أدمن اغلب المحللين على القول :” ان السياسة هي فن الممكن “، رغم مافي هذا التعريف من مغالطات متصالحة مع الذات من جهة، وهروب عن الفعل والتأثير والارادة ،من جهة أخرى.
كنت ،و لا ازال، اعارض هذا التعريف لما فيه من روح انهزامية وانتهازية وميكيافيلية في ذات الوقت . واثرت القول : ان السياسة علاقات موضوعية ليست مجرد نوايا ورغبات ، بل هي ” فن تحريك الاشياء والبشر لما فيه مصلحة وخدمة البشر اولا، والكفاح من اجل تغيير الواقع والنهضة التقدم ، ثانيا ” .
انها العمل الصامت والدؤوب والمتواصل المبني على الوعي والارادة والتنظيم، والقدرة على تشغيل البشر واستغلال طاقات الأمة، أية امة ،وتوظيفها توظيفا مناسبا لمستلزمات العصر ومواجهة التحديات التي تحدق بالأمة، من الداخل والخارج . والقرار السياسي لاية امة او وطن او شعب أو تكتل او حزب او حركة سياسية…هو بمثابة تعبير عن ايديولوجية و ثقافة اي من المكونات التي ذكرت ، وصبها في خدمة المشروع العام بتحقيق اهداف وتطلعات الكتلة العريضة والارقى الحالمة في كل مكون، واحداث نقلات موضوعية في حركة ممارساتها وانشغالها وعلاقاتها بين افرادها ومع الأخرين .
غير ان مفهوم السياسة كما يتجلى في ممارسات الأنظمة العربية السائدة، بمختلف تكوناتها المركزية وتلك المنتشرة في ثنايا المجتمع التحتيه، الأنظمة الخانعة والمتصالحة والمستسلمة لما يملى عليها ويفرض من الخارج ، وبما ينسجم مع اهواء المتنفذن فيها ومصالحهم الشخصية الضيقة الأفق….ينطوي هذا المفهوم على معنى وحيد ،قاصر وضيق، ملخصه : ” الترويض والتأديب والقهر والنهب والتبعية والهروب من الواقع ومما يتطلبه الواقع من شغل وكدح والتزام، والاستسلام لهذا الواقع كما هو والمصالحة معه.
بناء على هذه المقدمة السريعة الموجزة، فما هي اهم الثوابت والمرتكزات والمظاهر في السياسات العربية الراهنة :
١_ معاداة الشعب :
ان التاريخ السياسي العربي ، على مدى حقبة طويلة ، هو مجرد سلسلة متصلة الحلقات تقوم على القمع والاضطهاد والاستلاب والغربة ، وان العلاقة بين الحاكم والمحكوم تشبه العلاقة بين الاقطاعي وأقنانه وخدمه، او الأمير وعبيده، او الراعي ورعيته او قطيعه . فبدلا من أن يكون الشعب صانع التاريخ والمؤثر في مجريات الحياة اليومية، ومصدر القوة ومنبع الحكمة، يصبح في نظر الانظمة والمنظومات الحاكمة والمتسلطة عبارة عن كتل بشرية سائبة منفصلة عنها ، لا يوثق بوعيها، ورقما حسابيا يستغل لتمرير أهواء الحاكم الشخصية من وقت لأخر ، ولمصالحه هو وعائلته ومن يرثه منها ، وخدمة لأسياده في الخارج الذين مكنوه من هذه الوظيفة، بما يمليه عليه هذا الخارج من تعليمات وأوامر وتوجهات. والشعب بنظرهم مجرد رقما حسابيا أدنى من الصفر في كثير من الأحيان ، الا في لحظات نادرة ولمصالح جد ضيقة.
٢_ البعد عن الموضوعية :
لم تدرك الانظمة الحاكمة وتلك المتسلطة ، ولم تع او تتعلم او تتعود ، بأن الوعي ، وعي اي موضوع او مسالة او قضية، يكمن في صواب وخطأ الذات الانسانية ، سواء كان ذلك يتعلق بفوات البنى الداخلية المتهالكة ومدى تأخرها، و كيفية النهوض بها وتحديثها ، او بالتحدي الخارجي وكيفية التصدي له ومواجهته .
ان غياب الموضوعية في السياسة العربية،يكمن في أساس التأخر الأيديولوجي والثقافي والفكري، وغياب او تغييب النخب، وعدم الالتفات اليها والعمل بنصائحها وعلمها ومنهجها العلمي وبتوجاهاتها وأفكارها وبرامجها وحركتها اليومية وقراراتها الموزونة والمستقلة . كما ان الفكر التقليدي السائد أعجز من أن يدفع الى البحث الجدي والى المحاكمة والتساؤل، مما يجعله مهددا” بالسقوط والرضوخ على الدوام . سيما ان هذا الفكر المتصالح ما زال منفصلا عن عقلانية التاريخ ويفسره تفسيرا مثاليا وغيبيا ، ويعتبره مجرد مجموعة من الصدف والأحداث الطارئة وسلسلة من الحظوظ غير السعيدة التي رماها في طريقنا الزمن الغادر .
٣_ الرومانسية :
تصر الانظمة المهيمنة ،في محاكمة الواقع، على ان معظم البلايا والاخفاقات والتراجعات والانهيارات التي تشهدها وتعاني منها الامة، وتجعلها عاجزة عن مواجهتها ووضع حد لها وتجاوزها بالوعي والحكمة والقرار الجريء المستقل ،انها كلها من صنع الاستعمار وبلاياه وموروثاته ، او وليدة مؤامرات محكمة تنسجها وتديرها قوى خارجية شريرة ، وليس امامنا الا المثول لها لعدم القدرة على مواجهتها وقطع اواصرها ، متجاهلين ، بل متواطئين ومشاركين في البقاء على البنى الاجتماعية المتفككة والمتاأخرة ، والبنى الاقتصادية المتخلفة والمتأكلة، بمنأى عن اي نقد او تشكيك بها ووضع البرامج واتخاذ القرارات لتحديثها والنهوض بها . فضلا عن صدور احكام مسبقة بما ينسجم مع المشاعر والانفعالات ،بغياب الوعي النقدي و بناء القدرات للمواجهة . وبالتالي، تلجأ النخب الحاكمة الى احكام القيمة بدلا من احكام الواقع وما يتطلبه ويفرضه هذا الواقع من مشاريع خطط وبذل جهود لتغييره .
٤_ تأليه الحاكم الفرد :
فالحاكم الفرد، الجلاد ، المستبد، النهاب للثروة ، اللاوطني، المرتبط بالخارج ، الخاضع للسياسات الاستعمارية والعدوانية….هو بنفس الوقت : الفيلسوف، الحكيم ، المفكر ، المبدع ، حامل هم الوطن والشعب والامة….وفي حالات كثيرة : الأب المؤمن ، القائد العظيم المبدع ، نبي في الصحراء القاحلة…، وهكذا يرتفع الحاكم ،بغياب النقد والوعي النقدي ، الى مرتبة الألهة والانبياء وأساطين العلم والمعرفه، تذوب فيه شخصية الشعب اعلاميا وعمليا ، لا كرمز او قدوة حسنة ، بل كنازل قدري من السماء ، لا مفر ولا فرار منه . ومن يحاول ان يتعرض له بالنقد أو السؤال او الشك او الريبة، كأنه يتعرض للقدرة الالهية ، ويتعرض لأبشع العقوبات المجتمعية والنبذ والاحتكار والتخوين والاذاء الجسدي والحرمان من حقه في التعليم والوظيفة وادنى متطلبات الحياة…..والناس تصفق لهذا الحاكم المشعوذ الظالم وترقص له وتكيل له المديح وتتبارك به .
٥_ اللاعقلانية :
التظاهرات اللاعقلانية في السياسات العربية اكثر من ان تحصى ، سواء على صعيد العلاقات الداخلية بين الحكام وعامة الشعب ومكوناته ام العلاقات العربية _ العربية او العلاقات مع الخارج ، بغض النظر عمن يكون هذا الخارج صديقا ام عدوا” .
فالسياسة العربية تضع الصديق والعدو في سلة واحدة ، بل احيانا تلجأ الى مخاصمة الصديق والتشكيك بنواياه وافعاله ، والتأمر عليه لمصلحة العدو في مختلف المجالات . وهذا ما كان يحصل ايام الاتحاد السوفياتي، حيث بالرغم من الدعم الكبير الذي كان يقدمه الاتحاد السوفياتي والدول الاشتراكية للقضية العربية وقضايا الامة وشعوبها ، بخاصة في مسالة الصراع التاريخي مع الكيان الصهيوني، الا انها لا تعدو في نظر العرب اكثر منن كونها موردا” للسلاح ، وان اقامة العلاقات الدبلوماسية معها هي مجرد وسيلة لمكايدة اميركا او لتنسيق وتعميق التحالف مع اميركا ، رغم معرفتهم بعدواة اميركا و بكل ممارساتها التدميرية على الامة . وهذا ما يحصل اليوم ايضا في موقف هذه الأنظمة من الجمهورية الاسلامية في ايران . فبالرغم من الموقف الثابت والمبدئيي الذي تتخذه ايران من العدو الصهيوني ، ورغم الدعم الكبير العسكري والمادي والسياسي للعرب وللمقاومات العربية ، ورغم مشاركتها احيانا في مواجهة العدو …. الا ان الانظمة العربية والسياسات العربية ، بتخلفها و تأخرها ولا عقلانيتها حينا و عمالتها حينا اخر ، تقف موقف العداء من ايران و تتأمر على السياسة الايرانية وتطبع مع ، وتناصر العدو بالمال والنفط ، وتسهل مرور المساعدات والمواد والسلاح اليه ، حتى تتشارك معه في حربه مع ايران.
ان معظم الأنظمة العربية ، بل جميعها الى حد ما، تريد وترغب الركوب على ظهر الاصدقاء والانبطاح وتقديم كل الدعم للأعداء ، والحج الى البيت الابيض هو فرض مطلوب من تلك الانظمة لتقديم الطاعة واعلان الرضوخ بالرغم من العدوان الدائم والمستمر على الشعب العربي ، وبالرغم من النهب الذي تمارسه، المقنع والصريح للثروات العربية. والعلاقة العربية مع اميركا وكل الدول الغربية المعادية لقضايانا و وحدتنا و نهضتنا هي بنظر الانظمة العربية علاقة” حرية واستقلال ودفاع عن حقوق الانسان وثقة بالمجتمع الدولي ” بينما العلاقة مع الاصدقاء الذين يقدمون التضحيات و يشاركونا الاعباء هي علاقة ” مؤمنين بكفار و مرتدين او ملحدين ” بدون حد ادنى من العقلانية والتمييز والنظر الى المصلحة السياسية على الأقل، مصلحة الأمة في مواجهة المخاطر والتحديات الخارجية .
٦_ النظرة الأحادية الجانب:
وهذه واحدة من مظاهر السياسات العربية التقليدية والمتأخرة الغائبة عن الوعي والمصلحة القومية ، التي اصابت الفكر العربي بشكل جذري وحطت من ثقافة العرب وابداعاتهم واغرقتهم في وحول الانحطاط ، وأصبحت مرضا ينخر كالسوس مختلف جوانب الحياة ، وتعاني منه مختلف الاتجاهات والتيارات والمدارس الفكرية.
انها نظرة اسقاطية تنفي الواقع الموضوعي وتحبسه او تبتعد عنه، وسكونية تنطوي على الجمود وانعدام القدرة على رؤية الظواهر ، كما هي ، في حالة التفاعل بين الداخل والخارج ، وتجزيئية لا ترى همزات الوصل العديدة بين مختلف الظواهر، بل ترى الاشياء معزولة عن بعضها البعض ، فتهمل السياق الديناميكي الذي يربط المقدمات بالنتائج ، ولا ترى سوى سطوح الاشياء بخطوطها المتوازية ولا ترى الخطوط المنحنية و الملتوية والمتكسرة…لا ترى الا الوجه الابيض وذاك الاسود، الظلام والفجر ، ولاوسط بينهما .
واذا كان من المتعارف عليه بأن لا سياسة حديثة ومتقدمة بدون وعي كوني وافق تاريخي ، فان وعي الحاكم العربي الفرد والشلل المتحلقة حوله او متصلة به امتثالا” وطاعة و خضوعا ، هي شأن ذاتي من شؤونهم فقط، ولا يحق لأحد الاعتراض او التدخل او ابداء النصيحة بل الرضوخ والطاعة والتبريك والتهليل و اضاءة صورة الكمال والعصمة على طغاة العصر . وهكذا تصبح السياسة عند هولاء الطغاة أشبه بأسرار الألهة ومهمات فوق دنيوية واحاج تبحث عمن يفسرها ويكتشف ما تخفيه من شعوذات .
فلا تاريخ سياسي للجماهير العربية ، وان وجد في لحظة من اللحظات، يتكالب كل الطغاة على التشكيك به والعزوف عنه و محوه والقضاء عليه بذرائع شتى، مما يؤدي الى عزوف الجماهير بدورهم عن المشاركة في بناء الحياة الداخلية سياسيا وتنظيميا واداريا وثقافيا وفكريا، والخضوع. للأحكام السائدة ، وما يمليه الحاكم عليهم يصبح منزها” لا مكان للشك به او مناقشته او معارضته .
لماذا هذا التأخر الفاضح و المكشوف في السياسات العربية؟… سؤال يجب ان يطرح على الدوام ، وان تتشارك كل المنارات الفكرية الثورية بالاجابة عليه ، والتوصل الى حلول برنامجية لتخطي هذا الوضع المزري.. واذا كانت التجربة الناصرية الرائدة قد اقدمت على محاولات للشروع في نهضة الامة ودخول العصر ، الا انها مع الاسف دخلت في عصر الحساب السياسي ولا نقول الرياضيات السياسية .
الجواب، بكل بساطة ووضوح ، يعود ال افتقار السياسات العربية والفكر العربي والثقافة العربية الى أدنى المقومات الحديثة والعصرية و النهضوية، وبقاءها متصالحة مع الذات وخاضعة لها ، رغم القلة القليلة التي حاولت الخروج من السرب و التغريد في فضاء واسع لا أفق له .
لقد ثبت ان السياسة العربية ترتكز على الحدس والشعور والعواطف و الانفعالات وردود الافعال ، لا على العقل و التراكم والتاريخ والنقد والمصلحة القومية والتوظيف على كل الصعد البشرية والمادية .
انها، سياسة اوتوقراطية او ثيو قراطية ، لا تقيم للحريات السياسية والفكرية والثقافية، فردية كانت ام منظمة ، أي وزن . بينما السياسات الحديثة النهضوية تشكل الحريات الديمقراطية، ( وليس الفوضى والالغاء ) ، ومصلحة الوطن والامة ومشاركة الشعب في صنع القرار ، والنقد والتقييم والمحاسبة، وتمثل القيم الحديثة : قيمة الانسان بحد ذاته،وقيمة القانون والوقت والشغل….تشكل اهم مرتكزات السياسة ، واهم القواعد المتينة التي تبنى عليها الأوطان والدول والأمم، وتعطيها المناعة والقوة والقدرة على الصراع والمواجهة مع كل الامراض المجتمعية في الداخل، ووضع حد للتدخلات وفرض الارادات من الخارج .
السياسات الحديثة لا تعرف الاستبداد ولا المملوكية كما هي سائدة في بلادنا، بل هي سياسات تعطي للقرار الوطني مركزا ديمقراطيا ، وترى مصلحة الأمة قبل أية مصالح أخرى .
لقد قدمت السياسات العربية السائدة، الداخلية والخارجية، وعلى تعدد نوازعها واهدافها و خياراتها و مشاربها ، قدمت صورة مأساوية عن مدى انحطاط الوعي السياسي العربي العام ، وشكلت انظمة القمع على المستوى المركزي وفي البنى والهيئات والجماعات التحتية ، ادوات اساسية عميقة و راسخة لتأخر البنى الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية والبيئية والتنموية .
ان عقلنة السياسة العربية ، وجعلها تنطلق من ، وتستهدي بالمصلحة القومية العليا ، وارساء أسس ومقومات النهضة والاندماج والفعل والمشاركة ، عبر اعادة صياغة الوعي السياسي والفكري على أسس قومية ديمقراطية حديتة ونقدية وثورية، وتحقيق مشاركة حقيقية وفعلية لجماهير الامة وتنظيماتها المتقدمة، مشاركة خلاقة ومبدعة وفعالة في القرار السياسي….يعتبر من اهم المرتكزات الاساسية و الصلبية ، التي لا بد منها ، للثورة القومية الديمقراطية القادرة على صنع التاريخ والحاق الهزيمة بكل اوحال التاخر و العبثية التي غرقت بها طويلا ، ومواجهة كافة التحديات، داخلية كانت ام خارجية، بثقة وامل و اصرار وعزيمة .
اسد زين غندور