قراءات سياسية فكرية استراتيجية

 

اخر الاخبار

الغرب هو من أوجد اللاسامية وارتكب الإبادة، فدفعت فلسطين الثمن

الدكتور كمال ديب
سبقت حرب غزة منذ 7 تشرين الأول 2023 حملة إعلامية تحريضية في الغرب بنت شرعيّتها على تجريم انتقاد اسرائيل والصهيونية تحت إطار مكافحة اللاسامية. فكانت النتيجة خنق حرية الرأي البديهية في أوروبا وأميركا الشمالية. وفي المقابل، لم تنجح حرب اسرائيل في غزة في كتم أصوات الشعوب الغربية ضد المجازر الاسرائيلية والاحتلال الاسرائيلي الغاشم.
القانون الدولي واضح (قرار الأمم المتحدة 181 في 29 تشرين الثاني 1947 حول تقسيم فلسطين وقيام دولة فلسطينية، وحق تقرير الشعوب لمصيرها self-determination ، وشرعة حقوق الانسان). وبديهي أنّ ما حدث في 7 تشرين الأول الماضي هو حق الشعب الفلسطيني بحقوقه المشروعة على أرضه وبدولته وبحق العودة، وهو يقاوم من أجل هذه الغايات التي يدعمها القانون الدولي منذ 1948. فلم يكن مقبولاً من الحكومات الغربية ومن إعلام الغرب وصف مقاومة الشعب اللفلسطيني للاحتلال بأنّه “إرهاب” ولا إدانة طوفان غزة ضد الطغيان والحصار اللاإنساني. ولكن هدف الغرب هو تقديم الدعم لإسرائيل وتبرير أعمالها الإجرامية.
الحقيقة التي تطمسها الحكومات الغربية هي أنّ الغرب ليس بريئاً من دم اليهود: فالهولوكوست (المحرقة) حصل في أوروبا نفسها، وقبل المحرقة بعشرات السنوات بدأت مجازر البوغروم في روسيا وأوروبا الشرقية وعمليات المسح العرقي. والمهزلة أنّ وسائل الغرب الإعلامية تتهم العرب أنّهم لاساميون، دون إشارة إلى أنّ القضية هي معاناة مستمرة للشعب الفلسطيني الذي ناهز عديده اليوم 8 ملايين نسمة في وجه حملة استيطانية قاتلة.
لقد دأبت آلة الإعلام الغربي على الترويج الكاذب عن اضطهاد اليهود في الدول العربية. والحقيقة أنّ اليهود لم يتعرّضوا لأي سوء في الدول العربية، بل إذا كان ثمّة اضطهاد وظلم فهم لقيوه في أوروبا. فالعداء لليهود في أوروبا لم يكن فقط في ألمانيا النازية في القرن العشرين، بل منذ العام 1555 عندما أعلن البابا من الفاتيكان ضرورة عزلهم في غيتوات مغلقة عن المجتمعات الأوروبية. فبقي هذا الإعلان سارياً في القرون التالية.
وبعكس الحملة الكاذبة ضدهم، ففي بلاد العرب، ازدهر اليهود وكان لهم مراكز مهمة سواءً في الدولة العباسية (وخاصة في حقبة هارون الرشيد وابنيه الأمين والمأمون)، أو في الأندلس (إسبانيا) حيث ارتقى اليهود ثقافياً واقتصادياً في ظل الحكم العربي الإسلامي هناك. والمفارقة أنّه عندما سقطت الأندلس في أواخر القرن الخامس عشر، جرى التنكيل باليهود كما بالمسلمين، بقتلهم ونفيهم وتجريدهم من الحقوق والممتلكات. وإذ لجأ المسلمون إلى المغرب والجزائر، حاول اليهود (السفاراد) الفرار إلى داخل أوروباً آنذاك، فأُقفلت البلدان الأوروبية في وجوههم (باستثناء مملكة نابولي التي حكمها ملك متنور)، فلجأوا إلى البلدان العربية حيث لاقوا الترحاب والدعم.
وعندما غزا الجيش الفرنسي بقيادة نابوليون فلسطين عام 1798، قاومه والي عكا العثماني أحمد باشا الجزار وكان المعاونان الأساسيان لأحمد باشا في ذلك هم اليهودييّن الفلسطينيين: شاوول فرحي وابنه حاييم فرحي. فقد تمكّنا من حشد مهندسين وحرفيين من القدس لتدعيم تحصينات قلعة عكا، فاندحر الجيش الفرنسي.
وفي عام 1843، كتب قناصل إنكلترا عن مستوى عيش يهود دمشق “بأنّهم من الأثرياء ومنازلهم كالقصور، وأنّ من كبار تجار دمشق في تلك الفترة عائلة “نسيم”: مراد نسيم وفرحي نسيم وروفائيل نسيم. حيث بلغ مدخول كل منهم مليوناً وخمسمئة ألف ليرة عثملية ذهباً سنوياً”. ولقد تعجّب قناصل أوروبا في دمشق كيف أنّ مستوى عيش اليهود في دمشق هو أفضل من مستوى أغنياء أوروبا ومن ملك إنكلترا.
وأثناء الحرب العالمية الثانية جرى الهولوكوست الألماني ضد الأشكيناز (يهود أوروبا الشرقية). ومن نجى من هؤلاء واستطاع الفرار، لاقى أبواب أوروبا وأميركا الشمالية مقفلة في وجهه. فهذه الدول كانت تفضّل أن لا يدخلها اليهود (كما فضحت ذلك كتب ودراسات عديدة فيما بعد). ولكن بعد الحرب العالمية الثانية، نجح الغرب في إعلامه وبرامجه التعليمة في غسل دماغ الناس. حتى باتت شعوب أوروبا وأميركا الشمالية معتادة على الأدبيات البكائية عن اضطهاد النازية لليهود في أوروبا، وعلى مشاهدة آلاف الأفلام الهوليوودية عن الهولوكوست واضطهادج اليهود، وقراءة آلاف الكتب، خاصة في المدارس والجامعات (مثلاً “مذكرات حنا فرانك الإلزامية” لطلاب المدارس). فباتت ضعوب الغرب جاهزة لتصديق الأكاذيب التي تستعملها حكومات الغرب لدعم اسرائيل واضطهاد الفلسطينيين. ومن هذه الأكاذيب كما قلنا أنّ العرب لاساميين وأنّ زعماء العرب يريدون رمي اليهود في البحر، الخ.، رغم أنّه لا يوجد أي تصريح عربي بذلك.
ولقد دأبت الآلة الإعلامية الصهيونية على الترويج لفكرة “عودة اليهود إلى فلسطين” (Aaliya). وحسب زعمهم هو وعد توراتي مكتوب. وتغلغل هذا الزعم في الدول الغربية حتى بات دعم إسرائيل ينبع أساساً من العقيدة الدينية في الدول الانغلوساكسونية – البروتستانتية (خاصة أميركا وانكلترا). ففي هذه البلدان ينطلق التلقين الديني من أنّ اسرائيل قديمة وأصيلة وعلى حق. والحقيقة هي أنّ دعاوى “أرض الميعاد” لم تظهر قبل أواسط القرن التاسع عشر، وسبقت ولادة الحركةالصهيونية، مبنية على خيال خصب ومعلومات خاطئة لدى مَن كتبها، وعلى معرفة جزئية بالتوراة.
فأساس الدعاوى الصهيونية المعاصرة هو كلام شاعري غير علمي نُشر عام 1840 في مقالة في صحيفة Der Orient الألمانية، حول عودة اليهود إلى أرض الميعاد، وضمت المقالة خريطة المشرق العربي وعليها جزء مظلّل هو أرض الميعاد يمتد من نهر الفرات إلى نهر النيل (شاملاً لبنان وفلسطين ومعظم سوريا وحتى ضفة نهر النيل في مصر شرق القاهرة). وهذه الخريطة نشرتها هذه الصحيفة الألمانية قبل 56 عاماً من المؤتمر التأسيسي للحركة الصهيونية في مدينة بازل في سويسرا عام 1897. ثم دأبت الحركة الصهيونية على الترويج لكذبة أنّ الشعب اليهودي إنّما عاد إلى أرضه التاريخية فلسطين.
ولكن مفهوم أرض الميعاد تم استخدامه كذباً. فصحيح أنّه جاء في الكتاب المقدّس ولكنه يشير إلى عودة اليهود من السبي البابلي: أي عندما طرد “طَيطس”، الحاكم الروماني في فلسطين، اليهود إلى العراق عام 70 ق. م. وفي تلك الفترة، لم يشكّل يهود فلسطين سوى 15 في المئة من يهود العالم المنتشرين في غرب آسيا وأوروبا وشمال أفريقيا، والذين بالمناسبة بقيوا في بلادهم. حتى سمح الفرس لليهود الفلسطينيين المسبيين في العراق “بالعودة” إلى فلسطين. وهذا يعني أنّ “العودة” التوراتية قد حصلت فعلاً ولكن في ذلك الزمن السحيق. وليس لوعد التوراة اليوم علاقة باستيطان فلسطين أو بهجرة يهود أوروبا إليها. فهم أشكيناز وجزء من الديانة اليهودية المنتشرة في العالم وليس لأجدادهم أي صلة بفسلطين.
أمّا سكان اسرائيل اليوم، فهم مزيج إثني كبير ومركّب من أوروبيين وآسيويين وأفارقة وعرب وأصول أخرى تجمعهم فكرة الصهيونية التي تجسّدها حكومة هي الأكثر تطرفاً وعنصرية اليوم، ولا ينطبق عليهم منطق أنّهم أحفاد سلالة بشرية واحدة أو من عرق واحد.
ولقد وًلدت الصهيونية كحركة استعمارية استيطانية في 1897-1900 أي في أوج حقبة الاستعمار الأوروبي حول العالم. فجاء رودا الصهيونية – وهم يهود أوروبيون – لاستيطان فلسطين، كما فعل الإنكليز في استيطان جنوب أفريقيا وأوستراليا ونيوزيلاندا ومناطق أخرى في العالم على حساب شعوب البلدان الأصلية. والفارق أنّ الاستيطان الصهيوني لفلسطين كان النموذج الأسوأ للنشاط الاستيطاني الاستعماري. ففي حين أنّ القوى الاستعمارية الأوروبية قهرت شعوب أفريقيا وآسيا وأميركا واحتلت أوطانها، ولكنّها انتهت عندما انتهى الاستعمار، وبقيت الشعوب الأصلية. أمّا الحركة الصهيونية، فقد قهرت الشعب الفلسطيني وعملت على طرده من بلده وعلى سلبه أملاكه وبناء المستوطنات.
لقد أنكرت الحركة الصهيونية وداعموها في أوروبا وجود شعب فلسطيني أصيل على أرضه. وحتى في قرار عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى، الذي منح بريطانيا سلطة انتداب على فلسطين جاءت فيه كلمتا “يهود” و”صهيونية” 12 مرّة من دون الإشارة ولا مرّة واحدة إلى الشعب الفلسطيني الذي كان يشكّل عام 1920 أكثر من 93 في المئة من سكان فلسطين. أمّا المنظمة الصهيونية التي ضغطت عبر حاييم وايزمان في لندن لإصدار وعد بلفور، فهي لم تمثّل يهود العالم آنذاك. إذ حتى عشية وعد بلفور عام 1917، لم يكن عدد أفرادها يزيد على 250 ألفاً ــ وهي نسبة ضئيلة جدّاً قياساً بعدد اليهود في العالم آنذاك (12 مليوناً) والذين كانوا بمعظمهم راضين بمعيشتهم في أوطانهم في أوروبا والدول العربية. ولم تكن فكرة مغادرة أوطانهم والذهاب إلى فلسطين تدور في خواطرهم.
لقد كانت الخطة الصهيونية واضحة بأنّها تسعى بالضبط لاحتلال فلسطين وطرد شعبها والحلول مكانه، ولكن حكومات الغرب تظاهرت بالجهل وغضّت النظر. ولكن ما فعلته لدعم الصهيونية وإبعادها عن أوروبا، ومنح وعد بلفور، أغرق المنطقة العربيية في أكثر من مائة عام من الحروب والويلات. وكانت الجنّة الزراعية التي وعدت بها الصهيونية في فلسطين مغموسة بدماء الشعب الفلسطيني. فكيان إسرائيل قد فرضته القوى الغربية بالقوة على أرض فلسطين لتبعد عنها اليهود، ولذلك هي تساعد في إبادة الشعب الفلسطيني لأنّه رفض ترك بلاده وقرّر أن لا يبقى لاجئاً تائهاً حول العالم.

اقرأ المزيد
آخر الأخبار