات بعضهم الـ 200 مليار دولار فيما هناك أعداد هائلة من المعوزين المنتشرين في أنفاق المترو وتحت الجسور وخاصة من ذوي الأصول الأفريقية.
– تراجع أداء النظام الصحي.
زد على كل ذلك سرعة النمو في دول أخرى ولحاقها بالولايات المتحدة الأميركية. فبعد مرحلة الإزدهار الكبيرة التي عاشتها الولايات المتحدة فترة الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي حيث بلغ تمددها الخارجي حده الأقصى ما حملها أعباء زادت عن قدرتها.
إن قيادة واشنطن للنظام الدولي بدأت بالإهتزاز بسبب تبدل الموازين العسكرية الإستراتيجية الدولية ونشوء منظمات إقليمية ودولية مهمة، كما والتغييرات الإقتصادية الإستراتيجية أيضا، كلها بشّرت بتراجع أميركي وفقدان موقعها كدولة سوبر عظمى وحيدة، خاصة وان الولايات المتحدة هي دولة تابعة في حاجتها للمواد الخام ومصادر الطاقة ما يضعف موقعها الجيوستراتيجي. وقد أشار السياسي والإقتصادي الأميركي المعروف جيمس شليسنجر James Schlesinger إلى أن فكرة تراجع الولايات المتحدة في سلَّم القوى الإقتصادية والعسكرية والنفوذ السياسي أمر مسلَّم به.
أمام واشنطن نشأت مؤخرا عقد استعصت على الحل، ومنها اتجاه العالم بقوة نحو التعددية القطبية، ما يضعف الهيمنة الأميركية. وستكون الولايات المتحدة مُقيَّدة بإغلال إقتصادية عالمية إذ ستصطدم بالصين كأكبر تحدي في هذا المجال وبدول أخرى صاعدة نووية تقاسمها النفوذ الإقليمي كايران وكوريا الشمالية.
الولايات المتحدة تواجه حاليا تناقضات كثيرة محليا وعالميا، منها السياسي في الداخل مع بروز تحديات داخلية عديدة، وفي الخارج مع العديد من الدول والمنظمات الإقليمية والدولية، ومنها الإقتصادي في تراجع مؤشراتها الإقتصادية والمالية العامة، ومنها في هيمنتها العسكرية، ومنها الثقافي في تبنيها لقيم ترفضها الكثير من المجتمعات والأديان سواء في الداخل الأميركي أو خارجه.
ومن الأمور الهامة أيضا التي تساهم في تراجع الولايات المتحدة مسألة تراجع الثقة بالدولار وانصراف العالم عنه وتوقع انهيار قريب له.
وفي بعض الولايات نشهد حالات تمرد ليست عابرة، بل تحمل دلالات وخلاصات إن لم تعالج وبسرعة ستكون تداعياتها كارثية على الوحدة الأميركية كولاية تكساس مثالا. زد عليها الخلافات العميقة في داخل الكونغرس وما جرى إثر الإنتخابات الماضية قي 6 كانون الثاني العام 2021 واقتحام مؤيدي الرئيس السابق دونالد ترامب لمبنى الكابيتول. وهي سابقة في التاريخ الأميركي الحديث وليست بالظاهرة العابرة بعد تزوير الإنتخابات وايصال جو بايدن إلى سدة الحكم رغما عن نجاح ترامب. وللمناسبة فإن الإنتخابات الأميركية دائما ما تشهد تزويرا على خلاف ما يعتقده البعض، وخاصة في الفترة الأخيرة من خلال فرز الأصوات المرسلة بالبريد. فالنظام الإنتخابي الأميركي غير شفاق وغير ديمقراطي. ففي 36 ولاية من أصل 50 لم يكن هناك أي مراقبة حقيقية ومتابعة لإصوات الناخبين ولم يجر التأكد من صحتها، وبالتالي فان الأزمة عميقة ومرشحة للاستفحال.
ومع دخول الولايات المتحدة مرحلة السباق الإنتخابي الرئاسي يظهر جليا ان ما تقرره الحكومة العميقة يحصل، وهذا ما تكشف بصورة ولا أوضح بالأمس القريب عندما أبدل المرشح بايدن على وجه السرعة ومن دون العودة اليه بمرشحة أخرى هي نائبته كاملا هاريس. وفي هذا السياق فان الأزمة لا تبشر بانفرجات بل كما يبدو تتعمق، خاصة بعد أحداث غزه والدعم الأميركي المطلق لإسرائيل في ارتكاباتها وجرائمها وإبادتها الجماعية للشعب الفلسطيني. شاهدنا لأول مرة مظاهرات صاخبة وضخمة واعتراضات على أنقياد السياسة الأميركية بشكل أعمى وراء إسرائيل، وذلك في مختلف الولايات ومن أمام بوابة البيت الأبيض وفي داخل أروقة الكونغرس، وإضرابات واحتجاجات كبيرة لطلاب أكبر الجامعات المرموقة في البلاد، واجهتها القوى الأمنية بقسوة وعنف لا مثيل لهما. كما وحصلت إستقالات من مراكز حيوية في الإدارة الأميركية وشارك نواب من الكونغرس في وقفات الإعتراض على الدعم الأميركي لإسرائيل، وخرجت أصوات لفعاليات مؤثرة في الرأي العام وممثلين وفنانين وقادة رأي وكل ذلك ترافق مع توترات في الشارع جراء الحملة الإنتخابية الرئاسية وخاصة ان كلا المرشحين لمنصب الرئيس أعلنا مسبقا عن نيتهما عدم الإعتراف بانتصار بعضهما البعض ما سيخلق مزيدا من الكراهية والمواجهة المباشرة ويظهر عن فوضى ستدخلها الولايات المتحدة الأميركية ستزعزع وحدتها الداخلية وهيمنتها العالمية.
د. اسكندر كفوري