قراءات سياسية فكرية استراتيجية

 

اخر الاخبار

اقتصاد الأنابيب.. هل تعيد واشنطن رسم خريطة النفوذ بين العراق وسوريا؟

تتحول الطاقة في المشرق من قطاع اقتصادي تقليدي إلى أداة لإعادة توزيع النفوذ ورسم خرائط المصالح بين العراق وسوريا والولايات المتحدة والقوى الإقليمية.

ما يجري حول الحقول السورية، وخطوط الأنابيب، والشركات الأمريكية، لا يقتصر على استثمارات متفرقة، بل يكشف محاولة أوسع لإعادة هندسة الاقتصاد السياسي، وفي قلب هذه المحاولة تقف أسئلة أكثر عمقا من النفط نفسه، فمن يملك الممرات؟ من يحصل على العائدات؟ من يضمن الأمن؟ ومن يدفع كلفة الفشل إذا انهارت الترتيبات؟

تكشف التطورات الأخيرة أن واشنطن تتعامل مع العراق وسوريا كمساحة نفوذ واحدة، تسعى إلى إعادة تشكيلها عبر الطاقة والبنية التحتية والاستثمار، والانتقال من حضور عسكري مكلف إلى نفوذ اقتصادي طويل الأمد.

من الأمن إلى الاقتصاد: التحول في أدوات النفوذ

في الشرق الأوسط، يتم صنع السياسة من فوهات البنادق، لكننا اليوم أمام سؤال مختلف، فهل يمكن تثبيت النفوذ عبر المصالح الاقتصادية بدلا من القواعد العسكرية وحدها؟

يتحرك توم باراك بتفويض عابر للحدود، بصفته مبعوثا أمريكيا خاصا إلى العراق وسوريا وسفيرا للولايات المتحدة في تركيا، وعكس لقاؤه في أربيل مع مسعود بارزاني ورئيس حكومة إقليم كردستان العراق مسرور بارزاني رؤية أمريكية تتعامل مع العراق وسوريا وتركيا كمساحة مترابطة، لا كساحات منفصلة.

البيان المشترك بين رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي وباراك في حزيران 2026 قدم أوضح صيغة لهذا التحول، فربط بين هدف أمني شديد الحساسية، هو نزع سلاح الجماعات الخارجة عن سلطة الدولة العراقية، وبين حزمة استثمارية تضم شركات أمريكية عدة (Starlink، Chevron، HKN Energy، Hunt Oil، Western Zagros، Excelerate Energy، TI Capital),

لا تبدو الشركات مجرد أطراف تجارية، بل أدوات في مشروع سياسي لتحويل الأمن من مسألة عسكرية إلى شرط اقتصادي، وتحويل الاستثمار من نشاط ربحي إلى وسيلة لإعادة بناء السلطة.

السوق لا يعمل وحده في الدول المكسورة

في العراق وسوريا، لا تكفي عودة الشركات الأمريكية لإنتاج تعاف اقتصادي تلقائي، فالطاقة لا تتحول إلى تنمية بمجرد دخول رأس المال، بل تحتاج إلى دولة قادرة على حماية العقود، وضبط السلاح، وتأمين الحقول والطرق والمرافئ.

تظهر هذه المعضلة بوضوح في حقول رميلان شمال شرقي سوريا، حيث بدأت HKN Energy العمل في أحد أهم الأصول النفطية السورية، والرهان على طريقة إدارة العائدات في منطقة عاشت سنوات داخل خرائط سيطرة متداخلة.

تشير تقديرات اقتصادية إلى أن رميلان تضم أكثر من 1300 بئر، وأن إنتاجها قبل الحرب بلغ نحو 120 ألف برميل يوميا، قبل أن يتراجع بفعل الحرب وتلف البنية التحتية ونقص الصيانة.

تبدو رميلان اختبارا سياسيا بقدر ما هي مشروع طاقة، لأن طريقة إدارة عائداتها ستكشف ما إذا كان النفط سيصبح مدخلا لإعادة بناء علاقة أكثر توازنا بين المركز والأطراف، أم سينتج علاقة ثروة مركزية فوق أرض مهمشة.

كركوك–بانياس: الأنبوب بوصفه فكرة جيوسياسية

خط كركوك–بانياس ليس مشروعا فنيا فقط، فهو ذاكرة جيوسياسية تعود إلى زمن كان العراق يبحث فيه عن منفذ متوسطي، وكانت سوريا تمتلك موقعا يسمح لها بأن تكون دولة عبور.

الخط، وفق بيانات Global Energy Monitorيمتد من حقول كركوك إلى محطة بانياس على الساحل السوري، وتعود بداياته إلى خمسينيات القرن الماضي، بطاقة تصل إلى نحو 300 ألف برميل يوميا.

إعادة إحياء هذا الخط تعني فتح نافذة عراقية على المتوسط، وتقليل الاعتماد على منافذ الخليج، وإعادة إدخال سوريا إلى اقتصاد الممرات، وفي لحظة إقليمية شديدة الحساسية، يصبح كل منفذ إضافي للعراق ورقة في مواجهة أزمة مضيق هرمز، وضغط إيران، وتعقيدات العلاقة مع تركيا وخط جيهان.

وفق التقارير الإعلامية فإن العراق يستعد لتصدير النفط الخام و”النفثا” عبر الموانئ السورية، وترى بغداد في المسار السوري جزءا من استراتيجية تنويع طرق التصدير وتقليل الاعتماد على ممر واحد، كما تحدثت المصادر عن إمكانية بدء عبور نحو 50 ألف برميل يوميا من الخام عبر سوريا، واستعدادات في بانياس لزيادة قدرة التفريغ والاستقبال.

الرقم محدود إذا قورن بصادرات العراق الجنوبية التي تبلغ ملايين البراميل يوميا، لكنه مهم سياسيا، فالتحولات الكبرى تبدأ بمسارات صغيرة تثبت أن البديل ممكن، وحين يفتح المسار تبدأ الاستثمارات في اللحاق به، ومعها يتغير ميزان النفوذ حوله.

العراق ومأزق المنفذ الواحد

العراق غني بالنفط، وفقير في الخيارات الجغرافية، فالجزء الأكبر من صادراته يمر جنوبا عبر الخليج، وهذا يمنح مضيق هرمز وزنا استراتيجيا هائلا في أمن الطاقة العراقي، وأي توتر في الخليج ينعكس مباشرة على بغداد، حتى لو لم تكن هي طرفا مباشرا في الصراع.

في هذا السياق تكتسب بانياس أهميتها، ليس كبديل عن البصرة، لكنها تمنح العراق مساحة مناورة استراتيجية؛ وتنقله من دولة تعتمد على ممر تصدير شبه وحيد إلى دولة تملك أكثر من طريق للتصدير والتفاوض.

يصبح خط كركوك – بانياس جزءا من معادلة أكبر تشمل تركيا، فالعراق يراجع خياراته الشمالية، بما فيها خطوط التصدير عبر تركيا، بينما يبحث عن بدائل سورية، وكلما تعددت المخارج، تراجعت قدرة أي طرف إقليمي على احتكار الضغط على بغداد.

سوريا بين فرصة العبور وفخ الريع

الفرصة بالنسبة إلى سوريا مغرية، حيث يمكن لعائدات العبور والطاقة أن تمنح الدولة موردا سريعا، وتعيد البلاد إلى خرائط الاستثمار.

لكن خطر الوقوع في فخ “اقتصاد الريع السريع” حاضر، حيث أموال النفط والعبور والامتيازات لا تتحول إلى تعليم وصحة وصناعة وفرص عمل، بل تذهب إلى شبكات ضيقة تحتكر العقود والتراخيص، وعندها تصبح الطاقة أداة جديدة لإعادة إنتاج اللامساواة.

لا ينبغي النظر إلى عودة Chevron أو HKN أو غيرهما بوصفها ضمانة للتعافي، فسوريا اختارت موقعا بحريا لأول مشروع عميق لاستكشاف النفط والغاز بالتعاون مع Chevron وUCC Holding القطرية، بعد مذكرة أولية لتقييم موارد الغاز والنفط في المياه السورية.

هذه خطوة كبيرة، لكنها ستظل محكومة بالسؤال نفسه: أي دولة ستدير هذه الموارد؟ دولة قانون ومؤسسات، أم دولة امتيازات وعقود مغلقة؟

الشركات كأدوات سياسية لا كقوى محايدة

من الخطأ التعامل مع الشركات الكبرى ككيانات اقتصادية محايدة، ففي مناطق مثل سوريا والعراق، تدخل الشركة إلى بيئة أمنية وسياسية معقدة، وتحمل معها حماية قانونية، وغطاء دبلوماسيا، وشبكة مصالح تمتد إلى واشنطن والعواصم الإقليمية.

حين تدخل الشركات الأمريكية إلى حقول النفط والغاز وخطوط الأنابيب في سوريا والعراق، فنحن أمام تشكل بنية نفوذ جديدة، فالشركات تعمل كأطراف تجارية وجسور بين رأس المال والسياسة، وكل عقد طويل الأمد يصبح جزءا من هندسة السلطة في المشرق.

تحتاج سوريا والعراق إلى رأس المال والتكنولوجيا والخبرة، لكن قيمة الاستثمار لا تقاس بحجم التدفقات وحدها، بل بشروطها، فبغياب الشفافية تتحول العقود من أداة للتنمية إلى آلية لنقل المخاطر إلى الدولة والمجتمع، وترك الأرباح في يد شبكات ضيقة من الشركات والوسطاء.

الجغرافيا السياسية للسلام الاقتصادي

ثمة فرضية كامنة في المشروع كله بأن الاقتصاد يصنع استقرارا لا تستطيع السياسة وحدها إنتاجه.

إذا ربط العراق بسوريا عبر الطاقة، ودخلت الشركات الأمريكية والخليجية في إعادة تأهيل القطاعات الحيوية، وتحولت بانياس إلى عقدة تصدير، ستنشأ مصالح جديدة تدفع الأطراف إلى خفض التصعيد.

هذه الفرضية ليست مضمونة، فالاقتصاد لا يصنع السلام تلقائيا، وأحيانا يفعل العكس، خصوصا عندما تكون المكاسب كبيرة والرقابة ضعيفة.

خطوط الأنابيب تصبح جسورا للتعاون، لكنها يمكن ان تغدو أهدافا للتخريب أو أدوات ابتزاز أو مصادر نزاع على الرسوم والحصص والسيادة.

نجاح المسار العراقي–السوري مرتبط بإعادة تأهيل السياسة التي تديرهما، زبزجزد قواعد واضحة تضمن أن تتحول عائدات الطاقة إلى تنمية عامة، لا إلى نفوذ مغلق أو إنفاق غامض.

واشنطن ومفارقة الدولة والسوق

المفارقة أن المشروع الأمريكي لا يستطيع الاكتفاء بمنطق السوق وحده، لأن الاستثمار يحتاج إلى دولة قادرة على تنظيمه وحمايته ومحاسبته.

ترك الشركات تعمل داخل فراغ مؤسسي، ينتج نسخة جديدة من الامتيازات الأجنبية المغلفة بلغة الاستثمار.

في العراق، يعني ذلك أن حصر السلاح بيد الدولة ليس شرطا أمنيا فقط، بل شرط اقتصادي، فلا يمكن لشركة أن تستثمر مليارات الدولارات في خط أنابيب أو حقل غاز إذا كان قرار الحرب والسلم موزعا بين الدولة وجماعات مسلحة.

في سوريا استعادة النفط لا تكفي إذا لم تترافق مع عقد اجتماعي جديد بين المركز والأطراف، خصوصا في مناطق الإنتاج.

هل نحن أمام محور اقتصادي جديد؟

هناك أمام نواة محور، فالمؤشرات المتفرقة في الطاقة والبنية التحتية والاتصالات تكشف اتجاها واضحا نحو ربط العراق وسوريا ضمن هندسة اقتصادية أوسع، لكنها لم تتحول بعد إلى إطار سياسي نهائي.

ما يزال المسار بحاجة إلى اتفاقات معلنة، وتمويل مؤكد، وضمانات تنفيذية تجعل المشروع قابلا للقياس لا مجرد إشارات متفرقة.

إذا نجحت هذه العناصر في التماسك، ييتوسع المشهد لاحقا نحو الأردن ولبنان والخليج وتركيا، وتصبح سوريا عقدة في شبكة ممرات تمتد من الخليج والعراق إلى المتوسط، والعراق دولة تحاول تحويل ثروتها الجغرافية إلى قوة تفاوضية.

التنمية أو إعادة إنتاج الريع

القضية ليست أن يعود النفط السوري إلى العمل، ولا أن يجد العراق طريقا جديدا إلى المتوسط. القضية الأعمق هي ما إذا كانت هذه المشاريع ستبني اقتصادا سياديا منتجا، أم ستعيد إنتاج اقتصاد الريع نفسه بوجوه جديدة.

تسعى واشنطن إلى تحويل الطاقة والبنية التحتية إلى أدوات نفوذ طويل الأمد في دمشق وبغداد، ويبقى معيار الحكم على هذا المسار في نتائجه السياسية والاقتصادية، فهل يساعد على بناء مؤسسات أكثر شفافية وقدرة، أم يعيد إنتاج التبعية نفسها بصيغة جديدة، تنتقل من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد الامتيازات المغلقة؟

لا تقاس أهمية كركوك – بانياس بعدد البراميل التي تمر فيه، بل لأنه يكشف سؤال المشرق، فهل تستطيع دوله أن تحول الجغرافيا من لعنة إلى أصل اقتصادي؟ وهل يمكن للطاقة أن تكون أداة لبناء الدولة لا لهدمها؟

الشركات وواشنطن لا تحل هذا المأزق، بل قدرة العراق وسوريا على فرض قواعد عادلة للعبة جديدة قبل أن تبتلعها شبكات النفوذ الدولي.

اقتصاد الأنابيب

المصدر: سوريا الغد

اقرأ المزيد
آخر الأخبار