قراءات سياسية فكرية استراتيجية

 

اخر الاخبار

المؤامرة المستمرة..!

د. اسكندر كفوري

في الثالث عشر من آذار الماضي غادرنا إلى الأخدار السماوية بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية البلغارية نيوفيت بعد صراع طويل مع المرض. دفن غبطته في أجواء حزن لفت البلاد واصطف الآف البلغار في صفوف على طول الشوارع التي سلكها موكب جنازته لما يعرف عن البلغار من ايمان وتعبد وتعلق بكنيستهم التي كانت إلى جانبهم في الملمات.
المدهش انه وفي هذه المناسبة الحزينة حاول البعض الخارجي انتهاك الخصوصيات والدخول من باب الإستغلال الرخيص والوقح، فوصل البطريرك المسكوني بارثلماوس لحضور الجنازة وهو أمر عادي وطبيعي، ولكن غير الطبيعي انه حمل معه رجلا يدعى ابيفاني صيّره بالإتفاق مع المخابرات الأميركية والرئيس الأوكراني السابق للسلطة النازية الانقلابية بيتر بوروشينكو رئيس مجموعة تطلق على نفسها زورا أسم كنيسة أوكرانية وللمفارقة فهي لا تضم إلا علمانيين أو مفصولين من الكنيسة الأوكرانية. لقد عمل بارثلماوس بغطاء أميركي – نازي عبر هذه المجموعة التي تساندها علنا عصابات معروفة الى جانب الشرطة المحلية، على اغتصاب واحتلال بعض الكنائس والأديرة ومباني تملكها الكنيسة الشرعية الأوكرانية، نعم لقد استولوا بالقوة والعنف على بعض الكنائس وطردوا مؤمنيها.
إن اصطحاب بارثلماوس لرجل نكرة يشكل تحديا واستغلالا وقحا وسافرا لمناسبة حزينة مؤلمة للعالم الأرثوذكسي ولمؤمنيه، خاصة وان الكنيسة البلغارية لم تعترف بهؤلاء رغم ضغوط السفارة الأميركية في صوفيا وجولات بومبيو ومبعوثيه وضغوط السلطات البلغارية والبطريرك المسكوني. لقد كان المشهد سورياليا بالفعل حيث أُجلس المدعو ابيفاني بعيدا ولم يسمح له بالمشاركة في الصلاة.
الطريقة النافرة التي يروج لها البطريرك المسكوني بأوامر معروفة أصبحت تتردد في كل مكان وكأن لا عمل له ولا هدف إلا تقسيم الكنائس الارثوذكسية والقضاء عليها لسبب غير معروف. وهو منذ وفاة البطريرك نيوفيت وقبله يسعى لتقسيم الكنيسة البلغارية وغيرها والاستيلاء عليها مع مرشديه بالرغم من تاريخ هذه الكنيسة العظيم المرتبط بمحيطها وبتعاليم آبائها القديسين، هذه الكنيسة الملتزمة منذ نشأتها وما زالت بالتعاليم والقوانين والشرائع الأرثوذكسية، وإذ بالبطريرك بارثلماوس يريد إنتزاعها من شعبها وسلخها عن تاريخها وحاضرها وارثها وتقاليدها ليرميها قربانا امام مذبح المخابرات الأميركية لقاء ثلاثين من الفضة. كما انه باشر العمل بقوة بارشادات واضحة من وراء المحيط على التدخل الفظ مع بعض مطارنة هذه الكنيسة في غياب بطريركها، مرة بالاغراء ومرات بالترهيب وبضغوط مرشديه لجذبهم والتدخل في الانتخابات المرتقبة لاختيار بطريرك جديد للكنيسة البلغارية نهاية هذا الشهر حيث يأمل البطريرك بارثلماوس ان يكون البطريرك الجديد من أصحاب البدع الجديدة التي نبذها الأرثوذكس ويدفع اليها رعاته بقوة نحو المثلية وتغيير الجنس والتسلط والهيمنة والفرض.
لقد عبّر الشعب البلغاري عن حالة رفض كبير لهذه الألاعيب الغريبة عنه وتظاهر عدد كببر جدا من مؤمني الكنيسة لوقف هذه المهزلة وإبعاد الأيدي الخارجية عن التدخل في الشؤون الداخلية للكنيسة البلغارية.
كما وصل السخط والإستياء حتى إلى صفوف الأحزاب السياسية، فقد حذر كوستادين كوستادينوف مؤسس ورئيس حزب النهضة البلغاري، رئيس البلاد رومين راديف من الضغوط الخارجية في الإنتخابات البطريركية، وكما قال فان هذه الضغوط “تقود كنيستنا إلى الإنقسام” وتابع “ليس سراً أن بطريركيتنا تتعرض لضغوط أميركية قوية، وبارثلماوس يلعب دور السلاح الرئيسي في هذا الضغط”. ودعا إلى عقد مجلس إستشاري للأمن القومي البلغاري بسبب التدخل الأميركي في الإنتخابات البطريركية المقبلة، مشددا على ان مثل هذه التصرفات المشينة “ستقود كنيستنا إلى الإنقسام، مثل الكنيسة الأوكرانية ودولتنا تنقاد إلى الحرب مثل الدولة الأوكرانية. إذا أردنا تقييم عواقب هذا الإنقسام، فيمكن لكل واحد منا أن يدرس بعناية الإنقسام في الكنيسة الأوكرانية، والإضطهاد، والإعتداءات الجسدية على الكهنة هناك. إن الكنيسة الموحدة والمستقلة هي عنصر مهم في الدولة الموحدة. تاريخيًا، كلما فقدت دولتنا استقلالها، فقدت الكنيسة أيضًا استقلالها”.
ولفت الى أن الكنيسة الأرثوذكسية البلغارية، هي ركيزة للمجتمع البلغاري كما انها عامل مهم في تثبيت الأمن القومي وأضاف “من غير المقبول أن تخضع كنيستنا لسيطرة عملاء النفوذ الأجنبي الذين يتم تقديمهم على أنهم رجال دين”.
إن دور الولايات المتحدة في عملية السيطرة على الكنيسة الأرثوذكسية البلغارية ساطع وجلي. ومن الواضح أيضا أن هذا يتم بالتعاون مع البطريرك المسكوني وبعض المطارنة والأساقفة البلغار الذين انتهكوا القوانين وخدموا بضغط ظاهر مع المنشقين في تركيا.
لقد دفعت هذه التدخلات الخارجية الفظة في الشؤون الكنسية البلغارية حتى رجال الدين الذين في العادة يلتزمون الصمت، الى التصريح برفض كل ما من شأنه المس باستقلالية قرارهم حيث أكد نيافة المطران غابرييل رئيس ابرشية لوفيتش المعروف بالتزامه المبدئي القوي، أن الأساقفة الذين جرى اغراءهم وتشاركوا مع المنشقين في الاحتفال الكنسي دون موافقة المجمع البلغاري المقدس الذي لم يعترف قط بشرعية المنظمة الأوكرانية الانشقاقية مستغلين شغور السدة البطريركية بعد وفاة البطريرك، يتعين مساءلتهم كما ووضع حد للتدخل الخارجي.
وقد أطلق آخرون في بلغاريا نفس التحذير، فقد تحدث البروفسور اللاهوتي إيفان زينيف عن الإحتفال في تركيا باعتباره خطوة علاقات عامة من قبل أحد المطارنة البلغار وقال “مع إقتراب موعد الإنتخابات، أصبحت النزعة والضغوط الأوروبية الأطلسية تتزايد إلى حد كبير والبطريرك برثلماوس الذي تقف خلفه وزارة الخارجية الأميركية ضاعف من نشاطاته داخل الكنيسة البلغارية ودفع ببعض المطارنة للمشاركة مع منشقين غير معترف بهم في الصلاة “وذهب المتروبوليت نيكولاس بلوفديف لينحني لبرثلماوس هناك ويحصل على دعمه” في الانتخابات لمنصب البطريرك.
لقد أثار الإحتفال مع المنشقين أيضًا سلسلة من رسائل الإحتجاج من رجال الدين والرهبان والعلمانيين البلغاريين. ومع هذا التوتر، وجه ثلاثة مطارنة، سيادة المطران غابرييل من لوفيتش، وسيادة المطران سيرافيم من نفروكوب، وسيادة المطران دانييل من فيدين، نداءً من أجل زيادة الصلاة في الفترة التي تسبق الانتخابات البطريركية.
من قال للبعض ان احتضان المدعو زوريا من مجموعة منتحلي الصفة في اوكرانيا وهو أحد الأعداء الرئيسيين للأرثوذكسية في أوكرانيا ستساعد على الوصول الى منصب بطريرك؟
هل اصبح تقبيل زيلينسكي ورقة مرور للسياسيين في اوروبا امام مرشديهم في البيت الابيض ومعانقة مدعي الصفة زوريا (عين نفسه مطرانا على منظومة في اوكرانيا تسمى نفسها كنيسة) مفتاح الطريق الى قلب البطريرك بارثلماوس المتدخل في أمر لا شأن له فيه داخل الكنيسة البلغارية؟!؟
وهل أصبح إرضاء واشنطن التي يتحدث باسمها البطريرك بارثلماوس هو الطريق لاعتناق الأرثوذكسية والفوز بمناصبها القيادية بدل الانصراف الى العبادة والتقوى والإيمان والتعفف؟!؟
“لقد صدر عن مطارنة وكهنة في الكنيسة البلغارية البيان التالي: “نحن نعارض بشكل قاطع مشاركة الكنيسة الأرثوذكسية البلغارية في الشؤون السياسية، وخاصة تلك التي تقع خارج حدود بلادنا. نذكركم أن كنيسة المسيح القانونية في أوكرانيا كانت دائمًا ولا تزال الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية التي يقودها حاليًا متروبوليت كييف أونوفري. إن الكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا التي تم إنشاؤها حديثًا والتي روج لها البطريرك المسكوني بارثلماوس بشكل كبير، هي في أحسن الأحوال مشروع جيوسياسي في ثوب الكنيسة، وعلى أي حال، كنيسة زائفة”.
“… نعرب عن استيائنا من المصطلحات الكنسية التي أدخلتها البطريركية المسكونية حديثًا والمستخدمة بشكل متزايد فيما يتعلق بـ “الكنيسة الأم” و”بناتها”. هذا المصطلح يقوض الفهم التقليدي للكنيسة باعتبارها جسد المسيح السري… نعلن أن حضور البطريرك برثلماوس في الانتخابات المقبلة للبطريرك البلغاري، والتي يدعي أنه دُعي إليها، أمر غير مرغوب فيه على الإطلاق. لقد كانت أفعاله وتصريحاته في السنوات الأخيرة دائمًا مصدرًا لفضيحة كبيرة للعديد من المؤمنين في بلغاريا… لا نريد حضوره… نحن نسترشد فقط بضميرنا ككهنة ومسيحيين”.
للاسف الشديد لقد اوصل البطريرك المسكوني الحالة المسيحية الارثوذكسية الى هذا الدرك بسبب ارتباطاته المشبوهة وطموحاته الجامحة للتسيد والهيمنة تماما كمرشديه في البيت الابيض الذين سيدمرون العالم للحفاظ على هيمنتهم وتسلطهم على العباد.

اقرأ المزيد
آخر الأخبار