قد يبدو المشهد في واشنطن هذا الأسبوع وكأنه معركة أخرى حول سعر الفائدة، ربع نقطة هنا أو هناك، ثم تتحرك الأسهم والدولار والذهب، وتنتهي القصة. لكن من يراقب ما يجري بين البيت الأبيض والاحتياطي الفيدرالي، يصعب عليه أن يراه بهذه البساطة. وراء رقم الفائدة صراع أكبر على من يملك توجيه واحدة من أهم أدوات القوة الأمريكية، ومن يقرر كيف تستخدم هذه القوة في الداخل والخارج.
ترامب لا يتعامل مع الفائدة باعتبارها قرارًا تقنيًا يخص التضخم والنمو وحدهما. هو يضغط علنًا باتجاه خفضها، ويربط ذلك بمشروع اقتصادي أوسع يريد من خلاله تخفيف كلفة الاقتراض ودفع الاقتصاد إلى مزيد من الحركة. وفي الوقت نفسه، يلوح باستخدام السوق الأمريكية نفسها كسلاح تفاوضي، إلى حد التهديد بوقف التجارة مع دول تحقق الولايات المتحدة معها عجزًا تجاريًا.
المغزى السياسي هنا أهم من تفاصيل التهديد. العجز التجاري، الذي كان في الأصل رقمًا في الحسابات الاقتصادية، يتحول في خطاب ترامب إلى دليل على اختلال في العلاقة، ومن ثم إلى مبرر لاستخدام القوة التجارية الأمريكية. السوق الأمريكية لم تعد مجرد مساحة للتبادل، وإنما ورقة يمكن لواشنطن أن ترفعها في وجه الشركاء عندما تريد تغيير سلوكهم.
لكن هذه الأدوات لا تعمل دائمًا في الاتجاه نفسه. الرسوم والقيود التجارية قد ترفع تكاليف الاستيراد وتضيف ضغوطًا تضخمية، بينما يريد ترامب في الوقت ذاته فائدة أقل وتمويلًا أرخص. وكلما ارتفعت الضغوط على الأسعار، أصبحت مهمة الفيدرالي أكثر تعقيدًا، لأن خفض الفائدة في بيئة تضخمية قد يصطدم بالمنطق الذي تقوم عليه السياسة النقدية نفسها. وقد أظهرت بيانات أغسطس ارتفاع التضخم الاستهلاكي في الولايات المتحدة إلى 3.4 بالمئة على أساس سنوي، مع ارتفاع الأسعار 0.4 بالمئة خلال الشهر.
اختيار ترامب لكيفن وارش لرئاسة الفيدرالي يكتسب مع هذا الصدام معنى مختلفًا. فالمشكلة لم تعد في الشخص الذي يجلس على كرسي رئيس البنك المركزي، وإنما في المساحة التي يستطيع البيت الأبيض أن يحتلها خلف هذا الكرسي. وارش وصل إلى المنصب باختيار ترامب، لكنه أعلن خلال مسار تثبيته أنه لم يقدم تعهدًا مسبقًا بشأن قرار محدد للفائدة، وأن قراراته ستستند إلى تقييمه للظروف الاقتصادية.
ولهذا فإن قرار سبتمبر يحمل دلالة تتجاوز ربع النقطة نفسها. إذا اختار الفيدرالي اتجاهًا لا يريده البيت الأبيض، فالمسألة تصبح اختبارًا مبكرًا للحدود الفعلية لاستقلال المؤسسة النقدية. وإذا تحولت الضغوط السياسية إلى قاعدة مستمرة في التعامل مع الفائدة، فلن يبقى أثرها داخل الولايات المتحدة فقط، لأن الأسواق العالمية لا تنظر إلى سعر الفائدة الأمريكية منفصلًا عن مصداقية المؤسسة التي تحدده.
الدولار وسندات الخزانة والأسواق العالمية كلها تتعامل مع الفيدرالي باعتباره مؤسسة ذات قواعد ودرجة من الاستقلال عن القرار السياسي المباشر. ولذلك فإن الصراع حول الفائدة يمكن أن يتحول، إذا طال، إلى سؤال أكبر حول طبيعة القوة المالية الأمريكية نفسها. ليست القضية فقط كم ستدفع الشركات والأسر مقابل الاقتراض، وإنما مدى قدرة واشنطن على استخدام الدولار والسوق والفائدة كأدوات متكاملة من دون أن تضرب إحداها الأخرى.
حتى التهديدات التجارية تحمل هذا المعنى. الولايات المتحدة تستطيع الضغط على شركائها لأنها تملك سوقًا ضخمة، لكن الدول التي تتعرض لهذا الضغط لا تملك خيارًا واحدًا فقط. كلما أصبحت التجارة الأمريكية أداة سياسية متكررة، زادت دوافع بعض الشركاء للبحث عن أسواق بديلة، وسلاسل إمداد أكثر تنوعًا، وترتيبات مالية وتجارية تقلل اعتمادهم على قرار يصدر من واشنطن. لا يعني ذلك تحولًا فوريًا في النظام الاقتصادي العالمي، لكنه يخلق حافزًا طويل الأجل لإعادة توزيع المخاطر.
وفي الداخل الأمريكي، تتقاطع هذه المعركة مع صراع أوسع على حدود السلطة. البيت الأبيض يريد اقتصادًا أكثر استجابة لأهدافه السياسية، بينما يظل الفيدرالي مؤسسة يفترض أن تتخذ قراراتها وفق تقييم التضخم والعمالة والاستقرار المالي. وبين الطرفين توجد الأسواق التي تعيد تسعير كل كلمة وكل قرار، وتوجد وزارة الخزانة وسوق السندات والدولار، حيث يمكن أن تتحول القرارات السياسية إلى تكلفة مالية حقيقية.
حتى الذهب يدخل هذه المعادلة من باب مختلف. رفع الفائدة أو ارتفاع عوائد السندات وقوة الدولار عوامل تضغط عادة على الذهب، لكن اتساع القلق حول التجارة والدين واستقلال المؤسسات والسياسة النقدية يمكن أن يعيد جذب الأموال إليه باعتباره أداة تحوط. لذلك لن يكون رد فعل الذهب مرتبطًا بقرار الفيدرالي وحده، وإنما بما سيقوله وارش، وبكيفية استقبال الأسواق لكلامه، وبحركة الدولار وعوائد السندات بعد القرار.
لهذا، فإن السؤال الأهم هذا الأسبوع ليس فقط: هل سيرفع الفيدرالي الفائدة ربع نقطة؟
السؤال الأعمق هو: هل تستطيع واشنطن أن تجمع التجارة والدولار والفائدة في استراتيجية قوة واحدة، من دون أن تبدأ هذه الأدوات نفسها في التزاحم والتناقض؟
فالولايات المتحدة تملك قوة استثنائية، لكن القوة ليست في امتلاك الأدوات وحده. القوة أيضًا في القدرة على استخدامها من دون أن تتحول كلفتها إلى مشكلة على صاحبها.
ولهذا يصبح قرار الفيدرالي مهمًا سياسيًا. نحن لا نراقب فقط سعر المال في أمريكا، وإنما نراقب حدود السلطة داخلها، وحدود القوة التي تستطيع واشنطن ممارستها خارجها.
الكاتب: معتز منصور – كاتب وباحث سياسي