قراءات سياسية فكرية استراتيجية

 

اخر الاخبار

أرقام بلا أساس؟ تفكيك اقتصادي وسياسي لخطاب الرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع

في الخطابات السياسية التي تأتي في أعقاب الأزمات الكبرى، لا تُستخدم الأرقام بوصفها أدوات قياس باردة، بل كوسيلة لإعادة بناء الثقة وصياغة أفق جديد، وخطاب الريس الانتقالي السوري أحمد الشرع يندرج ضمن هذا النمط؛ لا يكتفي بعرض مؤشرات اقتصادية، بل يوظفها لبناء سردية متكاملة عن دولة تتعافى بسرعة، وتعيد تموضعها داخليا وخارجيا.

السؤال التحليلي لا يتعلق فقط بصحة الأرقام، بل بوظيفتها: كيف تستخدم؟ وما الذي تخفيه؟ وهل تعكس تحولا حقيقيا أم إعادة ترتيب للواقع على مستوى الخطاب؟

اقتصاد التعافي: بين القفزة الرقمية والهشاشة البنيوية

يبدأ الخطاب من نقطة تبدو متماسكة؛ اقتصاد سوري بلغ نحو 60 مليار دولار في 2010، وهو رقم يتوافق مع التقديرات الدولية، لكن عند الانتقال إلى الحاضر، تظهر أولى إشارات الخلل، فالناتج المحلي يقدر بنحو20 مليار دولار في 2024، في حين تشير أغلب التقديرات المستقلة إلى مستوى يتراوح بين8 و12 مليار دولار.

هذه ليست مجرد فجوة إحصائية، بل إعادة تعريف لنقطة الانطلاق، فعندما يرفع خط الأساس، يصبح النمو اللاحق أكثر إقناعا، ويصبح الحديث عن ارتفاع الناتج إلى 32–33 مليار دولار في 2025، ثم إلى 50 –60 مليارا في 2026، جزءا من سردية تصاعدية متماسكة ظاهريا، لكنها تفتقر إلى الشروط البنيوية التي تجعلها ممكنة.

ففي الاقتصاد، لا تتحقق القفزات بهذه السرعة إلا إذا توفرت ثلاثة عناصر:

تدفقات استثمارية كبيرة.
استقرار سياسي وأمني شامل.
قدرة إنتاجية جاهزة لإعادة التشغيل.
وفي الحالة السورية، لا يبدو أي من هذه العناصر متوفرا، بل إن الاقتصاد ما يزال يعاني من:

تآكل في البنية التحتية.
ضعف في الإنتاج.
قيود على التجارة والتمويل.
النمو المعلن بنسبة 30 – 35%لا يعكس تحولا إنتاجيا بقدر ما يعكس ما يمكن تسميته بـ”النمو الحسابي” الناتج عن المقارنة مع قاعدة منخفضة، وربما أيضا عن تضخيم هذه القاعدة أصلًا.

الموازنة: توسع مالي بلا عمق اقتصادي

يتعزز هذا الانطباع عند النظر إلى أرقام الموازنة؛ الانتقال من2 مليار دولار في 2024 إلى 10.5 مليار دولار في 2026 يمثل توسعا ماليا هائلا خلال فترة قصيرة، لكن الخطاب لا يجيب عن السؤال المركزي: من أين سيأتي التمويل؟

في الاقتصادات الطبيعية، يمول الإنفاق عبر:

الضرائب.
الإيرادات السيادية.
الاقتراض.
أو الاستثمارات.
لكن في الحالة السورية:

القاعدة الضريبية ضعيفة.
الموارد ما تزال في طور الاستعادة.
الوصول إلى الأسواق المالية الدولية محدود.
وهذا يجعل التوسع المعلن أقرب إلى تصور سياسي للإنفاق منه إلى سياسة مالية قائمة على موارد مستقرة.

حتى تخصيص3 مليارات دولار لإعادة الإعمار يندرج ضمن هذا السياق؛ فيعكس أولوية واضحة، لكنه يثير تساؤلات حول القدرة الفعلية على التمويل، في ظل غياب دعم دولي واسع النطاق.

الأجور: الأرقام التي لا تقول كل شيء

أكثر ما يلفت في الخطاب هو الحديث عن زيادات في الأجور تصل إلى 550% بل و 1200% في بعض القطاعات، وهذه الأرقام، في ظاهرها، تعكس تحولا جذريا في المستوى المعيشي، لكنها، في سياق اقتصاد يعاني من تضخم مرتفع وتقلبات نقدية، تحتاج إلى قراءة مختلفة.

في مثل هذه الحالات، ربما ترتفع الأجور اسميا، بينما تبقى القدرة الشرائية محدودة، أي أن ما يبدو تحسنا كبيرا على الورق يكون مجرد تعويض جزئي عن تآكل سابق، وتصبح الأرقام جزءا من خطاب طمأنة اجتماعي، أكثر منها مؤشرا دقيقا على تحسن اقتصادي فعلي.

السياسة: إعادة تعريف الدور في بيئة معقدة

إذا كان الاقتصاد في الخطاب يمثل أداة لإعادة بناء الداخل، فإن السياسة تمثل أداة لإعادة تعريف الموقع الخارجي، فالتحول من “ساحة صراع” إلى “فاعل استقرار” هو أحد أكثر عناصر الخطاب طموحا، لكن هذا التحول يصطدم بواقع إقليمي لا يزال معقدا:

وجود قوى متعددة داخل الجغرافيا السورية.
تداخل الملفات الأمنية مع حسابات إقليمية.
استمرار التوترات في محيط سوريا.
إن هذا التحول يعكس إعادة صياغة للخطاب السياسي أكثر من كونه تحولا مكتملًا في الواقع.

استعادة الموارد: الإمكانات غير المستثمرة بعد

يشير الخطاب إلى استعادة أكثر من 25% من مساحة البلاد، بما تحمله من موارد، ومن الناحية النظرية، يمثل ذلك تحولا مهما، إذ يمكن لهذه الموارد أن:

تعزز الإيرادات.
تدعم الإنتاج.
تقلل الاعتماد على الخارج.
لكن عمليا، تبقى هذه الإمكانات مشروطة بـ:

الاستثمار في البنية التحتية.
تأمين بيئة تشغيل مستقرة.
إيجاد قنوات للتصدير.
وبدون ذلك، تظل الموارد قدرة كامنة لا تتحول تلقائيًا إلى نمو فعلي.

الشرعية عبر الأداء: رهان محفوف بالتقلب

يعتمد الخطاب بشكل واضح على فكرة أن تحسين الاقتصاد والخدمات سيؤدي إلى إعادة بناء العلاقة مع المواطن، وهذا النموذج الذي يمكن تسميته بالشرعية القائمة على الأداء يحمل جاذبية واضحة، خاصة بعد فترات الأزمات.

لكنه في الوقت ذاته يحمل مخاطرة مزدوجة:

إذا تحققت النتائج، تتعزز الثقة بسرعة.
وإذا تعثرت، تتآكل الشرعية بالسرعة نفسها.
وهنا، تصبح الأرقام سلاحا ذا حدين، فهي ترفع التوقعات، لكنها ترفع معها سقف المساءلة.

الموازنة بين النص الدستوري والممارسة: أين تقف السلطة؟

تكتسب مسألة الموازنة بعدا أعمق حين تُقرأ في سياقها الدستوري، لا بوصفها مجرد أداة مالية بل كاختبار فعلي لتوازن السلطات، فإقرار الموازنة، في النظم الحديثة، ليس شأنا تنفيذيا خالصا، بل هو فعل تشريعي بامتياز، يعكس أولويات الدولة ويخضع للنقاش والمساءلة، وعندما يُشار في الخطاب إلى أن “الموازنة أُقرت” دون إشارة واضحة لدور السلطة التشريعية، يبرز تساؤل جوهري: هل نحن أمام عملية مؤسساتية مكتملة، أم أمام تركّز للقرار المالي داخل السلطة التنفيذية؟

في السياقات الانتقالية، يُبرر توسيع صلاحيات السلطة التنفيذية بغياب أو ضعف المؤسسات، لكن هذا التوسع يحمل مخاطر بنيوية، إذ يحوّل الموازنة من وثيقة عامة خاضعة للرقابة إلى أداة إدارة مركزية، ومع موازنة تصل إلى 10.5 مليار دولار وتخصيصات كبيرة كـ”3 مليارات لإعادة الإعمار“، فإن غياب رقابة تشريعية فعالة لا يطرح فقط إشكالية قانونية، بل يضعف أيضا الشفافية ويقيد إمكانية تقييم السياسات العامة، فتصبح الأرقام، مهما بدت طموحة، جزءا من منظومة قرار غير مكتملة التوازن، ما ينعكس مباشرة على مصداقية السردية الاقتصادية برمتها.

خطاب مزدوج: بين رفع التوقعات وضبطها

اللافت أن الخطاب لا يكتفي بالتفاؤل، بل يقر أيضا بوجود صعوبات، ويؤكد أن الإصلاح يحتاج إلى وقت، هذا التوازن يعكس محاولة لإدارة التوقعات:

تقديم صورة إيجابية للمستقبل.
مع الحفاظ على هامش للتبرير في حال التأخر.
لكن نجاح هذه المقاربة يعتمد على عامل حاسم في مدى اقتراب الواقع من الخطاب.

لا يمكن قراءة الخطاب بوصفه مجرد عرض لبيانات، بل كمحاولة لإعادة صياغة الواقع عبر الأرقام، والمشكلة ليست في الطموح، بل في الفجوة الزمنية والبنيوية بين ما يُعلن وما يمكن تحقيقه.

إذا تقلصت هذه الفجوة، يمكن أن تتحول السردية إلى مسار فعلي، أما إذا اتسعت، فإن الأرقام نفسها التي صُممت لبناء الثقة تصبح مصدرا للتشكيك.

وفي هذا التوتر بين الطموح والواقع، يتحدد مستقبل هذه السردية: هل هي بداية تحول حقيقي، أم مجرد إعادة ترتيب للواقع على مستوى الخطاب؟

خطاب أحمد الشرع: المقارنة المزدوجة
اقتصادياً وسياسياً

قراءة اقتصادية نقدية: الخطاب يعتمد على تضخيم خط الأساس (تقدير الناتج الحالي بـ20 مليار بدل 8-12 مليار)، مما يسمح بإظهار “نمو خارق”. كما يخلط بين النمو الاسمي والحقيقي، ويتجاهل محددات النمو الرئيسية (الاستثمار، الإنتاجية، رفع العقوبات). القفزة إلى 50-60 مليار دولار بحلول 2026 تحتاج إلى إعادة بناء شاملة وتدفقات استثمار خارجي غير متوفرة حالياً.

الخلاصة التحريرية:
اقتصاديًا: “سردية تعافٍ متسارع غير مدعومة كليًا بالبيانات الدولية” — تضخيم الأرقام، قفزات غير واقعية في الناتج المحلي والنمو، وغياب مصادر تمويل واضحة.
سياسيًا: “إعادة تموضع خطابي تتجاوز حدوده الواقع الجيوسياسي الحالي” — مبالغة في دور سوريا كفاعل استقرار، وتبسيط مفرط للتحديات الأمنية والمؤسسية.
التقييم العام: نقاط القوة تشمل وضوح الرسائل ومحاولة بناء أمل وطني، لكن نقاط الضعف تتمثل في فجوة كبيرة مع البيانات الدولية، تقديرات نمو غير منطقية، وتجاهل القيود البنيوية.

المصدر: سوريا الغد

اقرأ المزيد
آخر الأخبار