قراءات سياسية فكرية استراتيجية

 

اخر الاخبار

استراتيجية المركزي السوري.. الثقة كعملة نادرة في اقتصاد مثقل بالانهيار

تأتي استراتيجية مصرف سورية المركزي للأعوام 2026–2030 كوثيقة مثقلة بسؤال الثقة قبل أن تكون برنامجا للاستقرار.

الركائز الخمس التي يطرحها المصرف، من ضبط السياسة النقدية إلى تنظيم سوق الصرف وتحديث المدفوعات، تبدو أقرب إلى اختبار متأخر لقدرة المؤسسة النقدية على استعادة دورها بعد تآكل الليرة، وانكماش الائتمان، وتراجع الوساطة المصرفية.

كما تكمن حساسية الوثيقة في مطالبتها السوق والمودعين والمستثمرين تصديق مؤسسة عجزت السياسات المتعاقبة عن حمايتهم من كلفة الانهيار النقدي، فالامتحان الحقيقي هنا هو تحويل لغة الإصلاح إلى قواعد شفافة ومؤشرات قابلة للمساءلة، وربط الاستقرار الموعود بإنتاج ودخل وفرص عمل، بدل إعادة تدوير خطاب الثقة في اقتصاد يواصل دفع ثمن اختلالات السياسة والحوكمة.

من إعلان نوايا إلى عقد ثقة

البيان الرسمي يقدم الاستراتيجية باعتبارها “رؤية شاملة” لبناء نظام مالي حديث، وأنها ستنفذ عبر أكثر من 30 برنامجا ومبادرة، ضمن إطار مرحلي ومؤشرات أداء، بينما يربطها حاكم المصرف عبد القادر الحصرية باستعادة الاستقرار النقدي وإعادة الثقة والاندماج في النظام المالي العالمي.

هذه اللغة تريد نقل تنقل البنك المركزي من وظيفة إطفاء الحرائق اليومية إلى وظيفة هندسة التوقعات، وإقناع الناس والشركات والمغتربين والمصارف المراسلة بأن الليرة والمؤسسات صارتا قابلتين للتصديق.

لكن البيان المنشور يعرض العناوين الكبرى أكثر مما يعرض أدوات القياس، فلا تظهر فيه أرقام مستهدفة للتضخم، ولا نطاق لسعر الصرف، ولا جدول واضح لإعادة هيكلة المصارف أو إدارة السيولة.

الاقتصاد الذي تستهدفه الاستراتيجية

تكشف أرقام ما بعد 2024 أن مهمة مصرف سورية المركزي تبدأ من اقتصاد شديد الهشاشة لا من دورة تعاف مكتملة.

البنك الدولي توقع في تموز 2025 نموا محدودا للناتج المحلي السوري بنسبة 1% فقط خلال 2025، بعد انكماش قدره 1.5% في 2024، وسط قيود السيولة، وتعثر المساعدات، وبطء استعادة قنوات التمويل والتجارة.

أما الأشد دلالة هو أن نصيب الفرد من الناتج المحلي مرشح للانكماش بنسبة 2.7% في 2025، ما يعني أن النمو الكلي، إن تحقق، سيبقى أضعف من أن ينعكس تحسنا ملموسا في معيشة السوريين.

وفي تقديرات البنك الدولي الصادرة في تشرين الأول 2025، تصل كلفة إعادة إعمار الأصول المادية المتضررة إلى 216 مليار دولار، ضمن نطاق يتراوح بين 140 و345 مليار دولار، أي ما يقارب عشرة أضعاف الناتج المحلي السوري المقدر لعام 2024، ويشمل ذلك 82 مليار دولار للبنية التحتية، و75 مليارا للمباني السكنية، و59 مليارا للمباني غير السكنية، ما يضع السياسة النقدية أمام اقتصاد يحتاج إلى رسملة ضخمة قبل أن يستطيع إنتاج استقرار مستدام.

كما تشير أحدث موجزات الفقر للبنك الدولي في تشرين الأول 2025 إلى أن أكثر من خمس السكان يعيشون في فقر مدقع، وأن نحو نصف السكان يقعون دون خط الفقر الخاص بالبلدان متوسطة الدخل الدنيا، عند 4.20 دولارات يوميا وفق تعادل القوة الشرائية لعام 2021.

وتظهر بيانات 2025 أن عودة نحو 843,994 لاجئا من دول الجوار وقرابة 1.76 مليون نازح داخلي إلى مناطقهم حتى آب 2025، ما يضيف ضغطا جديدا على الخدمات والفرص والسكن، حتى مع ما تحمله من إمكانية لتنشيط الطلب المحلي.

هذه البيئة تجعل السياسة النقدية وحدها أداة محدودة الأثر؛ فالأسواق التي تعمل وسط ندرة في البيانات، وتآكل في الثقة، وضعف في الوساطة المصرفية، لا تستجيب تلقائيا لسعر فائدة أو نشرة صرف.

الاستقرار هنا يحتاج إلى ربط النقد بالإنتاج، والائتمان بالاستثمار، والانفتاح المالي بإعادة بناء البنية التحتية والدخل، وإلا بقيت الليرة أسيرة توقعات السوق الموازية، وبقيت المصارف عاجزة عن تحويل الادخار إلى تمويل فعلي للتعافي.

سوق الصرف: الحقيقة التي تختبر الخطاب

يتحدث المركزي عن “سوق صرف منظم وشفاف يعكس العرض والطلب”، وهذا هو قلب الاستراتيجية، ففي 8 أيار 2026، أبقى المركزي السعر الرسمي للدولار عند 112.5 ليرة جديدة للشراء و113.5 للبيع، بينما سجل السوق الموازي في دمشق 13,300 ليرة قديمة للشراء و13,350 للبيع، أي نحو 133 ليرة جديدة للدولار بعد حذف صفرين.

الفجوة بين السعرين ليست ضخمة بالمقارنة مع سنوات سابقة، لكنها كافية لتذكير صانع السياسة بأن الثقة تقاس عند الصراف لا في البيان.

إعادة الإعمار.. العبء الذي يتجاوز أدوات المركزي

تكشف تقديرات إعادة الإعمار حدود الدور الذي يمكن أن تؤديه السياسة النقدية منفردة، فالمسألة لا تتعلق بحجم الكلفة فقط، بل بالفجوة الواسعة بين احتياجات الاقتصاد السوري وقدرته الراهنة على تمويل التعافي.

عندما تفوق متطلبات إعادة البناء أضعاف حجم الناتج المحلي، يصبح الاستقرار النقدي مشروطا بإعادة تشغيل الاقتصاد الحقيقي، لا بإدارة السيولة وسوق الصرف فحسب.

تبدو استراتيجية المصرف المركزي جزءا من معادلة أوسع تتطلب ترميم البنية التحتية، وتحريك الإنتاج، وتوسيع الصادرات، وجذب تمويل خارجي طويل الأجل.

أما الاكتفاء بتحسين أدوات التدخل النقدي أو تنظيم سوق القطع، فيمنح الاقتصاد تهدئة مؤقتة من دون أن يؤسس لاستقرار قابل للاستمرار، فالخطر لا يكمن في نقص التمويل وحده، بل في نوعيته أيضا؛ إذ إن التدفقات السريعة أو القروض غير المرتبطة بإنتاجية حقيقية تؤجل الأزمة بدل أن تعالج أسبابها.

الحلقة الأضعف في إعادة بناء الثقة

تؤكد شراكة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مع مصرف سورية المركزي أن أكثر من 40% من فروع المصارف العامة كانت غير عاملة، وأن البلاد عانت من تضخم مفرط وتدهور في العملة ونقص حاد في السيولة وضعف في أنظمة الدفع والرقابة.

كل ما سبق هو مؤشرات بنيوية على عمق العطل في النظام المالي، لا مجرد مشكلات تشغيلية عابرة؛ إنها بنية الحافز التي تحدد هل يحتفظ المواطن بأمواله في البنك أم في البيت، وهل يمول المصرف مشروعا منتجا أم يكتفي بإدارة الندرة.

المشكلة أعمق من بعدها التقني؛ فإصلاح المصارف العامة يعني فتح ملفات مالية مؤجلة ترتبط بالحوكمة، وجودة الأصول، وتوزيع الخسائر، وعند هذه النقطة يصبح الإصلاح قرارا سياسيا واجتماعيا بقدر ما هو إجراء مصرفي، لأنه سيطرح السؤال الأكثر حساسية، فمن سيتحمل كلفة سنوات الانهيار النقدي والمالي؟

الرقمنة.. بوابة اندماج أم واجهة براقة؟

تبدو المدفوعات الرقمية أكثر محاور الاستراتيجية قابلية للتسويق خارجيا، ففي شباط 2026، أعلنت ماستركارد والمركزي السوري إطلاق ورش وتبادلات معرفية لتقوية القدرات المؤسسية والامتثال والمعايير الدولية.

وفي كانون الثاني 2026، أعلنت ماستركارد أن مجموعة QNB حصلت على ترخيص لتوسيع خدمات الإصدار والقبول في سوريا، بما يتيح حلول دفع مقبولة محليا ودوليا.

لكن الرقمنة ليست مرادفا للشمول المالي، في بلد يعاني ضعف الكهرباء والاتصالات وتآكل الدخل؛ تتحول المدفوعات الرقمية إلى جزيرة حضرية تخدم المغتربين والفنادق والتجارة النظامية، بينما يبقى ملايين السوريين في اقتصاد نقدي مواز.

النجاح هنا يقاس بعدد الحسابات النشطة، وكلفة التحويل، ونسبة التجار المتصلين بالشبكة، لا بعدد الاتفاقيات المعلنة.

العقوبات والانفتاح: نافذة مشروطة

البيئة الدولية تغيرت، ووزارة الخزانة الأميركية أعلنت في أيار 2025 الرخصة العامة 25 لتوفير تخفيف فوري للعقوبات، مع السماح بمعاملات كانت محظورة سابقا، بما في ذلك الاستثمار والخدمات المالية، ثم أعلنت OFAC أن أمرا تنفيذيا في 30 حزيران 2025 أزال العقوبات الأميركية على سوريا اعتبارا من 1 تموز/يوليو، مع إبقاء عقوبات على الأسد وشبكات مرتبطة بانتهاكات وتهريب ومجموعات إرهابية وإيران ووكلائها.

كما رفع الاتحاد الأوروبي عقوبات اقتصادية في أيار 2025 مع الإبقاء على قيود مرتبطة بالأمن وانتهاكات حقوق الإنسان.

هذه النافذة تمنح الاستراتيجية فرصة وليس ضمانة، فالمصارف المراسلة تتحرك وفق الامتثال لا النيات، وكلما بقيت البيانات الاقتصادية شحيحة والحوكمة ضبابية، ارتفعت كلفة المخاطر، وتحول الاندماج المالي إلى عملية بطيئة وانتقائية.

معيار النجاح

المعيار الحاسم لاستراتيجية 2026–2030 ليس في عدد المبادرات الثلاثين، بل قدرتها على إنتاج ثلاث نتائج مترابطة، تبدأ بليرة قابلة للتوقع، ثم مصرفية قابلة للثقة، وأخيرا انفتاح خارجي قابل للاستدامة.

الطريق إلى ذلك يمر عبر شفافية البيانات، واستقلالية القرار النقدي، وضبط التمويل بالعجز، وإصلاح المصارف العامة، وتوجيه التدفقات الخارجية نحو الإنتاج لا الاستهلاك.

في سوريا اليوم، الثقة هي أندر العملات؛ ومن يربحها يملك السياسة النقدية قبل أن يملك الاحتياطي.

استراتيجية المركزي السوري 2026–2030
الثقة كسياسة نقدية | ركائز الإصلاح بين اختبار السوق ومتطلبات الإعمار

وثيقة 2026 – مرتكزات: ضبط السياسة النقدية، سوق صرف منظم، تحديث المدفوعات، إعادة الثقة
الاستراتيجية تطرح أكثر من 30 برنامجاً ومبادرة، لكن التحدي الأكبر تحويل لغة الإصلاح إلى شفافية ومساءلة. الاقتصاد يعاني هشاشة حادة: نمو محدود 1% عام 2025 بعد انكماش، نصيب الفرد ينخفض 2.7%، وكلفة الإعمار تصل 216 مليار دولار. الفجوة بين السعر الرسمي (112.5 ليرة جديدة) والموازي (~133 ليرة جديدة) تعكس أزمة ثقة نقدية مزمنة.

جميع المؤشرات:

اقتصاد كلي ونمو

اعادة الاعمار

سياسية نقدية وصرف

فقر ومجتمع

المصدر: سوريا الغد

اقرأ المزيد
آخر الأخبار