قراءات سياسية فكرية استراتيجية

 

اخر الاخبار

الهجمات الأوكرانية ما لها وما عليها

د. زياد منصور
باحث في التاريخ الروسي

نفذت القوات المسلحة الأوكرانية الليلة الماضية واحدة من أضخم الهجمات على أهداف على أراضي الاتحاد الروسي. وفي المجموع، دمرت أنظمة الدفاع الجوي 158 طائرة أوكرانية بدون طيار.
ووفق معلومات صحفية فقد تم تدمير واعتراض 46 طائرة بدون طيار فوق أراضي منطقة كورسك؛ وأربع وثلاثون فوق منطقة بريانسك، وثمانية وعشرون فوق منطقة فورونيج، وأربعة عشر فوق منطقة بيلغورود. بالإضافة إلى ذلك تم اكتشاف وتدمير ما يلي:
ثماني طائرات بدون طيار فوق منطقة ريازان؛ سبع طائرات بدون طيار فوق منطقة موسكو؛ خمس طائرات بدون طيار فوق منطقة كالوغا؛ أربع طائرات بدون طيار فوق منطقة ليبيتسك؛ ثلاث طائرات بدون طيار فوق منطقة تولا؛ طائرتان بدون طيار فوق موسكو؛ طائرتان بدون طيار فوق تامبوف وسمولينسك؛ طائرة بدون طيار واحدة فوق أورلوفسكايا وتفرسكايا وإيفانوفسكايا.
وأشارت المصادر الإعلامية، إلى أن حاكم منطقة كورسك لم يبلغ عن عواقب الهجوم. في المقابل فإنه وفقا لحاكم منطقة بريانسك، وكنتيجة للتشغيل الكفؤ لأنظمة الدفاع الجوي، تمكنت المنطقة من تجنب عواقب غارات الطائرات بدون طيار. أما في منطقة تفير، حاول الأوكران مهاجمة محطة كهرباء منطقة كوناكوفسكايا الحكومية. ووفقا لحاكم المقاطعة، اندلع حريق في منطقة كوناكوفو، نتيجة لذلك.
وفي إحدى مناطق منطقة فورونيج، أدى حطام الطائرات بدون طيار التي تم إسقاطها إلى إتلاف ثلاثة منازل خاصة. وفي مكان آخر، اشتعلت النيران في العشب نتيجة سقوط الحطام.
أما في منطقة ياكوفليفسكي في بيلغورود، بعد صد الهجوم، تعرضت أسطح وواجهات سبع أسر خاصة لأضرار. وفي منطقة موسكو، حاولت كييف مهاجمة محطة كهرباء منطقة كاشيرا الحكومية، بحسب رئيس محطة كاشيرا القريبة من موسكو، ميخائيل شوفالوف، لكن لم تقع إصابات أو دمار.
كما هاجمت القوات المسلحة الأوكرانية مصفاة النفط في موسكو. ونتيجة لذلك، اندلع حريق في المؤسسة. وتم إسقاط بقية الطائرات بدون طيار التي كانت تحلق باتجاه موسكو فوق المناطق المأهولة وهي رامينسكوي، بودولسك، ستوبينو، وكذلك فوق لينينسكي وأودينتسوفو. وفي منطقة ليبيتسك، تم إسقاط طائرات بدون طيار في المركز الإقليمي ومقاطعتي غريازينسكي وستانوفليانسكي، ولم يتم الإبلاغ عن وقوع أضرار جسيمة.
في منطقة ريازان أيضاً لم تقع إصابات، ولم ترد معلومات عن وقوع أضرار على الأرض. في مناطق تولا، وتامبوف، وسمولينسك، وأوريول، وإيفانوفو لم تكن هناك عواقب وخيمة.
أمام هذه الهجمات التي تأتي بعيد رد ساحق للقوات الجو فضائية على أكثر من عشرين مدينة بمن فيها العاصمة كييف، في إطار الرد على عملية كورسك، يظهر السؤال التالي: هل أن هجوم كييف واسع النطاق على أهداف على أراضي الاتحاد الروسي، هو انتقام أم محاولة عقيمة أم محاولة فرض واقع جديد؟
حقيقة الأمر يمكن تصنيف ما يجري بمشاكسة عسكرية من النوع الثقيل، والتي من الواضح أنها لن تبقى دون رد، وهو ما فعلته القوات الروسية مساء اليوم بالرد على تجمع كبير للمرتزقة من خبراء للناتو وبولونيا أصابت أهدافها بدقة، كما تحمل أبعادًا سياسية في أعقاب رفض دول غربيه منح كييف حرية استخدام صواريخ ثقيلة ومتوسطة المدى، مخافة أن تقدم روسيا على عمل ضخم سيدفع ثمنه جميع الأطراف، خصوصًا وأن العالم على مقربة من الانتخابات الأميركية في الخامس من تشرين الثاني، وبالتالي ليس من مصلحة الناتو إثارة روسيا التي أكدت أنها لن تكتفي بالرد فقط، بل ستكون مراكز الإدارة ومقرات التحكم العسكري والأمني الدقيقة الأوكرانية عرضة للقصف ومراكز التحكم والسيطرة في قلب النظام الأوكراني، وايضًا تجمعات الخبراء والأخصائيين والمدربين الغربيين بغض النظر عن هوياتهم.
ويعتقد البعض أن فضيحة اسقاط طائرة الأف 16 الأميركية الصنع منذ أو طلعة لها، قد أظهر عدم كفاءة هذه الطائرات في مواجهة الدفاعات الروسية المتطورة، وتهور بعض النخب الغربية الذين قرروا الذهاب في هكذا خطوات وتشجيع نظام كييف على تجاوز الخطوط، دون الأخذ بعين الاعتبار أنها ستكون عرضة لغضب روسي، ستتجلى مفاعيله بشكل واضح من خلال استخدام موسكو لأسلحة لم تدخل بعد في المعركة الحالية، بحيث يمكن اللجوء إليها عندما تقتضي الوقائع الميدانية ذلك.
وبغض النظر عن التكهنات، فالواضح أنه لا يمكن وصف الليلة الماضية بأنها ليلة هادئة بالنسبة لمعظم مناطق روسيا. إذ لم تخلو الأجواء الروسية من الانفجارات بسبب قوة الردع الجوي الروسي، بحيث تشير التقارير الرسمية إلى تدمير 158 طائرة بدون طيار، والتي رغم أن معظمها أطلقتها كييف، إلا أنه من الواضح أنها لا تشمل جميع الطائرات.
عمليًّا سيكون من الحماقة إنكار أن عدداً معيناً تمكن من تحقيق أهدافه. وتشمل العواقب الخطيرة وغير السارة مصفاة النفط في موسكو في كابوتنيا ومحطة كهرباء منطقة كوناكوفسكايا الحكومية في منطقة تفير، وهنا لا يهم ما إذا كانت هذه المرافق قد أصيبت بضربة مباشرة أو بالحطام المتساقط للطائرات المتهاوية؛ فحتى الضرر الناتج غير مهم.
المقصود أنه حدثت ضربة وتشكلت الصورة التي تحتاجها كييف في الإعلام وفي التواصل الاجتماعي، رغم الثقة الكاملة بمصادر البث الروسي الرسمية وغير الرسمية حول درء العدوان، لكن ما حدث ترك دون شك أثرًا على النفوس والعقول.

لا داعي للخوف من نقل معظم الحقيقة للناس من شاشات التلفاز، فالناس يريدون أن يعرفوها. خلاف ذلك، فإنهم يذهبون إلى مصادر غير رسمية، وهناك، تحت ستار هذه “الحقيقة” ذاتها، يمكنهم تخطي أي شيء يريدونه.
من الواضح تمامًا أنه رغم التقدم الروسي في لوغانسك وتهاوي دفاعات كييف المتهالكة، إلا أن الأخيرة تبحث عم محاولة لخلط الواقع الروسي وإغراقه بالوحل، وجعل كثر من محبي روسيا ومواطنيها يعتقدون أن روسيا ضعيفة.
بالطبع لا يمكن أن يكون المراقب بمثل هذه السذاجة، حين يسعى البعض إلى التجرؤ والقول إن روسيا باتت عاجزة عن مواجهة جيش أقل منها قوة، ولكن الأهم في ذلك، هو وعي مسألة أن روسيا أيضًا لن تذهب إلى قصف دول الناتو بسبب منح كييف طائرات أو دبابات رغم تأثير ذلك على سير المعارك. كما ليس هناك من افراط في التفاؤل بشأن القدرة السريعة على حسم الميدان، وهناك سلسلة ثقيلة وفولاذية من الأثقال تكبل روسيا اقتصاديا واجتماعيا، وحتى على مستوى الحلفاء الذين يمارسون في كثير من الأحيان موقفًا حياديًّا، أو يناورون بشكل يقوم على التعاطف والدعم الروحاني-المعنوي واللفظي، بدل اتخاذ خطوات أكثر جرأة في دعم روسيا، والمقصود هنا موقف الصين والهند وحلفاء روسيا التقليديين.
النقطة الثانية، وهي أنه ليست هناك حاجة إلى النظر إلى تصرفات روسيا باعتبارها ضعفاً. فلن يقوم أحد بضرب واشنطن وإغراق لندن رداً على تقديم دبابة أخرى إلى أوكرانيا، خصوصًا أن لمثل هذا التهور العواقب التي ستترتب على ذلك؟ فكيف سينتهي هذا التصعيد؟ هل روسيا مستعدة للقتال مع كتلة الناتو بأكملها – بشكل مباشر؟
بالنسبة للاستعداد، بالتأكيد أن دولة مثل روسيا ، عندما أطلقت عمليتها العسكرية الخاصة كانت مدركة تماماً لكل العواقب، ودرست بعناية خطواتها والنتائج ، وهي تمتلك القدرات لأجل ذلك ، لكن دون أن ننسى أن موسكو لم تطرح يوما قضية الإطاحة بحكم زيلينسكي علنا، ولا بتغيير النظام السياسي، بل أصرت على أهمية أن تكون المفاوضات سبيلاً لاجتثاث النازية، ومنح بعضا من الأقاليم في دونيتسك ولوغانسك من الحكم الذاتي، ومنع كييف من الانضمام إلى الناتو، وايضًا دون المساس بشكل النظام السياسي الذي يريده الشعب الأوكراني لنفسه، في سياق انتخابات حرة ونزيهة حقيقية دون تدخل للدوائر الغربية، ودون هرطقات الثورات الملونة ، وثورة الميدان وما إلى ذلك.
هل أصبحت موسكو رهينة لما أقدمت عليه تحت شعار العملية العسكرية الخاصة من الناحية القانونية، وهل هي بحاجة للإعلان عن الحرب الشاملة وبالتالي التعبئة العسكرية الشاملة؟
فعليًّا هذه مواجهة عسكرية شاملة، يمكن تسميتها حرباً، لولا أن العالم كله أخفى هذه الكلمة بعناية لمدة 80 عاماً، متقلبًّا بين تحديد سطحي لمفهوم الحملات والعمليات.
بل هي أكثر مواجهة بين قطبين عالميين. أحدهما مهتم للغاية بتدمير الثاني، وهو يستخدم لهذا صبيانه ودُماه وألعابه وعبيده، الذين يعِدَهُم بمستقبل تحت شعارات الحرية، والعبيد لا يدركون حتى أن هذه الحرية قد سلبت منهم منذ فترة طويلة.
وللمقارنة تبدو القضية أبسط من كل تصور عقلاني، إذ يقوم بتقديم كل أشكال العون لهؤلاء من صواريخ وطائرات وقنابل وتقنيات وإلكترونيات، ويخبرهم بمكان رميها، بل ويعلمهم كيفية إشعال النار على أمل حرق الجانب المزعج. في الوقت نفسه، يقف رسميًا جانبًا، وبنظرة متعاطفة، يربت على رؤوس عبيده المدربين.
دعونا لا نتبجح بالسجلات في الوثائق والصيغ الرسمية، ولنعود إلى الواقع، الذي يضيف المزيد من الأسئلة كل يوم.
لماذا وصلت روسيا الآن إلى درجة تجرؤ كييف على إرسال مئات الطائرات بدون طيار فوق المناطق الروسية؟ هل هناك حقا شيء لا يسير وفقا للخطة؟
هنا علينا أن تفهم بوضوح الخطة التي نتحدث عنها… إذا أخذنا في الاعتبار كل ما تم التخطيط له في البداية – نعم، تبقى أجزاء محترقة فقط من تلك الخطة. فلقد احترقت في نار تلك المعارك التي لم يكن لأحد حتى أن يفكر فيها في شباط 2022. فلقد دهسته الدبابات الألمانية وأطلقت عليه الرصاص من بنادق أمريكية وطائرات ومسيرات أميركية، المانية وفرنسية وهولندية وغيرها.,
إذا أخذنا في الاعتبار خطة الواقع الحالية، فإن هجوم الطائرات بدون طيار الذي حدث بالأمس، في إطارها، لا يتجاوز حدود العقل على الإطلاق. قد يبدو هذا مخيفًا، لكن هذا الوضع أصبح طبيعيًا. فالضربات ضد أهداف العدو أصبحت تكون يومية، وفي كل ساعة، ومن كلا الجانبين.
الخلاصة: منذ سويعات دوّت انفجارات مدوية في خاركوف، وردت روسيا كما ينبغي لها أن ترد وهي لن تتوقف.
في المقابل تحاول كييف الإيقاع بالروس البسطاء، بإظهار الوهم حول ضعف قيادة الشعب الروسي، وهي أغرقته في السابق في قضايا انقلاب بريغوجين المزعوم، وعملية مسرح كروكوس، وتحريك الإرهاب المتطرف الإسلامي ذو المنشأ القوقازي أو المتحدر من آسيا الوسطى، وهي مارست أعمال التفجير في مدن، ومارست أعمال اغتيال لمفكرين وصحفيين، وهي تمارس أضخم عملية الهاء عبر التاريخ. إن ضرباتها لا تحمل معنى عسكري بقدر ما تحمل معنى نفسي، وهي مدركة أنها تمارس عملا انتحاريا سيدفع بالمئات ما الشبان اليانعين اليافعين إلى المقابر.
ولهذا كله نرى أعداداً كبيرة، ونرى مستودعات النفط المحترقة، ونرى أطفالاً قتلى وجرحى.
إن مهمة كييف ومن يقف ورائها من رؤوس حامية في الغرب، هي جعل روسيا تتعثر أكثر، وكسر إرادة المؤخرة -والخلفية والبيئة الحاضنة الموثوقة خلف جبهات القتال على خط المواجهة. مؤخرة قادرة على التطور والنمو في أصعب الظروف، ومواجهة أعتى وأشد وأقسى أنواع العقوبات عبر التاريخ.
في كل حال، آن الأوان للاعتراف بأن روسيا هي في حالة حرب مع جيش محترف، يقوده بالكامل تحالف كامل يمتلك قدرات وخبراء لا يستهان بهم. فلننظر فقط إلى من زود نظام كييف ببيانات الأقمار الصناعية لغزو منطقة كورسك، وما هي كلفة ذلك؟
أما الأخطر، وهو أن تدرك القيادة الروسية، أن هجمات نظام كييف لن تتوقف، وأنها تسعى جاهدة لأن تصبح هذه الهجمات روتينية، سوف تتكرر عدة مرات، وبالتالي يجب انتزاع المبادرة العسكرية، دون اغفال أنه سيكون ثمن ذلك مكلفًا.
فعليًّا ليس من السهل والممكن حماية 100% من كل متر من الأرض الروسية الشاسعة، وخصوصًا من الطائرات بدون طيار.
لكن هل يمكن تأمين مصافي النفط ومنشآت تخزين الوقود؟ المطارات ومستودعات الذخيرة؟
اليوم قد لا تظهر تداعيات ذلك بشكل واضح، فقدرات روسيا هائلة، ولكن كما يقال فإن آلاف الجروح الصغيرة تشكل جرحًا كبيرًا ممزقًا.
في نقاش مع بعض الأصدقاء المتحمسين، الذين لا يدركون حقيقة ما يجري ويرتابون مما يسمعون، بدا لهم أن ما يحدث هو دليل ضعف روسي، وهناك تراخ لا مثيل له.
أجبت هؤلاء، أنه آن الأوان لقول كل شيء كما يجب، فلا داعي للخوف من الحقيقة، ويجب الخروج من مأزق الإنجازات التي قد لا تكون قد حدثت بالفعل، ويجب الإقلاع عن ذهنية تبييض مسار الأعمال العسكرية أمام الرؤساء والجنرالات، فهذا مسار نحو الخديعة وفقدان المبادرة، فلن يهنأ الغرب دون تحقيق هزيمة تحييد روسيا على الأقل لعقد من الزمن عن دورها وموقعها كقطب رئيس في هذا العالم.
وقد يصير لزامًا زج طاقات أكبر في المعركة، فلربما ستطول هذه الحرب، وعلى الجميع أن يطلعوا عليها وعلى حقيقة ما يجريّ
فلقد انتصرت روسيا في كل حروبها ليس فقط لأنها حروب مقدسة، بقدر ما كانت حروبا وطنية عظمى، أي حرب كل الشعب من أجل النصر.

اقرأ المزيد
آخر الأخبار