لا تبدأ السياسة من الدساتير ولا من الخطب العالية عن “المرحلة الانتقالية” بل من سؤال أكثر خشونة وواقعية: من يملك وسائل الإكراه ويجبي الموارد؟ ومن يفرض الطاعة بوصفها أمرا مشروعا لا مجرد وقائع قوة؟ ومن هذه الزاوية، فإن سوريا منذ 8 كانون الأول 2024، يوم سقوط النظام، لا تبدو بلدا أنجز انتقالا من الاستبداد إلى الدولة، بقدر ما تبدو ساحة مفتوحة لصراع على وراثة الدولة وأجهزتها وحدودها ومواردها، وحقها في الادعاء بأنها الممثل الوحيد للمجتمع.
ثمة قدر من التبسيط في اللغة التي تتحدث عن “انتصار الثورة” أو “سقوط الطغيان” كما لو أن ذلك يكفي، بذاته، لولادة نظام سياسي جديد، فسقوط النظام لا يعني قيام دولة، بل يفضي، في كثير من الأحيان، إلى النتيجة المعاكسة؛ انهيار الغلاف المركزي الذي كان يمسك البلاد، وصعود البنى التي راكمتها الحرب بصمت على مدى سنوات، من شبكات السلاح والجباية المحلية إلى الزعامات الميدانية واقتصادات الظل، والسؤال الجوهري في سوريا لا يقتصر على ما إذا كان النظام سقط، بل يمتد إلى ما هو أبعد، ما الذي نشأ مكانه فعلا؟
سقوط النظام لم يُنهِ الحرب على الدولة
الدولة ليست مبنى سياديا مجردا، بل احتكار متدرج ومنظّم للإكراه داخل إقليم محدد، والمعنى العملي لذلك أن السلطة الانتقالية في دمشق لا تقاس بقدرتها على إصدار المراسيم، بل على انتزاع السلاح من الفاعلين الآخرين، أو دمجهم بشروطها، أو إخضاعهم لتراتبية واحدة.
هنا تبدو الصورة السورية أكثر تعقيدا مما توحي به الرواية الرسمية، فصحيح أن أحمد الشرع صار رئيسا انتقاليا في كانون الثاني 2025 وشكل حكومة انتقالية موسعة في 29 آذار 2025، لكن ذلك لم يعنِ أن مركز السلطة بات يسيطر فعليا على المجال السوري كله.
الاتفاق الموقّع في 10 آذار 2025 بين سلطة دمشق و”قسد” محاولة كلاسيكية لتوسيع احتكار الدولة للإكراه عبر ضمّ قوة مسلحة محلية إلى البنية السيادية، مع استعادة المعابر والمطار وحقول النفط والغاز في الشمال الشرقي.
غير أن الاتفاق نفسه بقي معلقا في تفاصيله الحاسمة، فكيف يندمج المقاتلون؟ من يقود؟ ومن يحتفظ بسلسلة الأوامر؟ ثم أظهرت اشتباكات حلب مطلع كانون الثاني 2026 أن الدمج لم يتحول إلى سيادة فعلية، وأن التنافس بين المركز والقوة الكردية ما زال قائما تحت سطح اللغة التصالحية، فالدولة لم تنجح بعد في تحويل الخصم المسلح إلى موظف داخلها؛ وما دام ذلك لم يحدث، فنحن أمام تسوية بين قوى أكثر مما نحن أمام دولة متماسكة.
السلطة الجديدة ورثت البلد أكثر مما بنت الدولة
الخطأ الشائع في قراءة “سوريا الجديدة” هو افتراض أن السلطة الجديدة بدأت من “صفر مؤسسي”، وفي الحقيقة، هي ورثت الجغرافية السورية ومؤسساتها، لكنها لم ترث طاعة وطنية مستقرة، وهذا فارق جوهري. بين وراثة المبنى وامتلاك البنية؛ فيمكن أن تجلس في القصر الرئاسي، لكنك لا تكون دولة إلا حين تستطيع تحويل السكان إلى رعايا قانون، لا إلى جماعات تراقبك بقلق وتتساءل إن كنت مجرد قوة غالبة أخرى.
الحكومة الانتقالية، رغم توسيعها وإدخال وزراء من خلفيات مذهبية وإثنية مختلفة، تبدو أقرب إلى ائتلاف لشرعنة المركز منها إلى عقد وطني مكتمل.
المشكلة ليست في الرمزية التمثيلية، بل في حدودها؛ فالتمثيل لا يصبح شرعية مستقرة ما لم يترافق مع ضمانات أمنية متساوية، وقضاء قابل للثقة، وقدرة فعلية على كبح الفصائل والمجموعات المنفلتة، فالتعدد داخل مجلس الوزراء لا يساوي تلقائيا تعددا داخل بنية السلطة، وهذا أحد المواضع التي ينبغي فيها نقد الأداء الراهن بلا تردد، فالسلطة الانتقالية نجحت في تحسين صورتها الخارجية أسرع بكثير من نجاحها في بناء ثقة داخلية صلبة.
في سوريا اليوم، ما زال العنف يسبق القانون
حين تقع مجازر الساحل في 7-9 آذار 2025، فنحن لا نكون أمام فشل بنيوي في تحويل القوة المنتصرة إلى سلطة منضبطة، والأشد دلالة أن تحقيقا لرويترز ربط سلسلة القيادة المؤدية إلى المذابح بدمشق، فيما بدأت السلطات لاحقا أول محاكمة تتعلق بعنف الساحل في تشرين الثاني 2025، هذا التتابع مهم جدا، فالعنف وقع أولا، والمساءلة جاءت متأخرة، ومشروعية المركز تضررت في أصلها.
التوترات الطائفية لم تنحصر بالساحل، ففي الأيام الأخيرة من آذار 2026 شهدت بلدة السقيلبية المسيحية هجوما طائفيا، بعد نزاع شخصي تصاعد إلى اعتداء مسلح واسع، ما أعاد إلى الواجهة مخاوف مكونات أساسية وسيادية تصنف خطأ “كأقليات” من أن الدولة الجديدة لم تُخضع بعد الفاعلين الإسلاميين والمحليين لمنطق قانون موحد، فحتى حين تتدخل القوات الحكومية لاحقا، يبقى السؤال نفسه قائما: هل تتدخل السلطة بصفتها حكما سياديا أم بصفتها طرفا يطفئ حرائق انفلتت من بيئته السياسية والاجتماعية؟
من هذه الزاوية، لا يكفي أن تقول السلطة إنها تدين الانتهاكات، فالإدانة خطاب؛ أما الدولة، فهي قادرة على منع العنف الخاص ومعاقبة مرتكبيه بصورة متوقعة ومنتظمة.
حين تبقى المكونات الاساسية “الأقليات” ، أو سكان الأطراف، أو الخصوم السابقون، في حالة ترقب وخوف من المجموعات المسلحة المحسوبة على النظام الجديد، أو المتحالفة معه، فهذا يعني أن احتكار الإكراه ما زال هشا،ومشروعية الاحتكار أكثر هشاشة.
الجباية لا تقل أهمية عن البندقية
الدولة لا تقوم بالسلاح وحده، بل بالقدرة على استخراج الموارد، فالحرب تصنع الدولة لأنها تدفع الحكام إلى بناء أجهزة جباية وإدارة وضبط، وإذا طبقنا هذا على سوريا، سنجد أن معضلة سلطة دمشق ليست عسكرية فحسب، بل مالية أيضا، فالدولة التي لا تستطيع جمع الموارد بطريقة مستقرة وشرعية ستظل رهينة الخارج، أو رهينة الشبكات، أو رهينة الأمرين معا.
صحيح أن عام 2025 شهد تخفيفا كبيرا للعقوبات الأميركية، بدءا من أوامر أيار ووصولا إلى الأمر التنفيذي في 30 حزيران 2025 الذي أنهى برنامجا أساسيا من العقوبات، وأن سلطة دمشق بدأت تتحدث عن إعادة هيكلة ديونها واستعادة اتصالها بالنظام المالي الدولي.
هذا التطور يقرأ بحذر شديد، فرفع العوائق الخارجية لا يعني قيام قدرة استخراج داخلية، فربما ينتعش الاقتصاد، ويخفف العزلة، ويجذب استثمارات سعودية محتملة، لكنه لا يحل تلقائيا معضلة من يجبي، وكيف، وتحت أي رقابة، ولصالح أي عقد سياسي.
الخطر اليوم ليس فقط في ضعف المال العام، بل في احتمال أن تنشأ صيغة سورية جديدة من الدولة الريعية ما بعد الحرب؛ سلطة مركزية تستعيد الشرعية الدولية، وتتلقى المساعدات والاستثمارات ووعود الإعمار، من دون أن تبني في المقابل جهازا ضريبيا وقانونيا يربط المجتمع بالدولة عبر حقوق وواجبات متبادلة.
الجباية التاريخية، رغم قسوتها، ساهمت في صنع التمثيل السياسي لأن من يدفع يطالب، أما الريع الخارجي فيسمح أحيانا بقيام سلطة أقل اضطرارا للتفاوض مع مجتمعها، وهذا هو المأزق السوري المحتمل إذا صار تمويل إعادة البناء بديلا عن بناء العقد العام.
الشرعية الخارجية تتقدم على الشرعية الداخلية
منذ 2025 بدا واضحا أن السلطة الجديدة تبذل جهدا كبيرا لفتح الأبواب الغربية والعربية؛ تخفيف العقوبات الأميركية، وانفتاح أوروبي متدرج، ولقاءات في لندن وبرلين، وحديث عن عودة اللاجئين والمساهمة في إعادة الإعمار.
في 31 آذار 2026 أعلن الشرع في لندن أن سوريا ستبقى خارج الحرب مع إيران ما لم تتعرض لاعتداء مباشر؛ في رسالة واضحة إلى العواصم الغربية والعربية بأن دمشق الجديدة تريد أن تكون شريك استقرار لا بؤرة انفجار إضافية.
هذا المسار مفهوم سياسيا، لكن القراءة النقدية تكشف مشكلة مزدوجة، فكلما تسارع الاعتراف الخارجي قبل ترسيخ العقد الداخلي، أمكن للسلطة أن تستمد جزءا من مشروعيتها من الحاجة الدولية إلى الاستقرار بدل استمدادها من موافقة المجتمع وتنظيم الاختلافات داخله، فتنشأ مفارقة قاسية، فالخارج يصفق لـ”الانتقال السوري” في اللحظة التي لا يزال الداخل يفاوض فيها على أبسط شروط الأمان المتساوي والتمثيل الفعلي.
الدستور الانتقالي ليس عقدا اجتماعيا بعد
الإعلان الدستوري الصادر في 13 آذار 2025، الذي أبقى للشريعة الإسلامية موقعا مركزيا كأساس رئيسي للتشريع خلال مرحلة انتقالية من خمس سنوات، مع ضمانات لحقوق المرأة وحرية التعبير، كان محاولة لإعطاء الانتقال إطارا قانونيا.
لكن الرفض الكردي السريع لهذا الإطار، والاحتجاجات التي تلت ذلك، كشفا أن الوثيقة لم تتحول إلى أرضية وفاق وطني، فالنصوص ليست بلا قيمة، لكنها تأتي في مرتبة لاحقة على ميزان القوة والقدرة على فرض القواعد بصورة عادلة، فإذا كان بعض الفاعلين الكبار لا يعترفون أصلا بشرعية الصيغة الدستورية، فإن الوثيقة تكون أقرب إلى إعلان نية من كونها قاعدة سيادة.
السلطة الانتقالية تعاملت مع الدسترة، في جانب منها، بوصفها أداة لتثبيت المركز سريعا، لا بوصفها عملية تفاوض عميقة على معنى الجماعة السياسية السورية بعد 2011، ما يفرض خطرا جوهريا في أن تبدو الدولة الجديدة وكأنها تستبدل أحادية قديمة بأحادية أقل فجاجة، فالدولة التي توسع قدرتها من دون توسيع القبول بها تزرع في قلبها أزمات الغد.
عودة اللاجئين واختبار الدولة الحقيقي
الحديث الألماني عن العمل مع دمشق لإعادة اللاجئين، والرهان على دورهم في إعادة البناء، يفتح ملفا مهما، فالسكان ليسوا مجرد ضحايا أو كتلة بشرية؛ إنهم مادة الدولة نفسها، ومن يعود، ولأي منطقة، وبأي ضمانات، وتحت أي قضاء، ومن يستعيد ملكيته أو لا يستعيدها، كلها أسئلة تتعلق بإعادة تركيب العلاقة بين السلطة والمجتمع.
إذا عادت أعداد كبيرة من السوريين إلى بلد لم يحسم بعد مسائل الأمن المحلي، والتمثيل، والحقوق العقارية، والعدالة الانتقالية، تتحول العودة من مؤشر تعاف إلى مصدر احتكاك جديد.
الدولة تُختبر غالبا في الداخل وفي الملفات اليومية، لا في المؤتمرات الدولية، ونجاح سلطة دمشق لن يقاس فقط بقدرتها على التفاوض مع واشنطن أو برلين أو أنقرة، بل على الإجابة عن أسئلة النازحين والعائدين والمالكين السابقين وأهالي الضحايا و”الأقليات” الخائفة، ومن دون ذلك، سيبقى “إعادة الأعمار” شعارا عمرانيا فوق مجتمع لم يُعد بناؤه سياسيا.
كيف يمكن النظر الى الرئيس الانتقالي؟
مقاربة أحمد الشرع لا ينبغي أن تتوقف عند الأوصاف الرائجة من قبيل “إسلامي معتدل” أو “زعيم انتقالي” أو “قائد براغماتي”، فهذه توصيفات سياسية وإعلامية ربما مفيدة في التداول العام، لكنها لا تكفي لفهم المسألة في جوهرها.
السؤال الأكثر جدية ما إذا كان الرئيس قادرا على تحويل ائتلاف المنتصرين المختلقين من الخارج إلى سلطة عامة مستقرة، لا إلى مجرد توازن هش بين قوى الغلبة.
المعيار الحقيقي هنا لا يتعلق بالخطاب، بل بالقدرة على الفعل، فهل يستطيع ضبط الفاعلين المسلحين المحسوبين عليه قبل خصومه؟ هل يتمكن من تحويل الموارد إلى جباية عامة تخضع لمنطق الدولة، لا إلى شبكات نفوذ وافتراس؟ هل يوسع دائرة الامتثال عبر القانون والمؤسسات، بدل الاكتفاء بالخوف والولاء القسري؟ وهل ينجح في ترجمة الانفتاح الخارجي والاعتراف الدولي إلى بنية داخلية قابلة للحياة، بدل أن يبدد ذلك في إدارة يومية للأزمات؟
حتى الآن، لا يبدو الجواب محسوما، فثمة إخفاقات لا يمكن القفز فوقها، من عنف طائفي واسع، وهشاشة واضحة في ضبط الحلفاء المسلحين، وتعثر في مسار دمج “قسد”، وقلق متزايد لدى مكونات اجتماعية ما تزال ترى أن السلطة الجديدة لم تثبت بعد أنها سلطة جامعة، بل تبدو في نظر كثيرين أقرب إلى سلطة الغالب منها إلى دولة الجميع.
المشكلة في كثير من الكتابات عن سوريا بعد الأسد أنها تُفرط في استعمال مفردة “الانتقال” كأنها تصف واقعا ناجزا، ولكن الأدق أنها في زمن التنازع على مركزة الإكراه واستخراج الموارد وتوزيع الحماية.
الدولة لا تولد من إعلان دستوري، ولا من اعتراف خارجي، ولا من انهيار خصم تاريخي، بل من عملية أشد بطئا وأكثر قسوة، عبر تحول العنف من ملكية جماعات إلى ملكية مؤسسة وتتحول الجباية من افتراس إلى إدارة؛ وأن تتحول الحماية من امتياز لفئة إلى حق عام.
سوريا بعد سقوط النظام: ولادة سلطة لم تكتمل






المصدر:سوريا الغد