في الآونة الأخيرة، تصاعدت حدة التناقضات بين حكومة رئيس الوزراء الأرمني نيكول باشينيان والكنيسة الرسولية الأرمنية، فحتى الأمس القريب كانت المواجهة بين السلطات السياسية والكنيسة تجري وراء الكواليس ولكن مع النكسات المتلاحقة السياسية والعسكرية والإجتماعية الإقتصادية للسلطات وفشلها الكبير وخاصة في الحرب في ناغورني كاراباخ وتهجير شعب هذا الإقليم وتسليم باشينيان الأراضي المتنازع عليها الى باكو أرتفعت وتيرة الإحتجاجات الجماهيرية ودخلت الكنيسة على خط الدفاع عن مصالح الشعب الأرمني في مواجهة مباشرة مع حكومة باشينيان تحت قيادة الأسقف باغرات غالستانيان. إن ذلك لم يكن أبن ساعته ولكن أيضا بسبب تكثيف السلطات لهجماتها على الكنيسة الأرثوذكسية الأرمنية بشكل حاد عبر سن قوانين غريبة عن الشعب الأرمني وإدخال تعاليم غربية لاأخلاقية تتنافى وعادات ومفاهيم وتاريخ الشعب الأرمني المجيد التي تربت عليها الأجيال المتعاقبة. فتحت حجة الإصلاحات في الدستور تم إدخال بعض الفقرات التي تمنح دول الغرب المزيد من الصلاحيات للتدخل في الشؤون الداخلية للمواطنين الأرمن وفرض نمط غريب كليا عن هذا الشعب المكافح. وقد صرح باشينيان شخصياً أن الكنيسة الرسولية الأرمنية كانت “عامل نفوذ” منذ العصور القديمة وهدد بـ “التعامل معها بطريقة مغايرة لما كان معتمدا معها في السابق” وأعطاها مهلة ثلاثة أشهر حتى مديرية شؤون الضرائب أشارت الى إن الحكومة الأرمينية تؤيد فرض ضريبة القيمة المضافة بنسبة 20 بالمئة على أرباح الشموع المباعة في كل كنيسة، وهذا أمر لم يشهد له التاريخ سابقة.
ووصل الأمر إلى حد أن ضباط الشرطة حاولوا منع البطريرك كاريكين الثاني من زيارة مجمع سارداراباد التذكاري، الذي يحتفل به في يوم الجمهورية الأولى، حيث وصل أيضًا رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان الذي ووجه بمظاهرات شعبية اعترضت على وجوده وحاولت منعه من الوصول الى النصب التذكاري. لقد دخل النزاع المخفي بين السلطات والكنيسة مرحلة مفتوحة ومباشرة، بعد فقدان السلطة للقدرة على حشد مؤيديها في الشوارع واعتمادها حصرا على ولاء الأجهزة الأمنية، أضف الى كل هذا الضعف والعجز الذي أظهره باشينيان والتنازلات المقدمة لأذربيجان وعدم قدرة السلطات على حل المشاكل الإجتماعية الرئيسية في البلاد. ما أدى الى نشوء وضع غير مستقر للغاية وسط موجات متكررة من الإحتجاجات. وما زاد الأمر سوء هو ارتماء باشينيان كليا في أحضان الغرب مستجلبا المشاكل لبلاده ولشعبه ما قد يؤثر بشكل حاسم على مصير أرمينيا والشعب الأرمني الذي عانى كثيرا في الماضي والخشية من أن تفضي هذه السياسات غير الحكيمة المتبعة من قبل الإدارة الأرمنية الى حصول كارثة محققة في البلاد. فأرمينيا لطالما اعتدّت بماضيها وشعبها الذي يملك حضارة ضاربة في التاريخ حوصر وعانى ونفذت ضده مجازر رهيبة كادت تقضي على كل أرمينيا لولا بعض العقال الذين عرفوا كيف ينقذوا جزء عزيزا من الشعب الأرمني المسالم في منطقة ساخنة ترقد على مستنقع من البارود يغذي مشاكلها الغرب، ولا سيما بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية وفرنسا الذين تحركهم أطماعهم التاريخية بثروات منطقة جنوب القفقاس التي تضم الى جانب أرمينيا كلا من أذربيجان وجورجيا. هذه الجمهوريات التي عاشت متآخية في دولة واحدة زمن الإتحاد السوفياتي، ليأتي الغرب حاليا بقوانينه السيئة الذكر ويدمر كل ما تم بناؤه بين هذه الشعوب عبر الفتن والحروب وضخ الأموال والرشى وشراء الضمائر والحكام.
لقد حاول الغرب أيضا دق أسفين بين السلطات في جمهورية جورجيا المجاورة والكنيسة فيها باتباع نفس السيناريو في استقزاز واضح للكنيسة على نفس سياق ما جرى ويجري في أرمينيا وإدخال قوانين وقيم الى المجتمع لا تتناسب وطقوسه وعاداته وتاريخه وحضارته التي يعتز بها، ولكن الكنيسة الجورجية كانت بالمرصاد واستطاعت كسر هذه المظاهر الغربية المنافية للقيم الأخلاقية ما أثار احتجاج واشنطن وتحذيرها للحكومة بوجوب التشدد في تطبيق هذه القوانين اللاأخلاقية التي ترفضها الكنيسة ولو تتطلب الأمر صد الكنيسة والتدخل بها وبشؤونها وتفكيكها اذا اقتضى الأمر. وللمناسبة فقد قام باشينيان وللمرة الأولى بمنع التلفزيون الأرمني من بث احتفالات عيد الميلاد التي تقيمها الكنيسة الأرمنية والتي اعتاد التلفزيون على نقلها بشكل مستمر. إذا ان السلطات في أرمينيا وفي جيورجيا تمعنان وفي إنسياق أعمى للإملاءات الأميركية والغربية وقمع شعوبهم وكنائسهم لتغيير سياق التاريخ والمبادىء التي اعتنقوها منذ اكثر من ألفي سنة من التسامح والمحبة والتعقل والتعلق بالعائلة التقليدية، ليأتي الأميركي من حيث لا تدري عبر رشوة مسؤولين من صغار النفوس وبعض آخر من صغار العقل لصنع الثورات المخملية وتدمير حضارات وسوق الشعوب الى مهالكها المحتومة.
ان النزاع الجاري في أرمينيا سيترك لا محالة آثارا عقيمة على البلاد باسرها ولا مفر للسلطات في يريفان من العمل على التقاط الفرصة السانحة وعلى أقل تقدير تكرار تجربة جورجيا في التوافق بين الكنيسة والسلطات لمنع البلاد من الانزلاق التام الى الفخ الأميركي المتربص بها والذي سيقودها حتما الى ما لا تحمد عقباه.
د. اسكندر كفوري