بعد تصاعد حدة التوتر في المنطقة، الذي شمل إيران، ودول الخليج، ومضيق هرمز، ولبنان، وتوسّع العمليات العسكرية الأميركية، أصدر مجلس النواب الأميركي يوم 3 حزيران/ يونيو 2026، قراراً يهدف إلى تقييد صلاحيات الرئيس الأميركي دونالد ترامب العسكرية، ومنعه من شنّ حرب أو مواصلتها دون الحصول على تفويض الكونغرس ومصادقة صريحة منه.
صحيح أنّ الرئيس ترامب ندّد بهذا القرار الذي رآه يعرقل الجهود الأميركية، رغم أنّ قرار مجلس النواب استند إلى “قانون صلاحيات الحرب” الصادر عام 1973، عن الكونغرس، والذي يلزم الرئيس بإخطاره خلال 48 ساعة من إرسال القوات، ويمنع بقاءها لأكثر من 60 يوماً دون موافقة مسبقة.
ترامب يستطيع رفض القرار أو تعطيله، مثلما فعل العديد من الرؤساء الأميركيين، لأنه بنظره يمسّ بصلاحيات رئيس الجمهورية الدستورية، لكونه القائد الأعلى للقوات المسلحة. لذلك لجأ أكثر من رئيس أميركي إلى تحريك الجيش وشنّ الحرب دون أن يلتزموا بالقانون كلياً أو جزئياً، بطريقة تركت لهم حرية التصرف دون موافقة مسبقة من الكونغرس.
نظرياً لا يستطيع الرئيس الأميركي تجاهل قرار الكونغرس، لكن عملياً قد يدّعي أنّ تحركه العسكري يدخل في إطار صلاحياته الدستورية بذريعة حالة الدفاع عن النفس، أو طوارئ وطنية تستدعي هذا التحرك. هنا يدخل الصراع الدستوري بين صلاحيات الكونغرس وصلاحيات الرئيس الذي لا يستطيع الانخراط في حرب طويلة دون غطاء من الكونغرس، لأنّ الحرب الطويلة تحتاج إلى تمويل. وهنا بإمكان الكونغرس وقف التمويل، مما يعطل مهمة الرئيس.
كثيرة هي حجج الرؤساء الأميركيين لتبرير تحريك الجيش الأميركي دون موافقة الكونغرس:
ـ عام 1983 أمر الرئيس ريغان بغزو غرينادا بحجة حماية المواطنين الأميركيين ومصالح الولايات المتحدة فيها.
ـ عام 2011 شارك الرئيس أوباما في العمليات الحربية ضدّ نظام القذافي في ليبيا دون الحصول على تفويض، معتبراً أنّ المشاركة لا تتطلب موافقة الكونغرس، طالما أنها لا ترتقي إلى حالة الحرب!
– أثناء الولاية الأولى للرئيس ترامب شنّت واشنطن عام 2017 ضربة صاروخية على سورية، كما قامت باغتيال قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني عام 2020 دون تفويض من الكونغرس.
– بدوره، قام الرئيس جو بايدن 2021-2025، باستخدام صلاحياته الدستورية، وأمر بضربات عسكرية ضد جماعات مسلحة في سورية والعراق.
لكن ماذا عن الحرب الأميركية “الإسرائيلية” على إيران عامي 2025 و2026، دون تفويض خاص من الكونغرس لترامب للقيام بعمل عسكري ضدّ إيران؟! ترامب تمسّك بصلاحياته الدستورية، وإن تجاوزت حدودها، متذرّعاً بالدفاع عن قواته وعن المصالح الأميركية! هنا نشأ الخلاف السياسي والدستوري الحادّ داخل الولايات المتحدة، بين الإدارة الأميركية التي تسلّحت بصلاحيات الرئيس الدستورية وبين معارضيها الذين أكدوا على ضرورة موافقة الكونغرس المسبقة. هذا الخلاف لا يزال حتى الآن يطرح نفسه على الساحة الأميركية.
بعد التطورات المتلاحقة، وخطورة الأوضاع في منطقة الخليج، والعدوان الأميركي “الإسرائيلي” المشترك على إيران عامي 2025 و2026، وأمام المأزق الذي يشهده العالم جراء نتائج الحرب، وإغلاق مضيق هرمز، وتدهور اقتصادات دول العالم، وتراجع حركة التجارة العالمية وسلاسل التوريد، وارتفاع أسعار الطاقة، هل يستمرّ ترامب في سياساته العدائية حيال إيران، وتناقضات تصريحاته بين ساعة وأخرى، ويذهب بعيداً في حربه العسكرية التي أدّت إلى زعزعة الاقتصاد العالمي، والتجارة الدولية، والأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، أم أنه سيعمد أخيراً إلى وضع حدّ للحرب ولتهديداته المتواصلة ضدّ إيران، ويخرج من الأزمة التي باتت تهدّد وضعه السياسي في الداخل الأميركي، عبر بوابة قرار الكونغرس الأخير، الذي يشكل له خشبة الخلاص القانونية لوقف الحرب؟!
بعد الضربات العسكرية الأميركية على إيران منذ يومين، ورّد حرس الثورة بكلّ قوة عليها، أدرك ترامب أنّ ليّ ذراع إيران ليس سهلاً، وأنّ العدوان الأميركي ـ “الإسرائيلي” ضدّ إيران لقيَ رفضاً من معظم دول العالم.
إنّ الموقف الثابت، والردّ الحاسم لطهران، جعلا ترامب في نهاية الأمر، يقتنع بأنّ موته السياسي أكبر من شنّ حرب شاملة جديدة على إيران، بعد حربين شنّهما عليها بالشراكة مع “إسرائيل”، ولم يفلح في تحقيق أهدافه، علماً أنّ ترامب على يقين بأنّ أكثرية الأميركيين ضدّ الحرب، وأنّ معظم حلفائه وكلّ أعدائه في العالم يريدون إيقاف مغامرته العسكرية، بعد أن ألحقت تداعياتها أضراراً كبيرة باقتصادات دولهم، وشلّت التجارة العالمية وسلاسل التوريد.
هل يتحمّل العالم استمرار ترامب في سياساته المضرّة باقتصاد الدول، ومصالحها الحيوية، نتيجة إغلاق مضيق هرمز، وما قد يتبعه من إغلاق باب المندب؟! إذا كان مضيق هرمز الممرّ الأهمّ للطاقة العالمية الذي يمرّ منه 20% من الاستهلاك العالمي للنفط وأكثر من 20% من تجارة النفط البحرية، فإنّ مضيق باب المندب يظهر وفقاً للدراسات والمؤسسات الدولية أنّ نسبة التجارة العالمية التي تمرّ من خلاله تقدّر بين 10% إلى 15%، كما تمر فيه 12% من شحنات النفط المنقولة بحراً عبر العالم.
ويتبيّن أيضاً أنّ جزءاً كبيراً من التجارة العالمية التي تمرّ عبر مضيق ملقا، يعبر باب المندب، حيث 30% من حركة الحاويات العالمية تعتمد على المسار البحري: مضيق ملقا ـ باب المندب ـ البحر الأحمر ـ قناة السويس.
هل يتجه ترامب أخيراً إلى حلّ الصراع مع إيران سلمياً كما بشر به أمس؟ وبعد كلّ ما سبّبه للعالم من أزمات وللمنطقة من دمار وعدم استقرار؟!
أيّ خيار نهائي سيتخذه ترامب حيال إيران، في وقت يشهد الداخل السياسي الأميركي تنازعاً بين السلطتين التنفيذية والتشريعية؛ رئيس يفسّر صلاحياته وفق أهوائه ويذهب للحرب رغم تراجع شعبيته الشديد، مخالفاً قرار الكونغرس الذي يريد كبح جماحه واندفاعه للحرب، فيما الوضع الإيراني الرسمي والسياسي، والمؤسسي، والعسكري، والشعبي يشتدّ وحدة وصلابة، ويثبت للعالم كله مدى تماسك الإيرانيين قيادة وشعباً، وإدراكهم العميق مدى الهجمة الأميركية الإسرائيلية عليهم، وما تبيّته لإيران من مشاريع مشبوهة تطال سيادتها، ووحدتها، وأمنها القومي، ما جعلهم يستميتون في الدفاع عن إيران حتى الرمق الأخير.
الجميع يترقب خيار ترامب، حيث الوضع المتفجّر في الشرق الأوسط لم يعد يحتمل الانتظار. المعارضة لسياسته تشتدّ في الداخل، فيما هو على مقربة من انتخابات نصفية للكونغرس بعد أقلّ من أربعة أشهر، والتي ستصدر حكماً شعبياً على أدائه السياسي بعد عامين من توليه الرئاسة، إذ في حال خسارة الجمهوريين، سيستعيد الديمقراطيون السيطرة على مجلس النواب أو مجلس الشيوخ، عندها سيعرقلون مشاريعه، ويشدّدون الرقابة البرلمانية على إدارته من خلال لجان التحقيق والاستدعاءات، مما يزيد من تراجع مكانته وهيبته السياسية داخل حزبه.
إنّ الانتخابات النصفية ستكون بمثابة استفتاء شعبي على سياسات ترامب، وأدائه في ملفات الاقتصاد، والأمن القومي، والهجرة، والسياسة الخارجية. في حال خسارته للانتخابات، فهذا يعني أنّ الكونغرس سيحدّ من هامش تحرك ترامب في ملفات الشرق الأوسط، والعلاقات مع إيران، والصين، وروسيا، مما سيفقده القدرة على الحكم بالطريقة التي يريدها، خلال العامين المتبقيين من ولايته.
أثناء حربه على إيران وبعدها، تلقى الرئيس ترامب من إيران رداً عنيفاً لم يتوقعه بتاتاً، أوصله إلى حالة التخبّط التي هو فيها الآن، أكان ذلك في الداخل أو في الخارج؛ تخبّط أخذ الكثير من رصيده السياسي والمعنوي، ما يحتم على ترامب أن يتخذ خياره الحاسم النهائي. لكن ما نوع الخيار الذي سيلجأ إليه؟! أهو خيار السلام، أم خيار الحرب التي يلهث وراءها، ويدفعه إليها على الدوام حليفه نتنياهو في تل أبيب؟! وهل تصريح ترامب أول أمس نهائي حول التوصل إلى اتفاق مع إيران، أم أنّ كلام الليل يمحوه النهار كما عوّدنا عليه ساكن البيت الأبيض؟! الأيام المقبلة ستحمل لنا الكثير من المفاجآت، فلننتظر…!
المصدر: البناء