لبنان*
جرائم الاحتلال*
سوزان مكه
السبت 6 تموز 2024
سلاح التجويع هو الاقدم في العالم وأرخص الأسلحة، يستخدمه العدو عمداً كتكتيك عسكري لتجويع السكان المدنيين بهدف القضاء عليهم وإبادتهم، منتهكاً كل القواعد القانونية والمواثيق الإنسانية الدولية. في الحرب العالمية الثانية، استخدمت القوات النازية سلاح المجاعة، بهدف الضغط على الحكومات والشعوب المعارضة لها، فهددت بها المناطق التي قاومتها ورفضت التعاون معها. وحدثت أكبر مجاعة بين عام 1941 و1944 في الاتحاد السوفياتي، حيث مات الملايين بسبب الجوع والأمراض المرتبطة به.
وفق خبراء الأمن الغذائي «يمكن لغارة تكتيكية، في التوقيت المناسب، أن يكون لها التأثير نفسه الذي تحدثه استراتيجية الأرض المحروقة الواسعة النطاق»، وفي الحالتين، فإن «الجوع نتيجة للعنف أمر مروع سواء كانت الوسائل المستخدمة لتحقيقه غامضة أم صارخة».ويعمد العدو الإسرائيلي، منذ بداية الحصار الكامل لقطاع غزة، وبعد السابع من أكتوبر، إلى استخدام سلاح تجويع الشعب الفلسطيني، عن سابق تصور وتصميم، وفق تصريحات علنية ادلى بها مجرمو الحرب، كوزير الدفاع الإسرائيلي يواف غالانت الذي صرّح علناً بأنه «لن يكون هناك لا كهرباء ولا طعام ولا وقود ولا دواء بعد الآن» لسكان غزة، «فنحن نقاتل حيوانات بشرية وسنتصرف وفق ذلك».
وفي وقت يَهدُر العالم نحو 1.5 مليار طن من الطعام سنوياً، أصبح الجوع هو السلاح الذي يفتك بحياة الفلسطينيين. اذ تعاني غزة من نقص حاد في الغذاء والمياه، ويطحن أهلها علف الحيوانات لصنع الدقيق لسد جوع اطفالهم ويشربون مياه الصرف الصحي أو المياه المالحة، بينما تُلقى المساعدات بعد أشهر من الحرب والحصار والانتظار، فتفتك بها الصواريخ ويختلط الخبز بالدم.
في أحدث حروب المجاعة التي نراها اليوم على الشاشات، يواجه أكثر من مليون وربع مليون فلسطيني إبادة جماعية بالمجاعة ينتهجها العدو الإسرائيلي في ظل غياب إرادة جماعية لمنعها، ورغم تحذيرات المنظمات الإنسانية. إذ تؤكد الأمم المتحدة، «وجود أدلة إحصائية دامغة على الكارثة الإنسانية في غزة، وأنها تحولت إلى مجاعة من صنع البشر»، و«إن إسرائيل تتحمل مسؤولية كبيرة، لاستخدامها المجاعة كسلاح في حربها ضد غزة، وذلك يعتبر جريمة حرب» وفق لما صرح به فولكر تورك كبير مسؤولي حقوق الإنسان في الأمم المتحدة.
*المواثيق الدولية تحظر استخدام التجويع سلاحاً في الحرب*
ينص الإعلان العالمي لحقوق الانسان في مادته الـ 25 على انه «لكل شخص الحق في مستوى معيشة يكفي لضمان الصحة والرفاهية له ولأسرته، خصوصاً على صعيد المسكن والغذاء والعناية الطبية والخدمات الاجتماعية الضرورية». بينما يحظر القانون الإنساني الدولي وقوانين الحرب، «تجويع المدنيين كوسيلة للحرب»، وهذا الحظر يتم انتهاكه أيضا عندما «يتعرض السكان للجوع نتيجة للحرمان من مصادر الطعام وإمداداته»، إذ يعد «اخضاع جماعة عمدا لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي الكلي أو الجزئي إبادة»، وفقا للمادة الثانية من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية. ويؤكد نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في مادته الثامنة على أن تجويع المدنيين عمدا «بحرمانهم من المواد التي لا غنى عنها لبقائهم، بما في ذلك تعمد عرقلة الإمدادات الغوثية» هو جريمة حرب. وإثبات هذا الأمر في غزة «لا يتطلب القصد الإجرامي اعتراف المهاجم، ولكن يمكن استنتاجه من مجمل ملابسات الحملة العسكرية».
عام 2018، صدر عن مجلس الامن التابع للأمم المتحدة القرار 2417 الذي يحظر استخدام التجويع كسلاح في الحرب، وأدان تجويع المدنيين، و«الرفض غير القانوني لوصول المساعدات الإنسانية» و«العرقلة المتعمدة لإيصال المساعدات»، وأكد على وجوب حماية الهياكل اللازمة لإيصال المساعدات الإنسانية والإنتاج الغذائي إلى أي بقعة محاصرة. وفي السياق نفسه، من الصلاحيات الأساسية لمجلس الأمن، فرض عقوبات على «الأشخاص أو الكيانات التي تعيق تقديم المساعدة الإنسانية أو وصولها أو توزيعها». وبطبيعة الحال، فإن إمكانية فرض هذا التدبير ضد إسرائيل أمر مستبعد بسبب حق النقض الأميركي.
*إطلاق صفارة الإنذار من دون اعلان رسمي عن المجاعة*
في سياق الحلقة الأخيرة من السياسة الإسرائيلية المتكاملة للانتقام بإبادة شعب كامل، وبفعل تصعيد جريمة التجويع الإسرائيلية، دعت 70 منظمة حقوقية دولية في بيان مشترك، كافة الجهات الرسمية المعنية والمنظمات الدولية والأممية المختصة إلى إعلان المجاعة رسميًّا في قطاع غزة في ظل سرعة انتشارها، وارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد، واتساع رقعتها جغرافيًّا وبين جميع الفئات، خصوصا الأطفال. وعدم الاعلان لن يغير من حقيقة أن المجاعة الطاحنة انتشرت فعلا في أرجاء القطاع، ولقي العديد من الفلسطينيين حتفهم بسببها. ولكن في حال حصوله، ستكون له تداعيات مهمة، ويقدم أدلة ظاهرية تضع عبئا «أخلاقياً» إضافياً على شركاء الإسرائيلي وحلفائه، وتزيد الضغط على المجتمع الدولي لوضع حد لتفاقم الأوضاع في غزة ورفع الحصار عنها. وفي الإطار نفسه، فإن الإعلان الرسمي عن المجاعة يعني «الاعتراف» بأن العدو الصهيوني ارتكب بالفعل جريمة «تجويع بحق المدنيين»، واستخدم سلاح المجاعة كأداة للحرب والابادة، ما ستكون له اثار في غاية الاهمية بدفع عملية محاسبة ومحاكمة العدو الصهيوني قدما.
*انعدام الامن الغذائي في غزة*
انتهجت إسرائيل سياسة تجويع الفلسطينيين منذ أن فرضت عليهم الحصار قبل أعوام، فتحكمت بكامل سلاسل التوريد الغذائية لا سيما المساعدات التي كانت عصب الحياة لأكثرية السكان المحاصرين. وفي انتهاك صارخ لاتفاقية جنيف الرابعة، وبعد اصدار وزير الحرب يوآف غالانت أمرا بفرض حصار كامل على غزة، تسارعت سياسة التجويع بفعل الحرب الهمجية المستمرة منذ 9 أشهر، إذ اتبعت إسرائيل سياسة الأرض المحروقة، فدمرت المحاصيل الزراعية ومنعت السكان من الوصول اليها، واستهدفت المخابز والمطاحن، واعدمت مزارع الثروة الحيوانية وأغلقت المعابر البرية منعا لدخول المساعدات، حتى اصطياد السمك أصبح جريمة تستدعي العقوبة والاستهداف وقد تؤدي بصاحبها للموت. وتتفق العديد من التقارير على أنه في حال استمرار الحرب والحصار وتواصل القيود المفروضة على دخول المساعدات، فإن عدد الضحايا جراء الجوع والمرض سيكون ضعف عدد الضحايا جراء العمليات العسكرية الوحشية.
1- يعاني جميع سكان غزة بفعل سلاح التجويع من مستوى غير مسبوق من الظروف الشبيهة بالمجاعة، إذ يجد 80% من السكان أنفسهم يواجهون انعدام الأمن الغذائي الكارثي وفق تقرير أصدرته «مجموعة التغذية العالمية» بعنوان «تحليل الوضع الغذائي في غزة». وكشف أن فحوصات التغذية التي أجريت في الملاجئ والمراكز الصحية في شمال القطاع، أظهرت «أن 15.6% من الأطفال دون سن الثانية، أو 2 من كل 6 أطفال، يعانون من سوء التغذية الحاد، ويعاني ما يقرب من 3% من بين هؤلاء من الهزال الشديد، وهو الشكل الأكثر فتكاً من سوء التغذية، ويعرض الأطفال لخطر المضاعفات الطبية والوفاة إذا لم يتلقوا العلاج الطارئ».
2- رصدت «لجنة مراجعة المجاعة» في تقريرها الأخير ما يكفي من الأدلة التي تؤكد أن نصف مليون إنسان على الأقل في قطاع غزة، أو أسرة واحدة على الأقل من بين كل ثلاث أسر، يعانون المجاعة، أي الطور الخامس والأشد كارثية من انعدام الأمن الغذائي الحاد، الذي يتسم بالمعاناة من فجوات شديدة جدا في الأمن الغذائي وانهيار سبل العيش. بحسب التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي الذي جاء وصفه ثمرة تعاون بين الجهات المعنية بقضايا الامن الغذائي (منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، لجنة اوكسفورد للإغاثة من المجاعة ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة وبرنامج الغذاء العالمي). وجد التحليل ان 80% من سكان القطاع يواجهون تبعات الطور الرابع من مرحلة انعدام الامن الغذائي الحاد أي حالة الطوارئ، أو الطور الخامس أي المجاعة. كما يصنف التقرير كل السكان في القطاع المحاصر على أنهم في جميع الأحوال في الطور الثالث على الأقل من مرحلة انعدام الامن الغذائي الحاد، وينبه إلى تدهور الوضع بشكل متسارع.
3- يقول تقرير لـ «شبكة أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعة» المعتمدة دوليا أنه «من المحتمل أن تكون المجاعة أمرا واقعا في شمال غزة، وأن الناس بمن فيهم الأطفال يموتون جوعا في كافة أنحاء القطاع، بينما يؤجل الإعلان الرسمي عن المجاعة بسبب الحرب التي تعيق الوصول إلى البيانات. تظهر الأنباء الواردة من غزة إلى أن معدل سوء التغذية الحاد بين الأطفال دون العامين ارتفع بشكل مخيف ليصل إلى حوالي 30% من الأطفال في شمالي غزة و15% في جنوبها»، وفق عاملين في «منظمة العمل ضد الجوع» غير الحكومية. بينما أكدت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسيف» أن 9 من بين كل 10 أطفال في غزة يعانون من نقص خطير في الغذاء
4- توقعت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) بالاشتراك مع برنامج الأغذية العالمي في تقرير خاص ببؤر الجوع الساخنة في العالم أن يواجه أكثر من مليون شخص في قطاع غزة المجاعة والموت بسبب بلوغ المرحلة الخامسة من الجوع، بحلول منتصف تموز/ يوليو ما لم تنته الأعمال العدائية، وتُمنح الوكالات الإنسانية حق الوصول الكامل (للمناطق المتضررة)، وتُستعاد الخدمات الأساسية. فاستمرار الحرب سيؤدي إلى تفاقم الجوع الحاد ليصل إلى مستويات كارثية تؤدي للموت. كما أكدت الأونروا أن سكان القطاع يعانون من سوء التغذية ويواجه أكثر من مليون انسان المجاعة.
5- منع إدخال الغذاء والدواء أسلوب خطير وغير إنساني يأتي ضمن حرب الإبادة الجماعية بحسب مدير المكتب الإعلامي الحكومي في القطاع، اذ إن «غزة تتجه نحو مجاعة بشكل متسارع وشبحها يهدد حياة المواطنين بشكل مباشر، وهو ما ينذر بارتفاع أعداد الوفيات بسبب الجوع، خصوصاً بين الأطفال، حيث يواجه أكثر من 3500 طفل خطر الموت بسبب سوء التغذية وانعدام المكملات الغذائية واللقاحات التي أصبحت ضمن البضائع الممنوعة من دخول القطاع، كما تنتشر ظاهرة إصابتهم بالهزال والضعف الحاد والأوبئة». ووثق المرصد الأورو متوسطي لحقوق الإنسان نحو 49 حالة وفاة بين الأطفال في قطاع غزة بفعل الجوع وانعدام الأمن الغذائي، وهذه الحصيلة تستند إلى ما يصل للمستشفيات فقط بينما العشرات يفارقون الحياة بصمت، نتيجة المجاعة من دون أن يتمكنوا من الوصول إلى المستشفى ونتيجة إصرار إسرائيل على ارتكاب جريمة التجويع واستخدامه كسلاح حرب، في إطار جريمتها الأشمل في الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة.
*الكارثة*
حملت المنظمة الإسرائيلية «بتسليم» التي تُعرف نفسها بأنها «مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في المناطق المحتلة»، المسؤولية عن «جريمة التجويع» في غزة لإسرائيل. وفي تقرير بعنوان «عار التجويع» نشر عبر موقعها الرسمي استعرضت «بتسليم» أزمة الجوع وعواقبها على المدنيين في غزة. كما اشارت الى تسبب إسرائيل بأزمة إنسانية تتفاقم يوماً بعد يوم حتى بلغت «الكارثة»، نتيجة رفض ادخال الإغاثة الإنسانية عبر المعابر البرية. وحتى عندما وافقت في أعقاب الضغط الدولي على السماح بإدخال المساعدات، فعلت ذلك ببخل شديد وعلى نطاق أبعد ما يكون عن تلبية احتياجات السكان، بل قدمت صورة زائفة توهم بها العالم بعدم وجود أزمة خطيرة في كميات المواد الغذائية داخل القطاع. ووفق مجموعة التقارير التي اعتمدتها المنظمة، والصادرة عن هيئات دولية، خلصت إلى الاستنتاج المؤسف بأن أكثر من نصف السكان يعانون من نقص كارثي في الأمن الغذائي وفي الدرجة الرابعة والخامسة من مؤشر الجوع، وإلى أن إسرائيل ترتكب في قطاع غزة منذ أشهر جريمة التجويع الواردة نصها في القانون الدولي. وتتصرف إسرائيل في تجاهل لأي معيار أخلاقي أساسي وانتهاك صارخ لما يلزمها به القانون الدولي، وأن الهدف من ذلك هو «محو غزة» واستهداف كل من فيها لا سيما الأطفال كما ختمت الوثيقة.
المصدر : جريدة الاخبار – ملحق القوس