يواصل ترامب إصدار قرارات همايونية اقل ما يقال فيها انها فوق استبدادية واستعمارية. فقد فرضت ادارته قيودا جديدة على تأشيرات الطلاب والصحفيين، حيث يجري فرزهم بناء على آرائهم السياسية ومعتقداتهم الايديولوجية. فكل من له رأي مخالف لرأي السيد الاميركي الابيض يعتبر شخصا غير مرغوب فيه وتمنع عنه تأشيرة الدخول الى الاراضي الاميركية. والابشع ان السلطات الاميركية تأخذ بالاعتبار كل الآراء والأفكار التي يمكن ان يكون قد عبر عنها طالب التأشيرة من الصحفيين او الطلاب منذ ولادته أكان جهارا او من وراء الشاشات او عبر مقالة او من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، اذ يجري تتبع مواقع الشخص المعني واخذ كل مواقفه. فاذا ما عبر عن موقف ما او رأي او ذكر حادثة معينة سياسية او غيرها وطرح معطياته كاعلامي ورأيه في كل قضية او اعترض على اي قرار او شيء ما لا يتناسب ورأي ترامب وادارته فلن يحصل ابدا على تأشيرة دخول للولايات المتحدة الاميركية.
حتى ان عضو اللجنة القضائية بمجلس الشيوخ السيناتور كوري بوكر اتهم مباشرة واثناء جلسة تحقيق مع مدير مكتب التحقيقات الفدرالي الاميركي كاش باتيل، اتهمه بانه يرهب الاعلاميين ويتصرف كرجل عصابات ويستخدم جهازه لملاحقة الصحفيين. وقال ان ذلك يشكل تهديدا لواحدة من اقدس مبادىء الولايات المتحدة الاميركية، واشار الى ان باتل يستخدم الموارد التي بين يديه لملاحقة الصحفيين حيث هناك صحفيون مفضلون يجاب على اسئلتهم لانهم يعملون لدى الاجهزة اما الاخرون الذين لا يروقون له فانه يصدر مذكرات قضائية ضدهم وضد حتى عائلاتهم.
وللعلم فان رئيسه دونالد ترامب يهين كل صحفي يوجه اليه سؤالا محرجا وينعته بابشع الاوصاف كما وتطال اهاناته مؤسسة الصحفي الذي يسأل سؤالا لا يروق لسيد البيت الابيض، هذه العدوة انتقلت الى كل المحيطين به وشاهدناها عبر المتحدثة الرسمية السابقة باسمه التي كانت تهين كل اعلامي يجرؤ على مواجهتها بالحقائق.
كل هذا يؤشر الى مخطط خطير وضعه ترامب لمواجهة الاعلام الحرّ والقضاء عليه وهذه القوانين الاخيرة هي استكمال لهذا المشروع الاستبدادي المدمر.
وبموجب القواعد الجديدة للقانون الجديد، التي أعلنت عنها وزارة الأمن الداخلي الأميركية، ستقتصر مدة إقامة الصحفيين الأجانب على فترة محددة يمكن تمديدها بناء على سلوكيات هذا الاعلامي ومدى تناسب توجهاته وآرائه ونقله للاخبار والاحداث مع توجهات وسياسة الادارة الاميركية الحالية.
كما ان القانون الجديد لحظ خطوات تمييزية ضد الصحفيين الصينيين بشكل خاص، حيث حدد صلاحية وجودهم على الاراضي الاميركية بثلاثة اشهر فقط، اي اقل من بقية الصحفيين الاجانب. هذا مع الاشارة الى ان تأشيرات الصحفيين كانت تتمتع سابقا بوضع يسمح بالإقامة طوال مدة العمل، من دون سقف زمني محدد.
من دون ادنى شك سيؤثر هذا القانون على الحياة الاعلامية في الولايات المتحدة ومدى مصداقية الاخبار التي ستنقل منها الى العالم الخارجي.
وكانت نحو 100 مؤسسة إعلامية وصحفية دولية قد حذرت خلال مرحلة المشاورات من أن تطبيق هذه القيود سيؤدي إلى تقليص التغطية الإعلامية للأحداث الأميركية من حيث الكم والنوع، بسبب اضطرار الصحفيين إلى تجديد تأشيراتهم بصورة متكررة. والانتقادات جاءت ايضا من منظمة “مراسلون بلا حدود” التي اعتبرت هذا القانون “مثيرا للاستنكار” بسبب حرمانه للصحفيين من تغطية الاحداث بحرية وجعله تحركاتهم صعبة ومضنية ومقيدة.
وكانت الاجهزة الامنية الاميركية وفي سابقة وبشكل تعسفي وغير ديمقراطي، قد ألغت تأشيرات دراسة وبطاقات إقامة دائمة (غرين كارد) لعدد من طلاب الجامعات بسبب مواقفهم الأيديولوجية واحتجاجاتهم على ارتكابات اسرائيل لابادات جماعية ضد سكان واطفال ونساء غزه وفلسطين، كما الغت الوضع القانوني لمئات الآلاف من المهاجرين وارسلت تهديدات لاعلاميين معروفين.
ويمثل القرار أحدث حلقة في سلسلة الإجراءات التعسفية التي تتخذها إدارة ترامب ضد الاجانب وخاصة الطلاب والصحفيين كما وسياسة القتل التي تمارسها والتي تكررت بشكل كبير ضد المهاجرين من قبل شرطة الهجرة التي اصبح يطلق عليها من قبل المواطنين الاميركيين الذين قاموا باحتجاجات صاخبة ضدها، اصبح يطلق عليها اسم عصابات القتل.
هذا القانون المجحف اثار انتقادات واسعة في الأوساط الإعلامية الداخلية الاميركية والدولية، معتبرة ان ما صدر سيؤثر بصورة كبيرة جدا على حرية الاعلام ومصداقية الاخبار الواردة من الولايات المتحدة نتيجة لخشية المراسلين الاجانب من اغضاب سلطات الرقابة الاميركية التي وضعت سيفا مسلطا فوق رقابهم، وهذا التدبير سيقضي على مصداقية الاعلام الاميركي وحريته بشكل تام بعد اهتزاز صورته على مدى العقود السابقة، بسبب ارتباطه الوثيق باساطين المال الذين كانوا وحتى اللحظة يحددون ما الذي يمكن نشره او تزييفه او منع نشره التزاما بمحددات صارمة تضعها الحكومة العميقة التي تدير البلاد. هذا الاعلام الذي لطالما روجت الدعاية الغربية عنه الدعايات بانه الاعلام الحرّ الوحيد وان على الاخرين ان يصدقوه وان يكرروه ويلتزموا بخطوطه االعريضة وارشاداته.
في السنوات الاخيرة لم يعد احد من المتابعين تنطلي عليه هذه الاكاذيب، وليظهر الاعلام الاميركي على حقيقته السوداء بانه اعلام موجّه من قبل جماعة الظل التي تنتقي ما تريد وتحذف ما تريد، لا بل تخلق الشائعات المغرضة عن الدول التي ترفض الهيمنة الاميركية – الغربية وعن مسؤوليها وعن كل شخص او كيان او مجموعة تحاول بناء هيكلية ذات سيادة مستقلة عن هيمنة الدول الاستعمارية وآلياتها…
الكاتب: د. اسكندر كفوري