بعد شهر من الهدوء النسبي وتجميد المواجهة العسكرية المباشرة، عاد التسخين الأمريكي المتوقع بعدوان على الجمهورية الإيرانية ليفرض تصعيد متجدد .
لجأت واشنطن خلال الشهر الماضي إلى خيار الحصار الاقتصادي كسلاح رئيسي، لكن الميدان أعاد الكلام.
استهداف أمريكي لجزيرة لارك في الخليج، تلاه رد إيراني مباشر على قاعدتين أمريكيتين في الأردن. السؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل دخلنا مرحلة حرب مفتوحة، أم أن ما يجري هو مناورة نارية محسوبة ضمن قواعد قديمة؟
لفهم الصورة نحتاج أن نقرأ المشهد من 3 زوايا:
أولاً: العدوان الأمريكي… تأمين ملاحة أم اختبار قدرات؟
قالت القيادة المركزية إنها استهدفت منصتي إطلاق كانتا تجهزان لزرع ألغام بحرية في الخليج.
بغض النظر عن دقة الرواية، فإن التوقيت يحمل معنيين.
المعنى الأول عملي: واشنطن أعلنت أنها فككت معظم الألغام خلال الأسابيع الماضية، والضربة تأتي لقطع الطريق على أي محاولة جديدة لتعطيل الملاحة في مضيق هرمز.
المعنى الثاني استخباري: بعد شهر من الخناق الاقتصادي، تريد واشنطن أن تختبر مدى صمود الداخل الإيراني، وسرعة إعادة ترميم طهران لقدراتها، وسقف رد الفعل لديها.
اختيار هدف عسكري محدد وفي بقعة جغرافية ضيقة، مع تجنب عدوان واسع يشمل بنى تحتية أو مدن، يقول إن واشنطن لا تبحث عن حرب الآن، بل عن رسالة ردع مضبوطة.
ثانياً: الرد الإيراني… سرعة محسوبة ورسائل متعددة
لم تتأخر طهران. جاء الرد سريعاً وبأدوات تقليدية: مسيرات وصواريخ باليستية استهدفت قواعد أمريكية في الأردن. هذا الاختيار لم يكن عشوائياً.
الرسالة الأولى ردعية: التأخير كان سيُقرأ تراجعاً.
الرد السريع حافظ على معادلة الردع التي بنتها إيران خلال الفترة الماضية.
الرسالة الثانية سياسية: طهران استخدمت سلاحها المباشر بدلاً من الرد من خلال الفصائل المقاومة.
هذا يعني “نحن جاهزون للتفاوض لكن من موقع قوة، وليس تحت الضغط”.
الرسالة الثالثة ضبط إيقاع: اختيار الأردن وتجنيب دول الخليج هو الأخطر دلالة. لو أرادت إيران حرباً شاملة لاستهدفت النفط والخليج. لكنها اختارت أن تضرب الوجود الأمريكي مباشرة مع إبقاء حلفاء واشنطن خارج دائرة النار. هذا سقف واضح لا يريد توسيع المواجهة.
ثالثاً: سوريا… نقطة الارتكاز الاستخباري والاختبار الحقيقي
هنا مربط الفرس.
لا يمكن قراءة التصعيد الحالي بمعزل عن الساحة السورية.
سوريا اليوم ليست مجرد جبهة، هي غرفة عمليات استخبارية مفتوحة للجميع.
القواعد الأمريكية في التنف وحقول النفط، والسطوة الإسرائيلي ، وشبكات الرصد الإقليمية والدولية… كلها تلتقي في الجغرافيا السورية.
مع احتفاظ الاحتلال التركي بعصب مهم في الساحة السياسية و الأمنية السورية مع غياب تام لأي اختبار أمريكي للقدرات الإيرانية يبدأ من سوريا.
وأي رد إيراني على الضغط الاقتصادي يمكن أن يمر عبرها.
الضربة على الأردن كانت رسالة، لكن الرسائل الأخطر استخباراتيا تُختبر في البادية السورية وعلى طريق دمشق بغداد.
إذا أرادت طهران رفع الكلفة على واشنطن دون حرب شاملة، فالساحة السورية هي المسرح الأنسب: من خلال استهدافات محدودة، هجمات نوعية، تحريك فصائل، كل ذلك يبقي النار تحت الرماد ولا يحرق المنطقة.
وبالمقابل، أي تصعيد أمريكي أوسع سيبدأ أيضاً من سوريا، باعتبارها الخاصرة الرخوة التي يمكن فيها “التجريب” دون الوصول لمواجهة مباشرة في الخليج.
أو انهيار كامل في جنوب لبنان الذي بات واضحا حجم الضغط الصهيو أمريكي فيه، هذا ما يجعل دمشق اليوم نقطة ارتكاز مخابراتي وعسكري لا يمكن تجاوزها في أي تقدير موقف.
فإذاً كل المؤشرات تقول إن ما نشهده هو تصعيد تكتيكي محدود.
لا واشنطن تريد حرباً تستنزفها انتخابياً واقتصادياً، ولا طهران تريد حرباً تؤدي الى نتائج سلبية.
الطرفان يلعبان على حافة الهاوية لإعادة ترسيم قواعد الاشتباك وفرض شروط تفاوض جديدة.
المتوقع أن يستمر هذا النمط لأسابيع: ضربات محسوبة، وردود محسوبة، مع بقاء قنوات التفاوض غير المباشر مفتوحة.
لكن الخطر قائم.
وهو في خطأ تقدير، أو في قرار يتخذه أحد الأطراف لاستثمار التصعيد.
إذا قررت طهران أن الحصار وصل لمرحلة لا تُحتمل، فقد تدفع الحرس الثوري لتوسيع رقعة اللعب في سوريا والعراق بهدف فك الخناق.
وإذا سقط قتلى أمريكيون بأعداد كبيرة، فمن الصعب على واشنطن أن تبقى داخل السقف التكتيكي.
باختصار: لسنا أمام حرب شاملة اليوم، لكننا أمام دوامة تصعيد قواعدها هشة.
لكن بقلب هذه الدوامة تقف سوريا، ليس كمتفرج، بل كساحة الاختبار الأولى التي سيُكتب فيها إن كان التصعيد سيبقى تكتيكياً، أم سينفلت إلى ما لا يحمد عقباه.
الكاتب: محمود موالدي