قراءات سياسية فكرية استراتيجية

 

اخر الاخبار

“لا دماء مقابل النفط”… هل تذكرون؟

لم يكن مقدّرًا لهؤلاء الطلّاب أن ينتفضوا وإن سبق للطلّاب أن انتفضوا سابقًا في العام 1968 ضدّ حرب جمهوريتهم الفدرالية على فيتنام VietNam، وقيل لنا حين كنّا على مقاعد الدراسة بأن صورة لطفلة فييتنامية عارية تركض وهي تحترق جراء القصف الوحشي هزّت الضمائر، ولولا الصورة لما كان ما كان، ولما سحبت أميركا جنودها من فييتنام.
كان الدرس الأول عن حرب الصورة في الإعلام…
كلّ التركيز كان على تلك الصورة، وعلى الرغم من فظاعتها تمّ التغاضي إعلاميًّا عن المقاومين الفيتكونغ الذين كانوا يخرجون من تحت الأرض في ظلّ عدم توافق تكنولوجي في الأسلحة مع الأميركيين، لكنّهم أذاقوهم مرارة كأس أن تدخل وتحتلّ بلدًا ليست ببلدك.
وتوالت تلك الحروب في سبيل السيطرة على مقدّرات العالم بمنهج متوحّش لا إنساني… قبل فيتنام، كانت اليابان وتجربة القنبلة الذريّة، وبعدها كمبوديا، ويقولون إنّهم ذاهبون لتحرير الشعوب من صلف الشيوعية الملحدة، أليس الشعار الرسمي للولايات المتحدة الأميركية “بالله نثق” In God We Trust؟
وهؤلاء الشيوعيون لا يعرفون الله…
وما لبثت بعد انهيار الاتّحاد السوفياتي والوقف المستقطع الذي استغرقته روسيا للملمة ما تبعثر منها وانتهاء الحرب الباردة في المواجهة المباشرة بين القطبين، إنّما المستعرة من خلال حروب البروكسي Proxy Wars، على مسارح بلدان أخرى، أنْ تحوّلت “الشيوعية” كعنوان للحروب إلى “الإسلام”، فتحوّل الرجال الأحرار كما وصفهم رونالد ريغان يوم كان رئيسًا للولايات المتحدة الأميركية إلى إرهابيين في أفغانستان، فالبارحة كانوا يقاتلون ضد الشيوعية و”أحرار”، غير أنّهم تحوّلوا بين ليلة وضحاها إلى “إرهابيين” وبدأت الحرب ضد الإرهاب، وفجأة تمّت السيطرة على العراق … ولم يجدوا أسلحة الدمار الشامل التي استُخدم للترويج لها الأمين العام للأمم المتحدة أنذاك كولن باول- وللمفارقة عبر الصورة-، وفجأة يصبح “الأحرار” الذين باتوا “الإرهابيين” ليعودوا معارضين “أحرار” في سوريا… وتطول اللائحة… في تناقضات… يمحيها العمل على شطب الذاكرة لتمرير الأفلام الهوليوودية المخطّط لها أن تبث من خلال الشاشة وتأثير الألوان والصور والممثلين البارعين المؤثّرين على عقول الكبار في السن، كما على الشباب، فيغرق المشاهدون ويكتفون بكونهم مشاهدين… تُمرّر لهم كل الأفكار التي تجعلهم “حياديين” لا همّ لديهم سوى العيش والاستمتاع بهذه الحياة القصيرة على الأرض، ولا بأس إن كانوا مجرّد أرقام في لوائح الشركات التجارية الكبرى، شركات صناعة الأسلحة والسيارات والأفلام و… “نشرات الأخبار”.
لم يكن مطلوبًا منهم أكثر من ذلك، فهم أرقام، سواء كانوا أميركيين أو روس أو أو أو… فقد ولدنا كي نعمل من دون تفكير كي نتلقّى راتبًا ندفع منه ضرائب ومن ثم نشتري ما بوسعنا أن نشتريه ممّا تنتجه الشركات العالمية التي رسمت لنا شكل الجمال والأنوثة والرجولة وكيف نرتّق بعضًا من عجزنا كناس بسيّارات فارهة يحتاج ثمنها إلى مضاعفة الديون لتسديدها ومن ثم مواجهة معضلة التسديد للمصارف في حلقة مفرغة تبقي هذا الكائن البائس- هذا الإنسان مرهونًا طيلة حياته لما يُرسم له … كي يقترب بشكله من الشكل المرسوم له هوليووديًا، لا بل أن “الحضارة” باتت تُقاس بقدر الاقتراب أو الابتعاد عن هذه الصورة.
نعم، للصورة تأثير كبير، وعلى الرغم من ذلك، فما خُطّط له كي يسير الطلّاب في هذا الركب، وتكون قيمتهم مقدّرة بقدر ما يلتزمون بهذه الصورة، وبأن يكونوا مجرّد أرقام … فالطالب وإن طلب العلم، فالعلم يُقدِّم له ما يجعل منه مستهلكًا أو مبتكرًا من ضمن ما يطلب منه لزيادة الاستهلاك، كي ينعم 5% إن لم يكن أقلّ من 5% من المسيطرين على مقدّرات العالم بالمزيد والمزيد من الرخاء والثروة.
غير أنّ هؤلاء الطلّاب خانوا عهد من علّمهم وربّاهم “كل شبر بندر” كي يكونوا تابعين، خاضعين، هدفهم تلك الورقة- الشهادة، فيسيرون بالقدر المرسوم لهم.
إنهم خونة، لمن علّمهم، بأن على أميركا واجب نشر الديموقراطية في العالم وتحقيق السلام العالمي عبر قتل ملايين الأبرياء حول العالم، حيث النفط والغاز والمياه.
لم يُقدّروا كلّ ما سعت إليه أميركا، انتفضوا لأنهم لم يصدّقوا الكذبة في فييتنام، حين عاد إليهم أولادهم في توابيت مختومة، وانتفضوا وواجهوا الشرطة وقتلوا حينها، كما حصل مع كذبة كمبوديا… غير أن حيلة برجي التجارة العالمية نجحت إلى حدّ ما فصمتوا قليلًا أمام هول الدماء والفقد في عقر الدار، ومن ثم ساروا بأعداد قليلة جدًا حين واجهوا الموت في العراق، ولم يجدوا دليلاً على أسلحة الدمار الشامل هناك، وصرخوا “لا دماء مقابل النفط”، وبقيت الصرخات غير مسموعة وغير فعّالة إنما بدأ الجمر يستعيد وهجه تحت الرماد… نعم فإن الدم يحرّك الإنسان أمّا النفط وتوابعه فليس إلا محركًا لكل الصفات التي تناقض الإنسانية.
وما كان “الربيع العربي” الخريفي سوى حيلة جديدة، مخطط “أ” تبعه مخطط “ب”، وحين لم تنجح التقسيمات المراد لها المزيد من تفتيت هذه المنطقة من العالم التي أطلقوا عليها تسمية “الشرق الأوسط”، تابعوا ما كانوا يعملون له من تفتيت النفوس وإثارة الفتن وتسعير الطائفية وسرقة مقدّرات الناس وشطب جهودهم لسنين من أجل عيشٍ كريم بشحطة قلم، يعاونهم كثيرون من الداخل، من الفاسدين المدعومين لعهودٍ من قبلهم، ومن غياب المساءلة والمحاسبة، ليأتوا بعدها كما “مخلّص”… “بالله” يثق للسيطرة على ما تبقى.
وفلسطين… التي كادت تكون المنسيّة… القضيّة التي لا طائل بالسعي لها… بذاكرة قصيرة جدًا جدًا، فقد كان التاريخ الحديث هو المسيطر من دون أي التفات إلى الماضي (مجرّد 75 سنة لا تعني شيئًا في حياة الأمم)، ليس لعدم اهتمام بالماضي، إنما من أجل القبول بما سمّي بـ”الواقع”… فلنصنع السلام ولنعترف بهذه الدولة لأنها الواقع ولا مفرّ من الواقع…
ولم يكن مقدّرًا لهؤلاء المستهلكين أن ينتفضوا…
عليهم أن ينالوا شهادات تخوّلهم أن يكونوا موجودين على أرض هذا الواقع…
لا سبيل لهم إلا هذا الطريق وهذا النظام التعليمي…
لا سبيل لهم سوى أن يتمّ قبولهم من قبل الجماعات العلمية التي تُحدّد لهم قيمتهم وجدواهم أو عدم جدواهم…
الجماعات التي ترسم الفلسفات الاقتصادية المواكبة لهذا الجشع العالمي الذي لا يشبع… المفترس دومًا … اللا رحيم… اللا قنوع…. اللا مكتفي…
كان مفترضًا بهؤلاء الطلاب أن يكونوا عبيدًا لهذا النظام ملتزمين بالهيكلية المرسومة لهم …
غير أن هؤلاء انتفضوا… لأن “لا دماء من أجل النفط”… ودماء أهل غزة وصرخات شيبها وشبابها وأطفالها ودماؤهم يستحيل أن تذهب هدرًا.
مهلًا… لا شكّ بأن للصورة تأثيرًا كبيرًا…
غير أن المحتلّ ومن يدعمه من ويلات متّحدة أميركية أو عربية سيخرج مذلولَ ليس بسبب الصورة، إنما لأن من يمتلك الأرض هو وحده يعرف كيف يطلع عليكم من باطنها، من العالم السفلي كما إنانا أو عشتار، ويطردكم…
وهل سمعتم بطائر الفينيق؟ انظروا أينما وكيفما التفتمّ وسط كل هذا الدمار … ستجدونه في أرواح الأطفال الصاعدة نحو السماء…
ليست الصورة ولا حتى اللا مقدّر في داخل الويلات المتّحدة وحول العالم… وإن كانت داعمًا كبيرًا لا نكران لتأثيرها أبدًا…
إنما هي هذه الدماء المبذولة… هؤلاء الأطفال… هؤلاء الذين كانوا أطفالًا وكبروا وخرجوا من باطن الأرض لإحقاق الحقّ وسحق الباطل، ولا يتكئون في جراحهم ولا يحضن أرواحهم سوى “الله” الذي يعرفون.

أمية درغام
بيروت 1/5/2024

اقرأ المزيد
آخر الأخبار